الشاعر الروسي ألكسندر بلوك.. رومانسية ثورية


 

ولد الشاعر الرمزي الروسي الكسندر بلوك بتاريخ 28ــ11ــ1880 في مدينة بطرسبورج عاصمة روسيا الشمالية آنذاك.
ينتمي الكسندر بلوك إلى عائلة نبيلة، حيث كان والده يعمل باحثاً واستاذاً في جامعة وارشو، أما والدته، التي بقيت حية حتى بعد وفاة ابنها، فقد كانت كاتبةً معروفة آنئذ.
وقد عاش ألكسندر بلوك أغلب سنوات عمره عند جدّه، الذي كان يعمل عميداً لجامعة بطرسبورج، وفي ضيعة شاخماتوفا التي تقع على مقربة من موسكو.
وكان بلوك يقول عن قرية شاخماتوفا بأنها ذات طرق واسعة وغابات ذهبية، إنها شكل روسيا الحقيقي ، هكذا كان يقول عنها بلوك دوما.
وفي عام 1898 دخل بلوك كلية الحقوق، ثم ترك الدراسة فيها، متجهاً إلى كلية الآداب والتاريخ منذ عام 1901 حتى عام 1906 حيث حصل على الشهادة الجامعية.
تغنّى أغلب شعراء روسيا الكبار بمدينة بطرسبورج، وكذلك بلوك، إلا أن أشعاره كانت تتنفس في شاخماتوفا، ذلك لأن حبه لهذه القرية مغلف بأسرار جميلة، كيف لا، وهي المدينة التي قال عنها في إحدى المناسبات ليس هناك ثمة مكان في شاخماتوفا، لم أمرق به ليلاً، أو مغمض العينين وخطئت به .
وكان عمره سبعة عشر عاماً عندما أجاب بكلمة واحدة على سؤال ورد في الإستمارة العائلية المكان الذي أرغب العيش فيه شاخماتوفا.
إن هذه القرية الصغيرة ذات طابع روسي أصيل، ويشعر المرء عند تواجده بها بأنه في أعماق روسيا، وأنه ما زال قريباً من عذاباتها القديمة على الرغم من مرور عشرات السنين على ثورة 1917. ولقد انعكست زوايا هذه الضاحية في أعمال بلوك وحده، في نثره وشعره، لأن الشاعر تعرف في هذه القرية على روسيا المليئة بالعذابات، وعلى لمعانها وبياضها، ولأن قصائده الشهيرة أشعار عن امرأة رائعة ولدت هنا.
وفي عام 1903 أصبحت هذه المرأة الرائعة ليودميلا مندليفيا، إبنة العالم الكيميائي الكبير مندليف، زوجةً لبلوك. وعندما كتب هذه القصائد لم يكن بلوك شاعراً مؤمناً بالوظيفة الاجتماعية للأدب، بل كان منغمراً في الهوى والذات ضارباً عرض الحائط كل ما يمكن أن يقال عن الالتزام في الأدب. ومما يجدر قوله إن بلوك نشر قصائده الأولى عام 1903 في مجلة الطريق الجديد التابعة للرمزيين الروس، والتي كانت تصدر في بطرسبورج، ثم نشر عام 1904م مجموعته الشعرية المعروفة قصائد عن امرأة رائعة التي جلبت له شهرة كبيرة كشاعر رمزي.
معاناة الشاب العاشق
وكتب الكسندر بلوك قصائده المعروفة الأخرى مثل بشرى سارة عام 1907، أرض الجليد 1908، الساعات الليلية 1911، روسيا والمثقفون 1917 ومجموعة مسرحيات أخرى في شاخماتوفا أيضاً.
ركز بلوك في قصائده الأولى على موضوع الحب ومعاناة الشاب العاشق الولهان ورغبته في احتواء ذات الحبيبة والهروب من المجتمع القاسي، ولهذا السبب كثيراً ما نجده يصف الطبيعة الروسية مستنجداً بها لانقاذه من كل مصاعب الحياة ومن قلق عالمه الروحي. إلا أن تغيراً طرأ على حياته الإبداعية بسبب تأثير المدينة، وبعد أحداث 1905 الدامية يتحول من شاعر رمزي لا علاقة له بالقضايا الاجتماعية الكبيرة إلى شاعر يعمل على تناول الأمور السياسية. وقد كتب بلوك بعد ثورة 1917 العديد من القصائد والمسرحيات والمقالات النقدية، لكنه بقى معروفاً كشاعر رومانسي رمزي مؤلف أشعار عن امرأة رائعة و المجهولة وغيرهما من النتاجات الشعرية الرومانسية العاطفية الخالدة، لأنها غير مرتبطة بالحالة الانفعالية لدى مجموعة معينة من الناس في فترة تاريخية محدده، بل إنها تعبير عن حالات عاطفية دائمية.
إن رمزية بلوك جعلته يتعاون مع الرمزيين الروس أمثال الشاعر والكاتب الروسي السوفييتي أندريه بيلوف 1880ــ 1934، الذي يعتبر منظر المذهب الرمزي في روسيا آنذاك، فجرفهما تيار الديكادينت الانحطاطي Dekadent جنباً الى جنب مع أدبا ءأخرين، وهو تيار بعيد كل البعد عن الواقعية والمفاهيم الأدبية التي تدعو لها المدرسة الواقعية الاشتراكية.
إلا أن بلوك كان مليئاً بالحقد على العالم القديم ورموزه، وشغوفاً بالتغيير، ولهذا إنحاز الى الثورة التي قضت على القيصرية. وفي الحقيقة أن نشاطه الأدبي بعد عام1917 كان يتميز بطابع ثقافي تنويري حيث كان يرغب في توسيع رقعة الثقافة وإيصالها الى اوسع اوساط المجتمع، وكان يعتقد أن هذه الثقافة يجب ان تكون من طراز جديد.
وقد أجاب بلوك في إحدى المناسبات عن سؤال وُجّه له، فيما اذا كان بمقدور المثقفين الروس العمل مع البلاشفة وسلطتهم الجديدة، بأنهم ملزمون على العمل مع البلاشفة.
كتب بلوك بعد عام 1917 قصيدته الاثناعشر الشهيرة ذات العنوان الرمزي التي تتميز بالانسجام بين البعدين الواقعي والرومانسي الرمزي، اذ يرتبط بالحواريين الاثني عشر أتباع سيدنا عيسى المسيح عليه السلام، وهي تعني أيضاً عدد الإطلاقات التي كان يحملها الجنود في شوارع مدينة بطرسبورج، وعدد الحراس، والوقت حيث كانت الساعة 12 منتصف الليل كما يرى بعض النقاد. ويؤطر بلوك قصيدة الاثنا عشر بلونين متنافرين، يرمز بهما إلى صراع العالم القديم مع الجديد.
وقراءة القصيدة بإمعان أفضل دون شك من الحديث عنها لأن كل تفصيل لأجزائها قد يُتلف جماليتها في وحدةٍ منسوجة بمهارة.
توفى بلوك بعد مرض شديد ألمَّ به عام 1921 ولم يبلغ الواحد والأربعين من العمر، فبقيت أمنياته رومانسية عن المستقبل الذي كان يحلم به وعن العالم الجديد الذي كان يتصور بأنه سيبقى خالداً. ولم يخطر بباله ان شخصية جبارة مثل ستالين قد تظهر وتشوه كل الأحلام الرومانسية الشفافة التي كان يحلم بها. وإن البيريسترويكا التي بدأها جورباتشوف ستؤول إلى إنهيار مابنته الثورة التي دافع عنها بلوك، إلا أنه في حقيقة الأمر كان شاعرا رومانسيا وتنويريا لا علاقة له بالسياسة بقدر ما كان يتمنى الخلاص لروسيا التي كانت تعاني من الفقر والجوع والبرد آنذاك.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!