الاقتصاد الصيني والتحديات العالمية


 

شهد سعر صرف العملة الصينية (اليوان) في الفترة الأخيرة انخفاضا حادا أمام الدولار الأميركي على نحو أثار مخاوف واسعة إزاء حدوث جولة جديدة من تدهور قيمة اليوان الصيني، وكذا تكهنات تقول إن عملية إدراج اليوان رسميا في سلة حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي في الأول من أكتوبر الجاري فتحت باب تدهور هذه العملة.

بيد أن المحللين الاقتصاديين الصينيين أكدوا أن السبب الرئيسي وراء انخفاض سعر صرف اليوان أمام الدولار يكمن في ارتفاع قيمة الدولار وأن دوران اليوان في حلقة الانخفاض المستمر أمر غير مرجح في ضوء تحسن أداء الاقتصاد الكلى للصين، مستشهدين بما أعلنته مصلحة الدولة الصينية للإحصاء (الأربعاء) من سلسلة أرقام تتعلق بالاقتصاد العام، حيث توقعوا أن يشهد سعر صرف اليوان على المدى المتوسط والطويل تعويما في الاتجاهين ويحافظ في النهاية على استقرار نسبي يعود بالفائدة على الاقتصاد العالمي عامة ودول الشرق الأوسط خاصة.

— قوة الدولار وراء تخفيض قيمة اليوان

أظهرت الأرقام الصادرة عن البنك الصيني المركزي انخفاضا مستمرا في سعر صرف اليوان مقابل الدولار في شهر أكتوبر الجاري، حيث سجل يوم 17 أكتوبر أكبر انخفاض له ليصل إلى 6.7379 يوان للدولار الواحد، وهو أدنى مستوى له على مدى ست سنوات، لتبلغ نسبة التخفيض 0.9% مقارنة بما كان عليه يوم 30 سبتمبر الماضي.

وعزا تشاو شي جون نائب مدير معهد الشؤون الاقتصادية والمالية بجامعة الشعب الصينية سبب هذا إلى استمرار قوة الدولار الأمريكى الناتجة عن توقعات السوق العالمي بأن يعلن الاحتياطى الأمريكي قريبا زيادة أسعار فائدة الدولار، وهي زيادة طال انتظارها منذ بداية العام الجاري نظرا لما سجله الاقتصاد الأمريكي من نمو سلس في الآونة الأخيرة.

وأوضح تشاو أن تخفيض سعر صرف اليوان باستمرار أمام الدولار يعكس رغبة في تعزيز قدرة صمود اليوان أمام تقلبات السوق العالمية وزيادة شفافيته وتقوية تدفق سيولته بعد إدراجه في سلة حقوق السحب.

لكنه شدد على أن اليوان حافظ على استقراره أمام العملات الأجنبية الرئيسية بل وارتفعت قيمته بالمقارنة مع تلك العملات، إذ أنه في ظل قوة الدولار، شهدت غالبية العملات العالمية بما فيها الجنيه الاسترليني واليورو الأوروبي والين الياباني تخفيضات بمعدل أكبر، مشيرا إلى أن قيمة اليوان أمام هذه العملات الرئيسية الثلاث ارتفعت في حقيقة الأمر بمعدل 5% و0.86% و1.85% على التوالي، ومن هنا يمكن القول أن اليوان الصيني مازال عملة قوية وآمنة وتشهد اتجاها تصاعديا في قيمتها بوجه عام.

تنبؤات بتعويم سعر الصرف في الاتجاهين مستقبلا

وفيما يتعلق بمستقبل سعر صرف اليوان في المرحلة المتوسطة وطويلة الأمد، أجمعت المؤسسات المالية ومعاهد البحوث الاقتصادية الكبرى الصينية على وجود ضغوط كبيرة تدفع إلى مزيد من تخفيض قيمة اليوان أمام الدولار.

وفي هذا الصدد، أكد معهد شييان للاقتصاد الذي يعد معهدا رائدا في مجال الاقتصاد والمال بالصين أن رفع فائدة الدولار الأمريكي باتت أمرا شبه مؤكد قد يحدث في غضون شهرين، أي إما في أكتوبر أو ديسمبر المقبلين نظرا لإجراء انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر القادم، واحتمالية اندلاع أزمة مالية في أوروبا مع اقتراب الموعد النهائي لخروج بريطانيا رسميا من الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي سيوجه لطمة كبيرة لليورو والجنيه الاسترليني في آن واحد ويقدم دعما كبيرا للدولار الأمريكي في ظل حالة ضعفهما.

لكنه استعبد إمكانية سقوط سعر صرف اليوان في مستنقع التخفيض المستمر وبمعدل كبير،مستشهدا في ذلك بالعوامل الإيجابية التي تدعم سعر الصرف الصيني، ومنها الأداء الجيد للاقتصاد الكلي للصين وتوافر احتياطي من العملات الصعبة والعمل على تعزيز النظام المالي ولاسيما خطوة إدراج اليوان في سلة حقوق السحب الخاصة، حيث تساعد هذه العوامل على زيادة الطلب عليه في سوق العملات الأجنبية لكي يحفاظ اليوان على استقراره عند مستوى معقول.

وقد توافق تقييم الخبراء الصينيين لأداء الاقتصاد الصيني مع تقييمه من قبل نظرائهم الأجانب، حيث أشار استطلاع أجرته وكالة (رويترز) شمل 59 خبيرا اقتصاديا بارزا بشأن أداء الاقتصاد الصيني إلى أنهم جميعا يتوقعون زيادة معدل نمو الاقتصاد الصيني عما كان متوقعا في بداية هذا العام ليبلغ 6.6% وليس 6.5%.

وعزز هذه التوقعات بيانات رسمية صدرت اليوم الأربعاء عن مصلحة الدولة الصينية للإحصاء وأشارت إلى نمو الاقتصاد الصيني بنسبة 6.7% خلال الربع الثالث من العام الجاري، ليحافظ على وضع مستقر عن نظيره المسجل في الربع الثاني ويعزز الأمل في تحقيق الحكومة الصينية لهدفها الخاص بإجمالي الناتج المحلي لهذا العام.

وعلاوة على هذا، فإن إدراج اليوان في سلة حقوق السحب الخاصة قد يحفز المؤسسات الدولية والبنوك المركزية الأجنبية على زيادة العقارات المسعرة باليوان، وهو ما سيؤدى بدوره إلى تدفق العملات الصعبة وزيادة طلب السوق الدولي على اليوان.

لهذا، توقع شو قاو كبير الباحثين الماليين ببنك قوانغ دا أن تشهد الفترة القادمة تعويم سعر صرف اليوان بمعدل معتدل وعلى اتجاهي التخفيض والزيادة في المرحلة المتوسطة وطويلة الأمد، وذلك حسب صعود أو هبوط العوامل الإيجابية والسلبية المؤثرة على سعر صرف اليوان.

استقرار اليوان يكسر هيمنة الدولار ويفيد اقتصادات الشرق الأوسط

مع تزايد قوة الاقتصاد الصيني ودخول مبادرة “الحزام والطريق” حيز التنفيذ، يلقى اليوان قبولا متزايدا لدى المجتمع الدولى عامة والدول العربية خاصة، وصار خامس عملة قابلة للاستخدام الحر ويلعب دورا متزايد الأهمية في النظام المالي العالمي.

وقد بادر اقتصادان كبيران في منطقة الشرق الأوسط بالتعامل المباشر باليوان الصيني حيث تمت تعاملات تجارية بين السعودية والصين باليوان الصيني والريال السعودي في 26 سبتمبر الماضي عقب تطبيق الإمارات نفس المعاملة فى عام 2014.

كما فوض بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) فرع بنك التجارة والاقتصاد الصيني لدى العاصمة القطرية الدوحة فتح أول مركز مقاصة للعملة الصينية في الشرق الأوسط في بداية العام الماضي، ثم فتح ثاني مركز مقاصة في دبي بالإمارات. وأشارت الإحصاءات إلى أنه عقب إنشاء مركز المقاصة في دبي، تضاعف إجمالى قيمة المعاملات باليوان في الإمارات وبلغت نسبة الدفع باليوان في المعاملات التجارية بين الإمارات والصين80 %.

ورأى الخبراء الصينيون أن استخدام السعودية لليوان في تجارتها مع الصين يساعد على كسر هيمنة الدولار الأمريكي خاصة في مجال تسعير النفط الخام، إذ أن سعر النفط كان يحدد في السابق بالدولار الأمريكي وحده، فأصبح ضحية وعرضة للسياسة الأمريكية المالية القائمة على نهب ثروات الدول النامية من خلال السيطرة على سعر فائدة الدولار وزيادة أو خفض المعروض منه وفقا لمصالحها. ولكن استخدام اليوان فى المعاملات التجارية الخاصة بالنفط سوف يكسر احتكار “العم سام” لهذه الثروة نظرا لأن الصين سبق وأن أبرمت اتفاقات مماثلة مع كل من روسيا وإيران، المنتجتين الكبيرتين للنفط الخام، لإتمام المعاملات باليوان في تجارة النفط معها.

أما بالنسبة للدول الأخرى غير الموقعة على مثل هذه الاتفاقات، فإن استقرار سعر صرف اليوان سيلعب دورا مهما في مساعدة الاقتصادات الوطنية لتلك الدول عبر تزايد تدفق الاستثمارات الصينية إليها باليوان الصيني وكذا تزايد إقبال السائحين الصينيين على زيارتها.

وفي هذا الصدد، أكد رئيس جمعية “مسافرون للسياحة والسفر” المصرية الدكتور عاطف عبد اللطيف “إن إدراج اليوان في سلة حقوق السحب الخاصة سيعود بفائدة كبيرة على مصر في ظل نقص الدولار الشديد لدينا وكذا مع كون أغلب الفاتورة الاستيرادية لمصر من الصين”، مقترحا “توقيع اتفاقية بين مصر والصين تتم بمقتضاها مبادلة العملة على نظير الاتفاقية الموقعة مع السعودية، إضافة إلى تنشيط السياحة الصينية إلى مصر من خلال التعامل بالعملة الصينية”.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!