الإستراتيجية التركية تجاه التحالف الدولي لمحاربة “داعش “


تعد الحسابات التركية من التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” الأكثر تعقيدا. فمن ناحية، تعد تركيا دولة جوار مباشر لكل من سوريا والعراق. ومن ناحية أخرى، فإنها الدولة المسلمة الوحيدة في حلف الناتو المشارك في العمليات العسكرية. وعلى الرغم من تبني تركيا استراتيجية التخلي عن الانخراط في عمليات التحالف الدولي ضد “داعش”، فإن التحدي الحقيقي الذي واجهته تعلق بتصاعد أزمة منطقة “عين العرب” أو “كوباني” على الحدود التركية- السورية في الفترة الماضية، حيث قام تنظيم “داعش” بمهاجمة المدينة عبر العديد من المحاور، بما أفضى إلى أزمة إنسانية نتج عنها نزوح نحو 138 ألف مواطن كردي من شمال سوريا إلى جنوب أنقرة.

هذا ما يشير اليه الباحث بوحدة العلاقات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية  محمد عبد القادر خليل في مقال له، ويتابع تحليله بالقول :”  انه وبينما كان المطلوب من تركيا تقديم الدعم المباشر أو غير المباشر لمقاتلي “كوباني”، وجدت تركيا أنها أمام صراع بين طرفين، كلاهما مصنف وفق القانون التركي، بحسبانه تنظيما إرهابيا، وأسست مواقفها اللاحقة على أن حزب الاتحاد الوطني الكردي المقرب من العمال الكردستاني، والتابعة له “وحدات حماية الشعب الكردي”، لا يمكن دعمه، تحسبا للارتدادات الأمنية التي قد تطول الدولة التركية”.

يقول  الباحث إن الانهيار المتوقع لحدود “سايكس – بيكو”، والتحضيرات التي يقوم بها بعض دول الإقليم للتعامل مع هذا الاحتمال، بما في ذلك قيام كيانات متعددة على اساس طائفي ومذهبي، ما يدفع بتركيا  الى ان  تخشى الانخراط في تحالف دولي لشن حرب على التنظيمات الارهابية، والتي باتت تعد بالالاف حيث تقول الولايات المتحدة التي تقود التحالف الدولي أن الحرب ضد “داعش” قد تستغرق سنوات طويلة، هذا بالإضافة إلى عدم وضوح الغاية النهائية من الحرب وبخاصة بعد الدخول الروسي الى سوريا بهذا الشكل العسكري الكبير والذي اصبح الامر والناهي الى حد ما في المنطقة ومن ثم  هناك الموقف من الرئيس السوري بشار الاسد.

ويضيف الباحث محمد عبد القادر خليل، ان أنقرة تعي  في الوقت نفسه أن تنظيم “داعش” موجود في سوريا والعراق منذ فترات ، ولم تتحرك القوى الغربية لاستهدافه إلا عندما بدأت عناصره بالتحرك قرب مناطق تمركز الأكراد في شمالي العراق، وسوريا، هذا بالإضافة إلى تدفق شحنات الأسلحة الغربية الحديثة إلى قوات “البشماركة” في كردستان العراق، وهو وضع  ايضاَ يقلق تركيا من جوانب متعددة، الا وهو تمدد التنظيم الارهابي ، اذا بات من الواضح انه لا بد من الانخراط في المعركة ضده وكما وباقي التنظيمات الارهابية المدعومة من اطراف متعددة ، وهذا ما يؤثر على طبيعة العلاقات مع دول الاقليم التي هي ايضاً تعاني من ازماتها وبات الارهاب يهددها في عقر دارها

ويتابع الباحث بالقول انه على الضفة الاخرى ، هناك ايضا حزب العمال الكردستاني الذي يجد من الارتباك التركي فرصة سانحة للعودة الى الساحة ” العسكرية ” كون تركيا ترفض اعطاء الاكراد حقوقهم وتعمل على محاربتهم بعد ان ساهموا الى حد كبير في محاربة التنظيمات الارهابية وبالطبع هذا ما سيسهم  في تقوية حزب العمال الكردستاني، ويرفع من سقف طموحه السياسي، ويضاعف من حجم مطالبه من أنقرة للتوصل إلى تسوية نهائية

ويتابع الباحث في الشؤون التركية قوله :” ان ما يحصل هو يشي بحقيقة أن محورية تركيا في الاستراتيجية الغربية قد تراجعت. فمنذ خمسينات القرن الماضي، وحتى العقد الأخير منه، اضطلعت تركيا بدور بارز وتكفلت به، بما حقق مصالحها، وضمن المصالح الغربية في المنطقة. غير أنه مع بدايات العقد الأول من القرن الجديد، بدت تنشد دورا استقلاليا، سواء من خلال عدم السماح للقوات الأميركية بفتح جبهة شمالية لغزو العراق، أو من خلال تبنى مقاربة مختلفة توظف الصراع العربي- الإسرائيلي لدعم الدور الإقليمي لتركيا في الإقليم، وصولا إلى الابتعاد عن المواقف الأميركية، وتبني مواقف تتسم بالندية فيما يتعلق بالحرب الدولية على “داعش”، بما يشير إلى أن ثمة حاجة لـ”دماء جديدة” في الإقليم، قد تتجسد في “عروق” دولة كردية تولد شرعيتها في ظل هذه اللحظة التاريخية وهذا ما تخشاه تركيا وتعمل على منعه ، مع العلم ان الاكراد في الحرب على داعش كانوا مدعومين من تركيا وهذا ما يفسر تناقص المصالح   .

ولعل التخوف التركي من سيناريوهات كارثية بالنسبة لأمنها القومي له ما يبرره بالنظر إلى أن أنقره لم يتراجع من مخيلتها أن لملمة “أشلاء” الدولة التركية بعد الحرب العالمية الأولى جاءت على حساب الأكراد، الذين دمجت هويتهم قسرا في الهوية التركية، وسعت تركيا إلى التعاطي مع ذلك عبر إصلاحات قانونية ودستورية لم تلامس جوهر المشكلة، بل إنها دفعت في مواقف تاريخية عديدة إلى المطالبة علنا بضم ولاية “الموصل” التي تعني ضم إقليم شمال العراق. كما لا يخفى ذلك الرغبة التركية في إعادة قبر سليمان شاه إلى الجغرافيا التركية عبر مد الحدود التركية إلى ما بعد الخطوط الفاصلة أراضيها عن سوريا،

تتبع تركيا استراتيجية كسب الوقت في تعاملها مع القوى الدولية والإقليمية التي تضغط على أنقرة لدعم العمليات العسكرية في سوريا والعراق، بحسب الباحث، خصوصا في الأراضي السورية التي لا تزال تشكل مأزقا كبيرا بالنسبة للتحالف الدولي، بسبب تعارض الأهداف والرؤى بين القوى المنخرطة في التحالف، والدول والقوى الأخرى المعارضة لجوهر مهمة التحالف وعملياته العسكرية، فضلا عن غياب القوى المحلية المؤهلة لمساعدة التحالف من خلال التحرك على الأرض، في مواجهة تنظيم داعش، ولا بد هنا من اخذ الدور الروسي في الحسبان.

وتطرح تركيا اشتراطات في مواجهة كل الأطراف في محاولة للخروج من أزمتها المتفاقمة. ففي مواجهة التحالف الدولي، تطرح فكرة “المناطق العازلة أو الآمنة”، والتي تسوق لها يحسبانها كفيلة بأن ترفع عنها مسؤولية اللاجئين السوريين ، وترى أن هذه المنطقة ستكون مقر عمليات تدريب وتأهيل قوات المعارضة السورية المعتدلة .

أن ثمة انقساما بين القيادة السياسية التركية، من ناحية،والقيادة العسكرية وتقديراتها الأمنية من ناحية أخرى.

ترتب على ذلك أن حثت الأمم المتحدة تركيا على فتح الحدود أمام المقاتلين الأكراد الراغبين في الانضمام إلى العمليات الهادفة إلى مواجهة تنظيم “داعش” في الشمال السوري. ولأن تركيا باتت تواجه ضغوطا غير مسبوقة، فقد أعلنت واشنطن أن “حليفتها القديمة” قد وافقت على تدريب المعارضة السورية المعتدلة، وفتح قاعدة إنجرليك أمام طائرات التحالف. ورغم أن الخطوات التركية المعلنة على لسان الإدارة الأميركية ليست بجديدة وقائمة بالفعل، فإن ذلك يشير إلى أن تركيا تواجه امتحانا صعبا، وأن كل الخيارات فيه قد تعني خسارة مؤكدة. وبينما تسعى القيادة التركية إلى تأكيد المكاسب الاستراتيجية خارج الحدود، فإن مؤشرات الانقسام الداخلي متعددة المستويات تشير إلى أن الخسائر التركية قد لا تقتصر على الساحة الخارجية في سوريا والعراق، وإنما قد تتعلق بمستقبل مسار الأوضاع السياسية والأمنية داخل تركيا نفسها.

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!