بعد رفع العقوبات، ترقّب لعودة الجمهورية الاسلامية الى القطاع المصرفي العالمي… زعيتر: مستقبل المصارف في إيران مربوط باعادة هيكلته وتحديد مفاهيمه


9 أشهر مرّت على قرار البدء برفع العقوبات عن ايران في اطار الاتفاق حول البرنامج النووي الايراني، وبدأت من جديد تتدفق آفاق الأمل في حركة الدورة الاقتصادية وبالتالي المالية للمصارف الايرانية.
فقد مر عقد من السنوات، على هذه المصارف وهي تعيش في حالة وصفها الخبراء بأنها أقرب الى الخمول والسبات منها الى الحركة والتعامل البنكي.. فقد أثّرت العقوبات بالدرجة الاولى على العملة الوطنية وخسرت هذه الأخيرة نسبة 60 في المئة من قيمتها ليساوي الدولار الواحد 40000 ريال قبل أن يتحسن مستوى العملة إلى 30000 ريال للدولار الواحد بعد انتخاب الرئيسحسن روحاني.
وقد أدى هذا التدني في العملة الايرانية بنسبة 60 في المئة إلى ارتفاع معدل التضخم إلى أكثر من 50 في المئة، وأسفر ذلك عن إضعاف طبقات المجتمع المتوسطة والدنيا أكثر مما هي ضعيفة، لأن الرواتب أصبحت عاجزة عن مواكبة ارتفاع الأسعار، كما بلغت نسبة البطالة في صفوف الإيرانيين 14 في المئة.
هل يمكن اصلاح النظام المصرفي الايراني وكيف ستكون آلية عودة اندماجه في السوق المالية العالمية؟ وكيف سيتم التعامل مع القوانين المصرفية ؟
محلّلون وخبراء لا يزالون يتحفظون بشكل او بآخر على ايجابيات النتائج المتوقّعة من رفع العقوبات خصوصاً وان القطاع المصرفي الايراني هو قطاع عام يتطلّب الكثير من الاصلاحات ليتماشى مع القوانين المصرفية العالمية ويتمكّن من فتح أبوابه واستقبال المصارف الاجنبية من جهة او الانتشار خارج الجمهورية الاسلامية من جهة اخرى.
التفاؤل اللبناني ببدء التعاون اللبناني الايراني عبّر عنه وزير الصناعة حسين الحج حسن في زيارته الاخيرة الى طهران، في المقابل تحتاج البيئة التشريعية الاقتصادية والقانونية عامة في إيران إلى تغيير هائل، وفي ظل الانتخابات النيايبة الاميركية المقبلة وما قد ينتج عنها من تغيرات جذرية، فإن مصارف رئيسية في العالم قد تكون مترددة في التعامل مع إيران .
استاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية، الخبير في الشؤون الايرانية الدكتور علي زعيتر، يفنّد في حديث لـ”الاعمار والاقتصاد” وضع القطاع المصرفي الايراني وقدرته على الاندماج مع مصارف خارجية أجنبية داخل أراضي الجمهورية او خارجها !!
في البداية، ربط زعيتر بين طبيعة الاقتصاد الايراني والنظام المصرفي الذي يعتبر جزءاً لا يتجزَأ من الدائرة الاقتصادية لاي بلد.
ورغم التجارب الناصعة عملياً، الا ان زعيتر دخل في تفاصيل الثغرات واهمها الخلل الرؤيوي في أهداف نشأة المصارف في ايران، فضلاً عن السياسات النقدية والاقتصادية وتحديد دور المصارف وطبيعة نظامها .
اما المشكلة الاساسية، فقد لخّصها زعيتر بالتشريعات التي بني عليها النظام النقدي الايراني القائمة على مبدأ اللا ربوية ، والذي يسعى الاقتصاد الايراني في الجانب النقدي منه على تحقيقه.

واشار الى انه عملياً، لا تستطيع المصارف ان تخرج من دائرة البنوك الربوية، سواء في مبدأ الربح والخسارة او معدّل العوائد على التسهيلات ، واعتبر ان حقيقة الامر ان معيار آليات تحديد سعر الفائدة لا تزال تجري في الاقتصاد الايراني.
المشكلة الثانية التي فنّدها زعيتر تتعلٌّق بكون القطاع المصرفي في ايران قطاعاً عاماً يتبع بسياساته وقراراته وكل عملياته الى الدولة الايرانية التي تحدّد معدل الربحية على التسليفات، وحجم الاقراض وتوجّهاته. فضلاً عن انه لا يخضع بأدائه لطبيعة النظام الرأسمالي او المصارف المعروفة على المستوى العالمي . ويختلف بطبيعته عن قطاعات مصرفية أخرى تخضع لقوانين العرض والطلب واحتكار القلة.
فغالبية المصارف الـتي يبلغ عددها 25 هي مملوكة من الدولة، فضلاً عن 4 او 5 مصارف خاصة دخلت الاسواق الايرانية بين العامين 2002 و2003 على ان تتعامل فقط بالعملة الاجنبية، دون ان تسلم من تأثيرات البنوك التجارية الايرانية ودون ان تدخل ضمن الدائرة الاقتصادية للبلد . الامر الذي يؤثر حسب زعيتر سلباً على جذب مدخرات الناس وبالتالي استثمارها .
بين النظام المصرفي الايراني والعالمي .. هوّة !
يرتبط النظام المصرفي الايراني بشكل كبير بالآخر العالمي ويلتزم بمقرراته بتحديد سعر الفائدة ومؤشرات اسواق المال والنقد العالمية، وهو الامر الذي يوسّع الهوة ما بين النظام المصرفي الايراني الداخلي والنظام العالمي. والدليل على ذلك بحسب زعيتر هو عدم وجود اي بورصة اوراق مالية ايرانية، او خاصة بأسهم وسندات تابعة للمصارف، وان وجدت فهي غير كفوءة ولا يمكن الاعتماد ي عليها كمؤشر لتطور سوق النقد والمال في ايران.
المشكلة الثالثة التي تطرّق اليها زعيتر تتمثّل بعمل ايران المستمر على تطبيق الرؤية الاقتصادية الاسلامية، وبالتالي فان النظام النقدي يعيش حالة من التبعية لسياسة الدولة النقدية، ورغم ان المحاولات بدأت مؤخراً لتأمين استقلالية البنك المركزي ، الا ان الامر يطرح تساؤلات عديدة ، اولها حسب زعيتر غياب مفهوم المصرف في الاسلام ، وبالتالي فان السياسات الاسلامية ان ارادت تطبيق التشريعات فالاتجاه حكماً لا يكون صوب المصارف بل صوب اي تسمية أخرى.
خلاصة الموضوع ان المصارف الايرانية ما زالت متعثرة في تحديد دور المصرف عملياً وليس قانونياً !
اما الاشكالات، فهي عديدة بحسب زعيتر، أولها غياب الرؤية حول المصارف، تليها الرؤية من سعر الفائدة، ومن بعدها ارتباط الحركة النقدية بحركة الاقتصاد الحقيقي . وهو الامر الذي شدد عليه بسبب تأثّر المصارف الايرانية بشكل اساسي بالحصار الذي عاشه اقتصاد الجمهورية الاسلامية.
هل الحصار هو السبب ؟
السؤال الاكبر الذي طرحه زعيتر في سياق تحليله لواقع القطاع المصرفي الايراني هو : هل ان الحصار هو الذي ساهم في حصول الثغرات؟
فكان جوابه حازما بالنفي ً، مشيراً الى ان اساس المشكلة يعود الى نشأة الثورة الاسلامية منذ الـ 79 عندما أعيد تشكيل النظام النقدي والمالي في ايران على قواعد وقوانين اسلامية. والى عدم كفاية النظام المصرفي في ايران نتيجة السياسات الخاطئة . وكل ما تبعه أدّى الى موجات تضخمية كبيرة من الحصار والحرب التي فرضت الى السياسات الخاطئة.
حالة القطاع اليوم
في تقييم لحالة القطاع المصرفي بعد رفع الحصار والعقوبات، تحدث زعيتر عن تسهيلات مصرفية حصلت مؤخراً أدت الى زيادة المعروض النقدي وبالتالي الى موجات تضخمية عالية. لذلك، فان القطاع المصرفي الايراني هو في حالة ركود اليوم ، اذ تصل نسبة قروضه المتعثرة الى 40% من تلك المعطاة، فضلا عن تسهيلات إقراض أشخاص نافذين استحوذوا على 30% من اجمالي القروض التي تبلغ تقريباً من 20 الى 25 مليار دولار.
نظراً لما سبق، يستنتج زعيتر بان حالة التعثر التي يعيشها النظام المصرفي الايراني لم يسببها الحصار الاقتصادي الا انه زاد الطين بلّة لان المنفذ الوحيد الذي كان يمكن له ان يؤدي الى تغطية المخاطر وتحقيق الارباح مع الخارج أقفل بسبب الحصار .
وفي حين ركّز زعيتر على ضرورة فهم السياسة المالية التي ترتبط بمكافحة البطالة ، بدعم الانتاج والمشروعات الاستثمارية .. خلص الى ان الحصار لم يؤدّ الى افلاس البنوك فالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم التي أعطيت تسليفات من 2008 الى 2012 تعثّرت فسدد النقص المصرف المركزي.
قوة اي اقتصاد تتطلب مجموعة مؤشرات منها حجم الصادرات والواردات، وحجم حركة رؤوس الاموال، وبالتالي فان المصرف الذي سيتعامل مع الخارج فهو حكماً سيتعامل بالتحويلات المالية التي تأثرت بدورها بحركة الحصار الاقتصادي فتعثّرت.
في هذا الاطار، يشير زعيتر الى ان التعثّر في المصارف الايرانية لا يرتبط بمفهوم التعثر المالي الموجود في النظام الرأسمالي، لان المصارف الايرانية هي ملك للدولة وكل ما احتاجت الى مؤونة مالية يقوم المصرف المركزي بدعمها بالعملة الايرانية قبل ان تصل الى مرحلة الافلاس . فان معادلة الملاءة المصرفية كما وردت في اتفاقية بازل لا تلعب دورها بشكل اساسي في اداء المصارف الايرانية ،ولان المصارف تتبع لسياسة الدولة المالية فان المصرف المركزي صبّ كافة جهوده لضمان عدم افلاس المصارف الايرانية .
تأثير الحصار على تحويل الاموال
اعتبر زعيتر ان تأثيير الحصار لا يمكن دراسته من باب الافلاس انما من باب تأثيره على تحويل الاموال من والى خراج ايران ومدى تأثير هذا التحويل على حركة الاستثمارات الاجنبية في ايران ، وحركة الصادرات والواردات ..فان حركة الحصار النقدي على ايران أثرت على دخول النقد الاجنبي وبشكل اكبر على حركة بيع السلع والخدمات … فجاء الحصار ليمنع هذه التحويلات .
في المحصّلة، دراسة واقع المصارف الايرانية تشير الى ان رفع الحصار والعقوبات عن ايران لن يؤثر على اداء المصارف داخل الجمهورية الاسلامية لان التعامل الاساسي هو بالعملة الايرانية فقط لا غير. وبالتالي فان السوق الايراني لا يعتبر واعداً بحيث لا يمكن الاستثمار فيه بالشكل الحالي، الا اذ تم الاتجاه صوب الخصخصة، الامر الذي بات متداولاً بشكل ايجابي في الفترة الاخيرة .
عقبات تشريعية
تحدث زعيتر عن صعوبة استثمار المصارف الاجنبية داخل ايران لاسباب عديدة اولها على مستوى القوانين والتشريعات ، ثانيها على مستوى آليات عمل النظام المصرفي في ايران غير المبلورة الى الآن.
الا ان رفع العقوبات وبالتالي رفع الحصار النقدي عن ايران قد يؤدي بشكل اساسي الى تفعيل حركة الاقتصاد الايراني المرتبط بامكانية تحويل الاموال الى ايران والسماح للشركات الاجنبية بالاستثمار في هذه البلد.
فضلاً عن ذلك، فان لايران احتياطات اجنبية من الدولار في الخارج تصل الى حدود الـ 100 مليار دولار، و 45 مليار دولار في الداخل .. وهي جاهزة لدعوة الشركات للاستثمار لديها. وبالتالي فان الاصل في رفع العقوبات هو امكانية تحويل الاموال الايرانية من الخارج، وان لم يحصل ذلك، يمكن على الاقل الاستفادة منها عبر دعم السلع والخدمات او جذب المستثمرين الى الداخل الايراني ان عبر النفط او المواصلات ..
والاهم حسب زعيتر ان رفع العقوبات يعيد ربط المصارف الايرانية بالشبكة العالمية، الامر الذي يسهّل اعمال المستثمر وبالتالي المصارف وخصوصاً تلك الاجنبية التي تستطيع الاستفادة من هذا الواقع الجديد لافتتاح فروع لها لتحويل الاموال من والى ايران .
استثمار لبناني ؟
في ظل كافة المتغيرات السابق ذكرها، سؤال يبادر الى الاذهان وهو كيف يمكن للمصارف اللبنانية ان تستفيد من الايجابيات؟
بعيداً من ايجابية الرد او سلبيته، يتساءل زعيتر : هل يمكن الدخول الى الاسواق الايرانية بالقوانين والشروط المرعية في هذه الدولة؟
فأشار الى ان قانون النقد والتسليف صعب و قائم على حرمة الربى ، في حين ان عمل المصارف في لبنان قائم بحد ذاته على مبدأ الربى وفي الوقت نفسه فان مصارف ايران ملتزمة بالقوانين ، وتساءل هل ستتمكن المصارف اللبنانية من الاستثمار في ايران دون ان تخالف القوانين؟
هذا الموضوع يطرح نفسه بالنسبة لزعيتر على الاقل في ال4 و 5 سنوات المقبلة، لان الاندماج يتطلب اعادة النظر بالقوانين الداخلية الايرانية بما ينسجم مع التطورات النقدية العالمية فضلاً عن ادخال مفهوم الصيرفة الاسلامية في قاموس المصارف اللبنانية. الامر الذي يتطلب نقاشات ومفاوضات وتغييرات جوهرية من مختلف الجهات .
في نظرة الى الواقع، حاول الايراني ان يعيش تجربة المصارف الخاصة، رغم ان مساهمة تلك الاخيرة ضئيلة من اجمالي التسليفات، لذلك، يمكن لايران ان تجدد آليات عملها وأداءها وتطورها لتتلاءم مع التطورات الجديدة ، انما هذا الامر يتطلب جهداً ووقتاً مضاعفين.
وبتقدير زعيتر، فان اولوية الجمهورية الاسلامية تنصبّ اليوم على جذب الاستثمارات الاجنبية، اكثر منها استقبال البنوك الخاصة، فوضعهها الدقيق لا يسمح لها بالدخول في معمعة تغيير القوانين وتطويرها في حين العالم كله على كفّ عفريت من مختلف الجهات واولها الانتخابات الاميركية التي قد تقلب نتائجها المعادلات.
في هذا السياق، شدد زعيتر على امكانية استفادة اللبنانيين من رفع العقوبات بشكل آني وأكبر، دون ان يقتصر الامر على القطاع المصرفي، الذي يمكن ان يشكّل لبنان ممر الترانزيت النقدي الاول لايران. الا انه يمكن الاستفادة من عروض الكهرباء والنفط باسعار مخفضة، فضلاً عن تفعيل الاتفاقيات التجارية في ما بين البلدن بشكل قانوني كي تتمكن ايران من الاستفادة من الموز والتفاح والبرتقال الذي تستورده ايران من اميركا اللاتينية والتي يفيض منها في لبنان كثيراً .

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!