فورين بوليسي | هل تعاني منظمة «أوبك» سكرات الموت


مثل الفتى الذي صرخ مستغيثاً من الذئب, ربما يصبح 2016 العام الذي صرخ فيه إتحاد منتجي النفط مستغيثاً من “خفض الإنتاج.” إذا كان ذلك صحيحاً, وإذا أصبحت صناعة النفط الصخري الأمريكية هي المنتِج الهامشي لسوق النفط, فإن دول الشرق الأوسط البترولية و, قبلهم, السعودية مقبلة على سنوات عجاف.

في شهر فبراير, دعت منظمة أوبك إلى “تجميد” إنتاج النفط من أجل رفع أسعار الخام بالإشتراك مع روسيا. لكن هذا الجهد انهار في إجتماع في الدوحة, قطر, في شهر أبريل عندما رفضت إيران الإشتراك في التجميد لكي تستعيد مستويات إنتاج ما قبل عام 2012 القريبة من 4 آلاف برميل في اليوم والتي تمتعت بها قبل فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية, عقب رفع عقوبات معينة بعد الإتفاق النووي عام 2015. فشل مقترح مشابه في إجتماع أوبك في شهر يونيو, أيضاً عقب رفض إيران, بالرغم من مساعي القطريين.

مع تحطم آمال السوق وأسعار الخام في فبراير, وأبريل, ويونيو, دعت أوبك مجدداً لنوع من خفض الإنتاج في 28 سبتمبر في إجتماع غير عادي في مدينة الجزائر العاصمة. انخدعت الأسواق بالخبر, وارتفعت أسعار برنت ارتفاعاً حاداً بحوالي 15 في المائة في الأسبوع التالي, من 46 دولار للبرميل إلى 52 دولار للبرميل.

إذن هل ينبغي أن تأخذ الأسواق أوبك على محمل الجد الآن؟ هل يمكن أن يعزز إجراء إتحاد المنتجين أسعار الخام الأعلى على المدى الطويل؟ على الأرجح لا. مثل السراب, تتبدد صورة إحياء أوبك عندالإقتراب منها.

أوبك, التي كانت خاضعة دائماً لهيمنة السعودية, دخلت في سبات في صيف 2014. إن الهبوط الهائل في أسعار النفط من 100 دولار للبرميل في أوائل 2014 إلى أقل من 30 دولار في يناير 2016 كان في الأصل بسبب إستراتيجية وزير البترول السعودي حينذاك علي النعيمي بالحصول على حصة المملكة من السوق والإضرار بصناعة النفط الصخري الأمريكية من خلال السماح للسوق, وليس أجراءات أوبك, بتحديد الأسعار.

كانت النتائج متفاوتة. في حين أن الرياض رفعت إنتاجها من منتصف 2014 إلى اليوم بأكثر من مليون برميل في اليوم (إلى 10,7 مليون برميل في اليوم في أغسطس من هذا العام), تلقى وضعها المالي ضربة شديدة, مع إرتفاع عجز الميزانية من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي إلى 16 في المائة في 2015, بالنظر إلى أن حوالي 90 في المائة من عائدات الحكومة تأتي من النفط. فيما يتعلق بالنفط الصخري الأمريكي, فإن الصناعة كانت أكثر مرونة مما توقعته السعودية. انخفض معدل الحفر, وفقط الآبار الجديدة الأكثر ربحية – على سبيل المثال في جزء من حوض بيرميان في تكساس –يمكنها التفاخر بتحقيق التعادل عند أقل من 35 دولار للبرميل. مع هذا, إنتاج النفط الأمريكي, الذي يمثل النفط الصخري نصفه تقريباً, في طريقه لإنتاج متوسط 8,7 مليون برميل في اليوم هذا العام, منخفضاً عن 9,5 مليونبرميل في اليوم في 2015. لقد انخفض لكنه مزدهراً بأي حال. إن صمود صناعة النفط الصخري الأمريكي تجعل حُجة أن أوبك شهدت إحياءً إدعاء هشاً. يمكن لإتحاد المنتجين أن يرفع الأسعار في المدى القريب من خلال خفض الإنتاج, لكن سيمر وقت طويل, ربما بحلول منتصف 2017, قبل أن تنتعش صناعة النفط الصخري الأمريكي وتستحوذ على أية حصة في السوق تتنازل عنها أوبك في بيئة أسعار أكثر إرتفاعاً. هذا سوف يُخفّض الأسعار مرة أخرى, إن تساوت كل الأمور.

يصبح إدعاء إحياء أوبك أكثر ضعفاً عندما يفكر المرء في إعلان الجزائر, وهو مجرد “إتفاق على الموافقة” على خفض الإنتاج في إجتماع أوبك القادم يوم 30 نوفمبر. بشكل يثير التشاؤم, التخفيضات المحددة التي يجب أن يقوم بها كل عضو لم يُتفق عليها, وإنما تم تأجيلها لكي تناقشها “لجنة رفيعة المستوى.”

علاوة على هذا, من أجل التوصل لإتفاق مؤقت في الجزائر, كان على وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أن يعفي إيران وليبيا ونيجيريا من أية مشاركة في خفض الإنتاج. هذا يمثل تنازل جيوسياسي كبير من الرياض لصالح طهران, بوساطة من موسكو كما يُزعم, وهو وضع لن يكون من السهل تحمّله, نظراً للعداوة بين السعودية وإيران.

إن الإتفاق المؤقت في الجزائر يترك معظم الحمل الثقيل على السعودية. في حين أن إنتاج المملكة سوف يهبط على أية حال من 10,7 مليون برميل في اليوم بحوالي 300 ألف برميل في اليوم على مدار الأشهر القادمة, حيث أن الإنتاج الموسمي يتقلص, سوف تحتاج لخفض المزيدلتحقيق التوازن في السوق. إن الإنتاج الهدف الذي حددته أوبك في الجزائر يشير ضمناً إلى خفض بنسبة 700 ألف برميل على الأقل. (بينما على الصعيد الرسمي, تريد أوبك التخفيض من 33,2 مليون برميل في اليوم في أغسطس 2015 إلى كمية تتراوح من 32,5 إلى 33 مليون برميل في اليوم, تشير البيانات غير الرسمية إلى أن إنتاج أوبك الفعلي في سبتمبر كان 33,6 مليون برميل في اليوم.)

بداخل أوبك, في حين أن دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى, تحديداً الكويت والإمارات, ربما تكون مستعدة للقيام بتخفيض ضئيل في إنتاجها, إلا أن المنتجين الرئيسيين مثل العراق وفنزويلا في وضع مالي متعسر للغاية للموافقة على أية تخفيضات كبرى. إنهم مرجحون أكثر للموافقة على التجميد, بالنظر إلى إنهم قريبون بالفعل من الحد الأقصى للإنتاج (4,4 و2,1 مليون برميل في اليوم, على التوالي).

خارج أوبك, وصلت روسيا إلى رقم إنتاج قياسي يبلغ 11,1 مليون برميل في اليوم في شهر أغسطس, متفوقة على مستويات الحقبة السوفيتية. كونها قريبة جداً من الحد الأقصى, روسيا ليس لديها الكثير لتخسره بدعمها لخفض الإنتاج الذي تدعو له أوبك والموافقة على عدم رفع الإنتاج أكثر. مع هذا من المستبعد أن يفرض الكرملين تخفيضات حقيقية على مجموعة شركات النفط التي تعمل في الدولة.

إذن لماذا يتغاضى صناع السياسة السعوديون عن هذا ويُلزمون أنفسهم إما برعاية إتفاق أوبك فاشل آخر, أو بالإضطرار إلى تلقي الضربة عن الأغلبية الشاسعة من تخفيض الإنتاج الفعلي لكي ينجح الإتفاق؟

على المدى القريب, يبدو أن وضع الرياض المالي كان تحت ضغط من أسعار النفط المنخفضة التي سيتسبب بها ذلك. في حين أن المملكة خففت الضغط المالي عن طريق البدء في إصدار ديون سيادية, إلا أن معدل الاستنفاد عبر إحتياطياتها الأجنبية كان مستمراً (من حوالي 740 مليار دولار في منتصف 2014 إلى 550 مليار دولار اليوم) حيث إنها حاولت حماية عملتها من الهروب الكبير لرأس المال من البلد منذ إنهيار أسعار النفط في 2014.

على المدى البعيد, يبدو ولي ولي العهد السعودي الطموح, محمد بن سلمان, وإنه يرى ما وراء التهديد المباشر الذي يشكله النفط الصخرى الأمريكي على صناعة النفط السعودية. إنه مركز على الحاجة الأشمل لإصلاح كبير في الإقتصاد السعودي. مثلما قال أول أمين عام لمنظمة أوبك أحمد زكي يماني في السبعينيات, “لم ينتهي العصر الحجري لأن الحجارة نفدت.” سيكون تغير المناخ مشكلة رئيسية للقرن الحادي والعشرين, والعالم يتحرك بعيداً عن الوقود الأحفوري: انتهت اللعبة بالنسبة لسعودية من دون إصلاحات. لم يكن إجتماع الجزائر علامة على الحياة في أوبك, وإنما كان علامة على اليأس. في الحقيقة, لا يوجد الكثير لكي يفعله إتحاد المنتجين ما بعد المدى القريب لاستحداث ارتفاع دائم في الأسعار من منظور الإمداد, حيث إنه لا يمكن الرجوع عن إبتكار تكنولوجيا النفط الصخري. سوف تواجه السعودية سنوات عجاف في المستقبل بينما ينظر سوق النفط بشكل متزايد إلى النفط الصخري الأمريكي, وليس أوبك, كمتكأ لأسعار النفط من ناحية الإمداد. مع هذا, ربما تكون هذه هي الصدمة التي يحتاجها سلمان لكي يدفع الإصلاحات اللازمة رغم كونها مؤلمة. تمنياتنا له بالتوفيق.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!