غسان مطر


غسان مطر… الذئب الذي عشق الغزالة
طباعة
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
ارسال لصديق
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
جوزف حرب


كنا، بعدُ، على ساقٍ لنا خضراء، يوم التقينا. كان أبرعَنا في الشعر، وأشفَّنا في الحب، وألصقَنا في الإنتماء. وكانت صفةُ القيادة، أكثرَ صفات قامته التماعاً. ويغيب. فلا يصلنا من غيابه إلا أنه قد أُصيب بجرح. ويعود فنفتشُ عن جراحه في صوته، وقسماتِ وجهه، وحالاتِ كلامه، فلا نقعُ في كل ذلك على أثر لأي جرح. كان بيننا سيّدَ من أخفى جراحه، ومسحَ دماءَه، وأغلق دوننا أبوابَ أوجاعه.

Image
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
ويطوي العامُ فينا العام. ونتقارب. ونتباعد. ونبقى واحداً في هموم الشعر، واحداً في المصير، واحداً في معنى الحق. ويقعُ الجرح فينا على الجرح، ولا أكاليلَ نصر لنا، وأكفُّنا منهوبةُ الأصابع، لكثرة ما لاحقتْ أقلامنا المخابرات وقصائدُنا مطرودةٌ من الصفحاتِ الثقافية في الصحف اليومية، بقرارٍ من رؤسائها المصابينَ بالعنصرية، والعرقية، والحقدِ العميق على التراث العربي، والتبعيةِ الدونية لمدارس الغرب، والدعوةِ إلى إنقاذ الشعر من الوطن، ومصائر الشعوب، وحريةِ الأمم، على اعتبار أن هذه الموضوعات،‌ إنما هي متروكةٌ للنثر. أما الشعر، فقضاياه الخرابُ الداخلي للروح، والنوازعُ الملعونة للنفس، في قوالب أسقطتْ من جماليتها الإيقاعَ، والوزن، والتفعيلة، والبيت. وباتت قبوراً لا تعرف من الفن إلا جمالية الكلس.
ويطوي العامُ فينا العام. ونلتقي من جديد ونكون مثقلينَ فقط بالجراح، فنمدُّ يدَ جراحنا إليه، فيمدُّ إلينا يداً لا جراح فيها، رغم ما وصلَ إلينا من مراثي جنازاته، ومناديلِ الحسراتِ فيه، وصلبانِ المرارات. فنعلم أنه ما زال كما كان، سيّدَ من خبّأ جراحه، في قامة يسودُها سلامٌ مالح، من دمعٍ خفيّ، ودم ممسوح، ووجعٍ سرّي. إنه ببساطةٍ، الصَّلبُ القاسي «المكابرُ الصوانيُّ» بحّارُ العاصفة، غسان مطر.

– 2 –
يحفرُ غسان مطر عميقاً في مكوّناتِ هذه الأمة. وهو يعلمُ أنها أمةٌ ذاتُ ليالٍ طويلة، وهزائمَ تراجيدية. وقد عرف تاريخها الذي يغصُّ بمحاولاتِ الإبادة. وعاش واقعَها الذي ما إن استقامتْ قامتُه في حركات تحريرها، حتى عادتْ إلى قامةٍ مثقلةٍ بالتفكك، والتمزق، والمجازر، والحكام الذين تجاوزوا خيانةَ شعوبهم إلى خيانة فلسطين.
رغم كل ذلك، ظل غسان مطر، يتصرفُ تصرّفَ المنتصر. ولعل إيمانَه بأن لا شعبَ جبان، ولا حريةَ قابلةٌ للموت، ولا أمةَ إلاّ وشبّت عن النير، هو الذي جعله فارساً لا يترجّل. و تمرُّ في أودية روحه أصداءُ صفقِ الرايات، وشلالاتِ الدم، وأناشيد المقاومين، ويتوقفُ أمام تصدّع النازية والفاشية، ويعبرُ في خاطره ثوارُ المكسيك وغواتيمالا، هندوراس، والسلفادور، كوستاريكا وباناما، الدومينيك والبحر الكاريبي، بورتوريكو وكوبا، هاواي والإكوادور، البيرو والتشيلي، بوليفيا وباراغواي، فينزويلاّ والبرازيل، الكونغو والصومال، أندونيسيا وفيتنام، وآخرون وآخرون. فتُقنعُهُ مقولةُ أننا لسنا خارجَ الدمِ الجاري في أرواح الأمم، فيستلُ قلَمه ويتحوّل شاعراً للأرضِ والحرية، ويُصغي إلى الهدير الذي تُتقنه المحابرُ أيام المظالم، ويتعمقُ في لمعانِ القلم خلالَ ظلامِ القراصنة، ويغمسُ ويخطُّ، ويتنكَّبُ ويُنشِدْ، ويُصيبُ ويُدمي، ويتقحَّمُ ويشتعل. ويصرخُ الذين باعدوا بين الشعر والوطن: ليس هذا بشعر. إنه منبريةٌ وتسفيهٌ ورتابةٌ وتقليد. لا تَفجُّرَ فيه ولا انقلابات. فليُفصلِ الشعر عن الوزن، وليفصل عن الأرض، والحرية، والخبز، والبندقية، والراية. ولنُدخله في الغامض والسريِّ والملعون والغيبي. ولنخترْ له النُّخبة. فهو أرقى من أن يكون لعامةٍ، أو جمهورٍ،‌ أو قضية.
ولنعترف صراحةً أن بعضاً منا استجابَ لدعوتهم. وباتتْ قصائده تُشعره بالخجل. وتدعوه إلى الإعتذار. رغم أنه يعلمُ،‌‌ ‌أن الكثيرين من هولاء، لم يُثِرْ غضبَ أرواحِهم أيُّ غزو، أيُّ احتلال، أيةُ مذبحة، أيةُ نكبة، مُسقطين من قناعاتهم، أن لا شعب في التاريخ رفع دمه دفاعاً عن وطنه إلا وكان الشعرُ قائده الروحي.
لقد خاض الآخرون معاركَهم قبلنا، وقادهم الشعر، وانتصروا. فانصرفوا إلى شعرٍ آخر، لا نستطيعُ الدخول فيه قبلَ أن نُنهي معاركنا في سبيل الحرية والأرض. وسرُّ هذا الأمر لا يعود إلى أننا متخلفون عن شعراء العالم الذين لم تعدْ قوميتُهم وأوطانُهم مكوّناً للشعر لديهم، وإنما يعودُ إلى أن الشعر هو الحدس الجمعيّ للشعوب، فمعاركهُ معاركها، وأحلامُه وقضاياه قضاياها، من غير أن يتخلى عن حدسه بالوجودِ، والأعماق، واليومي. ولو احتلّتْ باريس اليوم، كما احتلها النازيون في الحرب العالمية الثانية، لانصرف كلُّ شعراء فرنسا إلى جعل الشعر القائد الروحي للحرية. ولأعْطوا شعراً لا يقل إبداعاً عما كتبوه من قبلُ و من بعد.
لقد سقطتِ الشيوعية. فمن يتجرّأ ويقول: أن بابلو نيرودا أو ناظم حكمت، أو ماياكوفسكي، قد سقط. ولقد سقطتِ الجمهورية في اسبانيا، فمن يتجرأ ويقول: إن لوركا ليس بالمنتصر الأكبر. ولن يكتمل نصر حزب‌الله العظيم عندنا نحن الشعراء، قبل أن نضع إكليل زهر على ضريح خليل حاوي قائد روح هذا الشرق.
كل ذلك، ليس لأن هؤلاء قد حرّكهم الوطنُ والحريةُ فحسب، وإنما لأنهم همْ شعراءُ كبار. فالموضوعُ مهما يكن عظيماً، ليس بشيءٍ في الشعر، إن لم يكن خلفه شاعرٌ عظيم. والإنتصار العظيمُ الذي أزّرته المقاومةُ في آب المنصرم، ليس بشيءٍ في الشعر، إن لم يكن رافعَ رايته شاعرٌ عظيم. في الشعر، فتشوا عن القيمة الجمالية لا عن الموضوع. ولا شعرية محمود درويش في «سجل أنا عربي» نصٌّ قليل الشعر، فإذا أراد محمود درويش أن يخففَ من هذه القلة ليقدّم لنا شعريةً أعلى فليحنَّ إلى خبزِ أمة. ذلك أن المشكلة ليست في العرب ولا في الأم، وإنما المشكلة في الشعر.

– 3 –

أعتقد أنه كان علي أن أقول كلّ ذلك، لأنني تحديداً أتكلمُ عن غسان مطر. فهذا الشاعرُ قد التصقَ بما يرفضه دعاةُ القبول بأن يكونوا ظلالَ الآخرين‌، بدلاً من أن يكونوا أشجارَ أنفسهم. وهذا الشاعرُ لم يزل نبيَّ التراب؛ ورافعَ صخرة الشمس؛ والصقر الذي يغترفُ منقارُه الضوءَ من عيني اللص، والأفّاك، والقرصان،‌ والخائن؛ والرعد الذي يُلقي خطبة البرقِ من على ذؤابةِ منبر الغيم؛ والعازفَ الذي يُحيلُ الضريح إلى أرجوحةٍ لنوم البنفسج؛ ويجعلُ التبسّم كاتمَ سرِّ بكائه؛ ويدخلُ عتمةَ الأشياء كي لا يراه أحد، وهو يمارسُ طقسَ أنه وحيدٌ وضعيفٌ ومتساقط. لكم هو صعبٌ ورائع يا غسانُ، أن نكونَ رجالاً، ندافعُ طيلة العمر عن الغزالة، حتى إذا نادانا الرحيلُ الأخير، تحولنا إلى ذئابٍ انتحت مكانا لا يراها فيه أحد، واستراحت على ركبتين مطويتين، ويدين منبسطتين، ورفعتْ رأسها عالياً عالياً، بانتظار أن تَموت.
لقد أتيتَ من أجل عشقِ الغزالة، وذات يوم، سوف تمضي،‌ عالي الرأس، كما تمضي الذئاب.
في لغة غسان مطر، رقصٌ شجري. وذهابٌ من القصب إلى الناي. وصعودٌ من عري القاموسِ إلى أجملِ قمصان العبارة. ونزولٌ مطريٌّ ناغمٌ آناً، وغاضبٌ آخر، من غيمة المتخيَّل. وانسيابٌ لا تعرفه إلا قصائدُ الماء. صائغٌ. وَتَرِيٌّ. كاشفُ سرّ. ذو جملٍ  كسربِ بجعٍ عند الغروب، كوجةِ برق، كرشقِ نصل، كعكاز دمعٍ لشيخوخةِ العين، كقامة سنديان. ويرقُُ ويقسو، ويتذوّبُ ويرخم، ويصفو ويعتكر، ويلتئمُّ ويتفتّحُ، ويتنقلُ بين أن تكون المفردةُ زرَّ جلّنار أو سنَّ رمح. ولعله جاءَ إلى الكتابة من سجية الريح، وانضجَ النصّ على طريقة الصيف، وولّدَ الإيقاعاتِ من عائلة السلالم في مقام الروح، وكتبَ القصيدةَ الشجرة، حيث أخفى نسبها البحريّ، وهو يستشرفُ عند صياغتها رحمَها في البحر، وبحرَها في الغيمة، وغيمتها في المطر، ومطرها في التراب، وترابها في الماء، وماءَها في هذا الأخضر الزمرّدي الذي إذا تركتَ البحر، وصلتَ فيه إلى الشجرة، والذي إذا تركت الشجرة، رجعت فيه إلى البحر.
أعرقُ الشجر، ذاك الذي لا يصفّر في الزمن. فَمَنْ مِنْ سلالة من؟ الشجرةُ التي البحرُ فيها، أم قصائد غسان مطر؟

– 4 –
يذكرني غسان مطر بالقريحة الساطعة. والرائع المتدفّق. ولستُ أدري لماذا أظنُّ أنَ الشعر يأتيه سخيّاً، لا حَرَدَ فيه ولا تمنّع. ولعله كمن هو خابيةٌ، والقصيدةٌ إبريق. وإن الانسيابيةَ التي ينخفض الإيقاع فيها ويعلو، وينبسطُ وينقبض، ويرجُّ ويهدأ، ويرنُُ ويوسوس، إنما هي انسابيةٌ قلما وجدتها لدى شاعرٍ عربي آخر، يتخذُ لنفسه صفةَ المائي، في الجري عفوَ العبارات حتى نهاية النص. إنها لعبة براعة الماء في التلوّي والإستقامة، وذكاءِ الحيلة، وحرفيّة اللصّ، وفنيةِ الداهية. ذلك أن أفشل الشعراء، هم الذين يتخذون لأنفسهم روحية القديس في الكتابة. فكتابة الشعر، بحاجة لمحتال ولصٍّ وداهية.
وإذا كان في الأدب غيرُ أحكام وغيرُ قوانين، كما يقول عمر فاخوري، فلا بريءَ في كتابة الشعر إلا المحتالُ واللص والداهية. وغسان مطر شاعر من أبرع المحتالين واللصوص والدهاة في كتابة النصّ.
غير أنني أسارع لأقول: غسان مطر شاعرُ الحرية والأرض. وله في ذلك صفةُ المبدع والقائد. من هنا، كانت قيمةُ إبداعه في موقفه، لاتقلُّ شأناً عن قيمة إبداعه في نصه. وبينما نرى الكثير من الشعراء، يذهب في نصه مذهبَ الوطني، ويذهب في موقفه مذهبَ الخائن، نرى لجراح موقفه كتابةَ الدم في نصه. ولو أرّخنا للشعراء الذين لازموا بين الموقف والنص، لجاء غسان مطر مصلوبَهُمُ الأول.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!