: عمود الضوء الانطباعي كلود مونيه بالبيريه


 

 

top-handpaint-art-work-oil-painting-french-font-b-impressionist-b-font-font-b-painter-b
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte
maxresdefault-1
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

 

ربما كان عددٌ من الفنانين الانطباعيين impressionistes مأخوذًا بحكمة مُعاصرهم الشاعر ستيفان مالارميه (1842-1898) بخصوص “المصادفة” في العمل الفني – استنادًا

إلى قوله: “رمية النرد لن تلقى المصادفة أبدًا” – خصوصًا وأن الشاعر قد أثبت في ذلك الوقت تصميمَه على هدم كاتدرائيات الشعر التي أُسِّسَتْ وبُنِيَتْ عبر قرون التاريخ الماضي للشعر؛ وهو ما يتوافق تمامًا مع ما ذهب إليه الرسامون الانطباعيون بشأن الرسم.

كلود مونيه بالبيريه، بورتريه ذاتي

في هذا الشأن، كان كلود مونيه (1840-1926)، إلى جانب بول سيزان (1839-1906)، أكثر الفنانين الانطباعيين ابتعادًا عن الانصياع إلى أمر “المصادفة”. وهو، على الرغم من تمرده على جحفل كبير من أسلافه الرسامين، حتى الذين تتلمذ على فنِّهم (كورو، دولاكروا، كوربيه…)، إلا أنه كان نبيلاً مع نفسه في التعامل مع حقائق الرسم، بعيدًا عن الانفعالات أو الانقياد وراء “المقولات” أو الإنصات إلى صدى الصَّرْعات.

كان مونيه عنيدًا في الإخلاص لتجربة جديدة في تاريخ الرسم. هو عارف أنه غير قادر على تحقيق مُنجَزها وحده، ولكنه – بالقدر ذاته – يدرك أنه من الخطأ الانقياد وراء “الجماعة” بحجة “التضامن الفني”. كان مونيه يدرك أنه ينضوي تحت لواء جماعة مغايرة، مؤسِّسة لفنٍّ جديد؛ ولكنه كان حساسًا تجاه ملاحظة دوره في مُنجَزها، لا بهدف الهيمنة، بل بهدف أن يكون له “لون” خاص به في لوحة هذه الجماعة، ضمن التأسيس الجماعي.

على خلفية ذلك، عُرِفَ عن مونيه عنادُه وصعوبةُ مراسه، وحتى عدم رغبته في الانضواء تحت ظلِّ ما هو “رسمي” في الحياة الفنية في باريس. بل إنه ابتعد – أصلاً – عن كلِّ المناخ الفنِّي في العاصمة الفرنسية، حتى ليبدو أنه قد قرَّر، في دخيلة نفسه، الابتعاد عن “مختبَر” الفنِّ الجديد الذي أسهم، هو، في تأسيسه، من أجل أن يراقب نتائجه عن بُعد. بهذا فإن مونيه قد بدا كما لو عفَّ حتى عن الاعتراف بمُنجزَه الذي أسهم، مع منجزات زملائه، في إبهار باريس، وبالتالي عواصم أوروبا كلِّها. كان يريد ما هو أبعد من ذلك: يبحث عن بصمته الخاصة في الفن، ويريد أن يضع “أثره” بعيدًا عن أيِّ تأثير خارجي عليه.

كان إدوار مانيه (1932-1883) – رائد الانطباعية الأول ورفيق مونيه – قريبًا من خُطى الشاعر شارل بودلير (1821-1867) في اعتبار “الأناقة” مذهبًا في كلِّ شيء. لكن مونيه ذهب إلى غير هذا: ذهب إلى البحث عن الأناقة “الداخلية” للموضوع في الرسم؛ وبهذا انحاز إلى تأثير “الزمن” على هذه الأناقة، سواء من جانب الأشخاص أو من الأماكن، التي كانت الموضوع الأثير لديه. وإذا كان الانطباعيون – وأوَّلهم مانيه – قد جعلوا “المكان” في الطبيعة مركز اهتمامهم، فإن مونيه قد أضاف إلى الانطباعية بُعدًا آخر، ربما كان جديدًا في الرسم، هو بُعد “الزمن” وتأثيره على “موضوع” اللوحة. يتضح ذلك جليًّا في أعماله التي اتخذت من أماكن مختارة مواضيع لها (كاتدرائية روان، بحر المانش، نهر التيمز، مبنى البرلمان في لندن، مدينة البندقية، محطة سان لازار بباريس، نهر السين، الذي رسمه لمدة ثلاثة عشر عامًا…)؛ وهي أعمال أوْلَت اهتمامها الأول لتأثير “الزمن” على الموضوع – يوميًّا، أو في مختلف ساعات النهار – فيما يتعلق باختلاف درجات الحرارة، والضوء، والغيوم، والضباب، والأمطار، والصحو، والأعاصير… فمونيه كان من أكثر رسامي الانطباعية انفعالاً تجاه الطبيعة، أو أكثرهم معاناةً في التعبير عن تحولاتها – وهو الأمر الذي يفسِّر انشغاله في رسم أماكن محددة مرات كثيرة، عبر أوقات زمنية مختلفة، في الفجر أو الصباح أو الظهيرة أو المساء، أو عبر فصول مختلفة، بما تحمله من متغيرات مناخية. وعليه، فقد كان مونيه (غير المتأثِّر باللوفر) من أشد الفنانين تحريضًا لجماعته على الاندماج مباشرة مع الطبيعة، والخروج علنًا على تقاليد فنِّ الرسم المترسِّخة عبر قرون، وإحداث نوع من تأجيل العلاقة مع الأستوديو، إن لم يكن نوعًا من القطيعة.
مونيه ما كان مأخوذًا، أبدًا، بمقتنيات متحف اللوفر، بل كان معنيًّا بما يفيده في تنقيح رؤيته للطبيعة؛ وهو ما يفسِّر لنا خروجه على التقاليد التي اتَّبعها زملاؤه في تقليد تلك المقتنيات، وخروجه إلى حديقة اللوفر ذاته ورَسْمها. ولكن علينا ألا ننسى أن الفنان العظيم مانيه هو أول من رَفَسَ الباب، لينفتح على “الانطباعية” الحق؛ غير أن أول من أقْدَمَ على الولوج عبر ذلك الباب، في ثبات، هو مونيه، بكلِّ ألوانه و”أضوائه”.ولكن هذا الأمر قد حدث لدى مونيه بفعل تأثير صديقه الفنان أوجين بودان (1824-1898). كان ذلك أمرًا مهمًّا، لم يدرك أحدٌ تأثيره أول الأمر، إلى أن باتت واضحة – فيما بعد – نتائجُ هذا “الخروج” والأثر غير العادي الذي يُحدِثه ضوءُ الطبيعة على الموضوع، والذي صار الفنان الانطباعي – في ذلك الوقت – في مواجهته، وهو يشعر بالغثيان من “التخمة” التي أحدثتْها في مخيِّلته أعمالُ الفنانين الكلاسيكيين في المتاحف.

البندقية، بالازا دا مولا

لقد نظَّم مونيه أعماله وفق جدولين أساسيين يتعلقان بالمكان والزمن، من خلال سلسلة لوحات منظمة ومدروسة لأماكن محددة – حتى إنه راح، في بعض الأحيان، يرسمها عن ظهر قلب (كما هي الحال مع بعض لوحاته عن مدينة البندقية). وفيما يتعلق بهذا الأمر فإن كشوف مونيه ومحاولاته طالت “منطقة” غريبة، يتداخل فيها الزمن والمكان معًا، سواء في الواقع أو على سطح اللوحة؛ وهو ما يحمل في طياته دلالات رمزية لم تكن معروفة بعدُ في فنِّ الرسم، وحتى قبل الاتجاه الرمزي الذي ظهر لاحقًا والذي كان بول غوغان (1848-1903) أحد أهم أعمدته.

انطباع: شروق

لقد انتقل مونيه في أعماله من المكان الثابت إلى “شبه المكان”، المتغير بين لحظة وأخرى. فبعيدًا عن الغابات أو المدن أو البنايات، التقط مونيه صفحة الماء، غير الثابتة، وتأثيرات الضوء ومتغيراته عليها، تبعًا للحركة الباطنية التي تحدث فيه بفعل الأشياء أو الرياح أو الأمواج أو الجريان؛ ومن بعدُ انتقل في رسومه (خاصة عندما رسم محطة سان لازار) إلى التقاط ثيمة “الدخان” الذي تنفثه مكائن القطارات، وشكله الذي يمور بحركات داخلية وخارجية، وسطوحه المنحنية، وانعكاسات الضوء عليه، وبالتالي الأشكال التي تنتج عن حركته. هاتان اللقطتان (الماء والدخان) لا تمثِّلان المكان تحديدًا، ولا الزمن تحديدًا: إنهما شيء من هذا وشيء من ذاك؛ أو إنهما، كلاهما معًا، متداخلان بفعل عبقري.

محطة سان لازار

مونيه، عندما رسم سلسلة لوحاته عن الأماكن، إذ وثَّقَ جمالياتها عبر أوقات مختلفة، لم ينقل فقط المتغيرات الفيزيائية التي تحدث عليها، نتيجة تغيُّر زاوية النظر أو تأثيرات المناخ أو الضوء، بل نقلَ “الإحساس” المتغير لدى الفنان في كلِّ مرة إزاء موضوعه (الأمر الذي يقرِّبُه من سيزان). لذلك نجد أن بعض الأماكن المعروفة، الواضحة المعالم، التي رَسَمَها ضمن هذه السلسلة (مثل كاتدرائية روان، أو دور البرلمان في لندن)، إنما تلاشت ملامحُها في اللوحات المتعاقبة، لوحةً بعد أخرى، حتى لم تعد هذه الملامح، في النهاية، سوى أشكال ضبابية أو بقايا معالم أو شبه ذكرى بعيدة. وهو ما دَرَجَ عليه بوضوح عندما راح يرسم الزنابق المائيةNymphéas وأشجار الصفصاف والنرجس والنباتات الأخرى المحيطة ببركة حديقته، بطريقة انتقالية، على المنوال ذاته، حتى لم تعد تلك النباتات غير نقاط متشابكة الألوان ومتداخلة الأشكال من خلال خطوط لونية.
هذه الخلاصات التي توصل إليها مونيه في أعماله كانت موضع استغراب مجايليه الرسامين وهجوم نقاد الفنِّ في ذلك الوقت. لكن مونيه كان سعيدًا بنتائجه. ولعل هذه النتائج هي الأرضية التي أسَّس عليها الفنانون التجريديون، فيما بعد، فنَّهم في القرن العشرين. فتحولات الأشكال، هذه، هي التي قادت بيت موندريان (1872-1944) إلى التجريد الهندسي، وقادت فاسيلي كاندينسكي (1866-1944) إلى التجريد الروحي – وكلاهما عمودا “التجريدية” البارزان في القرن العشرين.

إن تكريس مونيه جهوده في إشباع موضوعاته، إلى حدِّ المرحلة التي يجد فيها كفايته، قد ولَّد لدى متابعي أعماله إحساسًا بأن أيًّا من هذه الأعمال سيكون ناقصًا من دون مشاهدة الأعمال السابقة عليه أو اللاحقة. وهو أمر شكَّل معضلة حقيقية لدى مونيه في إقناع الآخرين بحقيقة “معنى” فنِّه، على الرغم من اعترافهم بحقيقة موهبته وأهمية مكانته. وأعتقد أن مونيه كان مأخوذًا بأنه سيعيش زمنًا كافيًا (ستة وثمانين عامًا) حتى يُفرِغ آخر شحناته في أعمال كافية، لتدل على “المنعطف” الذي كان مسكونًا بهاجس الإشارة إليه طوال حياته الفنية.

كان مونيه يردِّد، دائمًا، عبارة أثيرة لديه: “نحن نرسم كما يغني الطير؛ الرسوم لا تصنعها الشرائع.” هذه العبارة – على بساطتها – كانت تدل على أمرين ملازمين لمونيه نفسه: الأول، هو أن فنَّ الرسم لديه أمر غريزي، يسكن كيانه ويحرِّك حياته ويُعَنْوِنُ وجوده في العالم؛ والثاني، هو الخروج على القواعد والثوابت والتعاليم في فنِّ الرسم، بمعنى: امتلاك الحرية في اختيار الكيفية التي ينجز بها الفنان أعماله. ولكن، في كلا الحالين، لا يعني ذلك أن حياة مونيه ووجوده الفني تقودهما غريزةٌ عمياء. فغريزته الفنية حقيقة قائمة في وجوده الشخصي ككيان إنساني متفرِّد في مساحة الوجود الكلِّي للعالم؛ وخروجه على القواعد هو ضرب من الحرية التي تدعم وجوده كفنان. وهذان أمران يعيهما مونيه تمامًا، ويدرك أبعادهما؛ وهما، بقدر ما يشحنان طاقته الإبداعية بكلِّ ما من شأنه أن يأتي بالجديد والمغاير، يخضعان لسيطرته الواعية. فمونيه لم يكن مأخوذًا باللوفر الذي كان قِبْلَةَ جيله؛ كان يكتفي منه بما تولِّده لديه مقتنياتُه من دفء، وهو يرى المنجز البشري في الفنِّ عبر التاريخ. ولكنه، بواسطة هذا الدفء، ما كان يبحث عمَّا يحافظ على ذاكرته، بل عمَّا يخلق ذاكرة جديدة لدى الأجيال القادمة، دون أن يقدم مقترحًا بترشيح نفسه لهذه الذاكرة (كان يرسم “كما يغني الطير” فقط!). لقد كان يراقب صدى الماضي في آفاق المستقبل، الذي أسهم هو، فعلاً، في صنع فنِّه.

علينا ألا ننسى أن مونيه هو أول من غيَّر منظور المشاهد (وليس منظور الرسام، كما فعل سيزان) تجاه اللوحة. فالمنحنيات في الإطار هي من مبتكراته، وسعة مساحة اللوحة (بمقياس عشرين قدمًا عرضًا، وعشرة أقدام ارتفاعًا، كما هو شأن لوحاته التي عَرَضَها في متحف الـOrangerie بباريس) هي من ابتكار مونيه أيضًا؛ وهو ما لم يسبقه إليه أحد. وحتى الرسوم التي تركها رسامو الكهوف قبل آلاف السنين على جدران كهوفهم (لاسكو، مثلاً)، أو رسوم جدران الكنائس وسقوفها التي نفَّذها رسامو عصر النهضة في إيطاليا، من أمثال ميكِلانجلو ورافائيلو ودافنشي وغيرهم، إنما كانت رسومًا محكومة بمقاييس الجدران أو السقوف التي رُسِمَتْ عليها؛ على حين أن ما فعله مونيه هو أنه أخضع الجدران لرسومه، وليس العكس، كما كان الأمر لدى الأسلاف.

وما ابتكره مونيه، في هذا الخصوص، راح رسَّامو نيويورك يحتذون به في أواسط القرن العشرين، فحصدوا نتائج جيدة، ربما كانت تتوافق مع طبيعة الصَّرْعات، ولكنها – في النتيجة – واحدة من مبتكرات مونيه، الفرنسي، ابن القرن التاسع عشر، وعمود الضوء الانطباعي، الشاخص في منعطف الفنِّ المعاصر.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!