معركة الموصل… على خطى سرت؟


على غرار التكيتيك الذي استخدمه، منذ نحو خمسة أشهر في مدينة سرت، وسط الساحل الليبي، يلجأ تنظيم “داعش” الإرهابي إلى تكتيك السيارات المفخخة والانتحاريين وزرع الألغام والبراميل المتفجرة، لإعاقة تقدم الجيش العراقي والقوات المتحالفة معه نحو معقله الرئيسي في مدينة “الموصل” شمالي العراق.

ويرى معنيون بالجانب الأمني والإستراتيجي إمكانية تكثيف التنظيم لهجماته الانتحارية في المناطق الآمنة، بعيدا عن الموصل، لتشتيت جهد القوات الحكومية في حملتها العسكرية على الموصل.

فبالتوازي مع انطلاق العملية العسكرية في الموصل،  الإثنين، فجر انتحاري سيارة مفخخة أمام قافلة للحشد الشعبي  بالعاصمة بغداد، أدت إلى مقتل 11 شخص من الحشد والجيش والشرطة ومدنيين، بالإضافة إلى 23 جريحا.

وخلف تفجير انتحاري آخر بالقرب من الموصل، مقتل 5 عناصر من قوات البيشمركة (قوات الإقليم الكردي شمالي العراق)، وإصابة عدد آخر بينهم نجل نائب رئيس الإقليم الكردي.

كما لقي جندي عراقي وأربعة انتحاريين حتفهم خلال تقدم القوات العراقية نحو الموصل.

والأسلوب الذي يعتمده “داعش”، في الدفاع عن الموصل، يشبه إلى حد كبير تكتيكه في مدينتي “تدمر” السورية (وسط)، و”سرت” الليبية (شمال وسط)؛ حيث لجأ إلى زرع الألغام واستعمال السيارات المفخخة لوقف زحف القوات المهاجمة.

وإذا كانت قوات البنيان المرصوص التابعة للمجلس الرئاسي في العاصمة الليبية طرابلس، والتي تشكلت في مايو/ أيار 2016، حققت انتصارات سريعة في المناطق الصحراوية المفتوحة بفضل التفوق الجوي، إلا أنها واجهت مقاومة مستميتة من عناصر التنظيم في معاقله الأخيرة داخل المدينة.

وتسببت في مقتل نحو 500 مسلح من قوات البنيان المرصوص وجرح أزيد من ألفين آخرين.

ورغم مرور نحو خمسة أشهر من بدء عملية تحرير سرت، وضواحيها لم تتمكن قوات المجلس الرئاسي من إحكام سيطرتها على المدينة والبدء في تطهيرها.

ففي سرت، أصبح دور القناصة يوازي أهمية السيارات المفخخة من حيث إيقاع أكبر عدد من القتلى في صفوف القوات المهاجمة، بالنظر إلى تعقيدات حرب المدن.

وعلى ضوء معركة سرت، فمن المتوقع أن يتمكن الجيش العراقي المدعوم بقوات محلية ودولية، من السيطرة على القرى والمناطق المحيطة بالموصل خلال أسابيع، بفضل التفوق الجوي والقصف المدفعي والصاروخي الذي تملك القوات المهاجمة تفوقا ملحوظا فيه، دون أن يعني ذلك الحسم النهائي للمعركة.

غير أن هذا التقدم في مرحلته الأولى، قد يكون مرفوقا بعدد كبير من الضحايا، بسبب الألغام المزروعة حول المدينة، والمفخخات والعمليات الانتحارية، التي من شأنها عرقلة تقدم القوات المهاجمة.

ومن المحتمل استعمال التنظيم لتكيتكات جديدة، مثل “طائرات بدون طيار مفخخة”، والتي استخدمها أول مرة في 2015، وخلفت آخر عملياته في 02 أكتوبر/تشرين الأول 2016، مقتل عنصرين من البيشمركة وإصابة جنديين فرنسيين بجراح خطيرة.

غير أن تكتيك “الطائرات المفخخة” لازال محدود التأثير على مجريات المعارك، ومن المستبعد أن يتمكن “داعش” من تطوير هذا التكتيك نوعًا وكمًا قريبا، والذي استخدمه أول مرة الطيارون اليابانيون “الكاميكاز”، في الحرب العالمية الثانية، وتسبب في خسائر كبيرة للأسطول الأمريكي في المحيط الهادي.

وفي الاتجاه ذاته، يرى المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان، في حديث صحفي مع الأناضول، أن “داعش سيعتمد على المفخخات والعمليات الانتحارية هنا وهناك، للحيلولة دون تقدم القوات المهاجمة”.

أما المعركة الصعبة والطويلة، فمن المتوقع أن تبدء عندما تتوغل القوات المهاجمة داخل المدينة، حينها ستتغير تكتيكات الحرب لدى الطرفين، وتفقد القوات المهاجمة بعضا من ميزاتها وتفوقها، على غرار القصف الصاروخي والمدفعي متوسط المدى، ويصبح استعمال الطيران محدودا لكن أكثر دقة واستعمالا للصواريخ والقذائف الذكية، وذلك لسببين على الأقل:

أولهما: تفادي إيقاع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين، خاصة وأن الموصل يقطنها ما بين مليون ونصف مليون ومليوني مدني، وهذا العدد الكبير من المدنيين سيصعب من مهمة القوات المهاجمة، وسيتم تحييد الأسلحة ذات التدمير الواسع، خاصة وأن “داعش” من المتوقع أن يستخدم المدنيين كدروع بشرية، بعد أن منع في السابق العائلات الموصلية من الفرار من المدينة، التي توجد تحت أنظار العالم وبالأخص المنظمات الإنسانية والحقوقية التي دعت الأطراف المشاركة في تحرير الموصل إلى وضع الجانب الإنساني ضمن خططها العسكرية، متوقعة نزوح مليون شخص من المدينة.

ثانيها: أن حرب المدن تؤدي إلى تداخل القوات المهاجمة مع الطرف المدافع سواء عبر الأحياء أو حتى البيوت، بشكل يجعل استخدام الطيران والصواريخ المتوسطة المدى من شأنه التسبب في إصابة أهداف صديقة، مما يؤدي إلى تحييد (نسبيا) هذا النوع من الأسلحة، بالرغم أنه في سرت لازالت إلى اليوم القوات الجوية الليبية والأمريكية تقصف داعش داخل الأحياء المحاصرة.

وليس مستبعدا أن تطول معركة الموصل لأشهر، على غرار معركة سرت، حيث من المنتظر أن يستعمل “داعش” في الموصل نفس تكتيكاته في ليبيا، فبالإضافة إلى السيارات المفخخة والانتحاريين والألغام، من المتوقع أن يلعب القناصون دورا أكبر في معركة المدن، بالإضافة إلى تفخيخ المنازل، وربما تفخيخ الجثث.

أما السيناريو الآخر، والذي من شأنه تقليص فترة المعركة، فيتمثل في فتح ممرات آمنة لعناصر التنظيم للهروب من الموصل إلى معاقله في شرق سوريا، وعدم تشديد الحصار عليه في الموصل حتى لا يضطر عناصره للقتال حتى آخر رمق، ويبقى هذا السيناريو بعيدا عن عقيدة التنظيم الانتحارية.

وبهذا الخصوص، أشار المحلل السياسي التركي، إلى أن “قيام قوات التحالف الدولي والجيش العراقي بفتح الجبهة الغربية للموصل، للسماح بهروب جماعي لعناصر التنظيم نحو مواقعهم في شرق سوريا”.

ورغم أن “داعش” اعتمد على تكتيك السيطرة على المدن والدفاع عنها باستماتة، بشكل يختلف عن تكتيكات معظم الجماعات الإرهابية الأخرى التي تفضل حرب العصابات التي تعتمد على الكر والفر، إلا أن “داعش” في مدينة درنة الليبية (نحو 1340 كلم شرق طرابلس)، بعد طرده من المدينة بفضل تحالف كتائب إسلامية (مجلس شورى مجاهدي درنة) وتمركزه في تلال منطقة الفتائح القريبة من المدينة، اضطر للانسحاب إلى مدينة سرت (700 كلم غرب درنة) في رتل مشكل من نحو 60 إلى 70 سيارة مسلحة، دون أن تعترضه أي طائرة سواء تابعة لقوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، أو الطيران الفرنسي والأمريكي المتواجد في المنطقة، باستثناء اشتباكات محدودة، لكن تم القضاء على معظم قواته المقاتلة في سرت، على طريقة “عش الدبابير” البريطانية، التي تعتمد على السماح بتجمع الإرهابيين في مكان واحد لضربهم ضربة واحدة وقاتلة.

ولفت أوزجان أن حركة طالبان الأفغانية اختفت بعد الغزو الأمريكي للبلاد في 2001، لعدم تكافؤ القوة، ولكنها لجأت فيما بعد إلى حرب عصابات طويلة الأمد، وهو التكتيك الذي من المتوقع أن يتبعه “داعش” في المرحلة المقبلة.

وقال الخبير التركي في شؤون الشرق الأوسط: “أعتقد أن داعش، سيغير استراتيجيته من السيطرة على المدن إلى خوض حرب العصابات”.

وأضاف أن “التنظيم لن يبق له من المدن الكبرى التي يسيطر عليها، بعد تحرير الموصل، سوى مدينة الرقة”، متوقعا سقوطها هي الأخرى في مرحلة لاحقة.

غير أن الخلاف الجوهري بين معركتي سرت والموصل، يتمثل في أن “داعش” في العراق لجأ إلى العمليات الانتحارية والمفخخات في مناطق بعيدة عن ميدان المعركة في الموصل، لتشتيت القوات العراقية، والحشد الشعبي على أكثر من منطقة في البلاد، بينما سعى “داعش” في ليبيا للقيام بهجوم استباقي قبل بدء عملية البنيان المرصوص لتحرير سرت، حيث استولى في ظرف قصير على القرى والبلدات الممتدة من غرب سرت إلى غاية الجنوب الغربي لمدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) والتي قادت كتائبها عملية البنيان المرصوص

وتوقع الخبير التركي مصطفى أوزجان، أن يقوم تنظيم “داعش” بتنفيذ عمليات انتقامية في مناطق متفرقة من البلاد، تشمل تنفيذ عمليات انتحارية وتفجير بالمفخخات بالتوازي مع الهجوم الذي تشنه القوات العراقية والبيشمركة والحشد الشعبي والحشد العشائري على الموصل.

لكن المحلل السياسي التركي استبعد تمكن التنظيم من إبقاء سيطرته على المدينة، التي سيطر عليها في 2014، عبر العمليات الإرهابية.

ولفت إلى أن التفجير الانتحاري لسيارة مفخخة، والذي استهدف، الثلاثاء، قافلة للحشد الشعبي في بغداد، وأوقع 11 قتيلا، يسعى التنظيم من خلاله للتلويح بنشر هذه العمليات الانتحارية في ربوع العراق.

وفي ذات الإطار، قال العقيد المتقاعد في الجيش العراقي خليل النعيمي، لـ”الأناضول”، إن”تنظيم داعش سيعيد نفس الاستراتيجية التي اعتمدها خلال اقتحام القوات الأمنية لمناطقه في محافظة صلاح الدين (شمال) في 2015، حيث كثف هجماته الانتحارية في العاصمة بغداد، وأطرافها في مسعى لتشتيت جهد القوات الأمنية وإعاقة تقدمها”.

وأضاف النعيمي: “أدوات تنظيم داعش في بغداد وبعض المحافظات الجنوبية على شكل خلايا نائمة تتحرك وفقا لتعليمات تصدر إليها من قادة التنظيم المسؤولين الموزعين في المحافظات”.

ولفت إلى أن “ما يعرف بولاية بغداد، التابعة لداعش، رغم أن القوات الأمنية اعتقلت العديد من عناصرها، لكنها لاتزال تشكل تهديدا على أمن العاصمة”.

ويتفق الخبير في الشؤون الإستراتيجية رحيم الشمري، مع ذات الرأي، ويرى أن خلايا “داعش” في بغداد، شنت على مدى الأيام الثلاثة الماضية 6 هجمات بأحزمة ناسفة وعبوات استهدفت المدنيين.

وأضاف الشمري لـ”الأناضول”، “قد تكون الهجمات المتفرقة التي تشنها الخلايا النائمة عامل تخويف للسكان، لكنها في نفس الوقت داخل حسابات القيادة العراقية المشتركة للتصدي لها والقضاء عليها، لكن معركة استعادة الموصول بالنهاية ستذهب بالعراق إلى الاستقرار”.

وتابع الشمري: “لا تشكل الخلايا النائمة وهجماتها تهديدا كبيرا للوضع الأمني في المناطق الآمنة”.

وتنفذ العملية العسكرية التي أعلن حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، عن انطلاقها فجر أمس الإثنين، بمشاركة قوات الجيش، وقوات الشرطة الاتحادية، وقوات البيشمركة، وقوات الحشد الشعبي، وقوات الحشد الوطني، والتحالف الدولي.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!