ميدل إيست بريفنغ | تقييم السياسة الأمنية لدول مجلس التعاون الخليجي


يتميز الوضع الأمني لدول مجلس التعاون الخليجي بأنه متقلب, حيث أن التحديات الراهنة التي تواجه استقرار تلك الدول تختلف تماما عن مثيلاتها منذ خمس سنوات مضت. وكما يعلم أي خبير في شؤون الأمن القومي, فإن تحديات الأمن القومي في أي حالة بعينها لم تكن يوما ثابتة. ولكن في حالة دول مجلس التعاون الخليجي في السنوات الأخيرة, تختلف التحديات الأمنية عن أي فترة سابقة.

تتمثل هذه التحديات في انهيار أسعار النفط, وحرب اليمن, والصفقة النووية مع إيران, وصعود الإرهاب, والتباطؤ الاقتصادي العالمي, مضافا إليه التوتر المتصاعد بين الغرب وروسيا, والحرب الأهلية السورية, والأزمة السياسية المستمرة في العراق وحرب هذا البلد ضد داعش, والربيع العربي. وقد تطول القائمة لتشمل عناصر أخرى متعلقة بالتحديات الأمنية الداخلية في تلك الدول, والتي تُعتبر انعكاسا للصراع الإقليمي المتصاعد.

لقد شهد نهج دول مجلس التعاون الخليجي في التعامل مع البيئة الأمنية التي تحيط بها تحولا بالتوازي مع التغير الذي طرأ على تلك البيئة الأمنية. حيث بات خطاب و سياسات دول المجلس التعاون تتميز بدرجة أكبر من الثقة بالنفس والفعالية, كما ظهر ذلك في اليمن وسوريا. لقد أصبح انخراط تلك الدول في التطورات الأمنية للمنطقة ملحوظا.

وفي حين أن هذا التحول ينبغي أن يكون محل ترحيب من جانب المجتمع الدولي باعتباره يخلق شريكا حيويا ونشطا في حفظ الاستقرار في المنطقة, إلا أن هذا الدور الجديد يجب تهيئته وفق منظور أوضح ضمن العلاقات الأمنية الدولية. بعبارة أخرى, فإن بروز الدور الإقليمي الحازم لدول مجلس التعاون يستلزم الإجابة على الأسئلة اللاحقة ذات الصلة والمتعلقة بقضايا مثل: طبيعة العلاقات مع الجهات الدولية, تقديم نظريات مُستفيضة حول قضايا التدخل العسكري المشترك, حدود ومتطلبات الأنشطة الجماعية والأساليب المطلوبة لدعم الوضع السياسي والاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي على المسرح الدولي.

ما رأيناه حتى الآن بالطبع هو دور أكثر حزما وديناميكية لتحسين البيئة الأمنية الإقليمية, غير أن هذا الدور الصاعد الجديد لا يستند بعد إلى نظرية واضحة خاصة بالأمن الإقليمي, أو لكيفية تحديد دور مجلس التعاون الخليجي في البنية الأمنية الدولية ومراكزها الرئيسية. إن الدور الجديد لمجلس التعاون الخليجي لا يزال يُحدد بصورة كبيرة على أساس كل حالة على حدة, ولا يزال يخضع للاتفاقيات الفردية التي تجري بين القادة. إن الافتقار لنظرية أمنية واضحة يجعل من تحديد الأهداف الإقليمية بطريقة مؤسساتية, أو حدود وطبيعة التحالفات الدولية والإقليمية أمرا خاضعا لأراء شخصية ومجرد استجابة لحالات الطوارئ, بدلا من وجود إطار منهجي ومنظم يشكّل الدور الإقليمي الجديد لمجلس التعاون الخليجي.

يرتبط سبب ظهور هذا النهج الجديد الذي يتبناه مجلس التعاون الخليجي تجاه الأمن الإقليمي بصورة مباشرة بحقيقة واحدة باتت واضحة بصورة متزايدة في العقدين الأخيرين: أصبح للحلفاء الخارجيين أجنداتهم الخاصة التي ابتعدت عن العلاقات التقليدية التي استمرت لعقود مع دول الشرق الأوسط. ولذلك, فإن ما نشهده هو “تحول في النظرة”, في حال استخدمنا نظرية ” تحول البارديغم” الشهيرة للمفكر توماس كوهن في عام 1963.

وبينما أذهلت الكفاءة العسكرية لمجلس التعاون الخليجي العديد من المراقبين حول العالم, إلا أن استخدام القوة العسكرية عند الحاجة لم يصبح بعد جزءا من تصور إستراتيجي مشترك ومجموعة سياسات وأساليب مفصلّة. كما أن النُهُج المُتبعة مازالت فردية, وهو ما يبطيء من نضج وتطوّر مجلس التعاون الخليجي.

مثلا, فلنعد إلى مبادرة الملك السعودي الراحل عبد الله  في عام 2002 والمتعلقة بالصراع العربي-الإسرائيلي, والتي قُدمت خلال مؤتمر القمة العربية الذي انعقد في ذلك العام في بيروت. وفّرت تلك المبادرة إطار عمل واضح لأي نهج لاحق لمعاجلة قضية السلام الشائكة مع إسرائيل, كما كانت محورا مركزيا لتنظيم  الجهود العربية والدولية لاستئناف محادثات السلام.

من الخطأ تقييم مبادرة الملك الراحل على أساس نجاحها أو إخفاقها في تحقيق سلام حقيقي. فعلى الرغم من أننا مازلنا بعيدين عن تحقيق هذا الهدف, إلا أن تلك المبادرة كانت ومازالت إطارا توجيهيا هاما لكل الجهود اللاحقة لإحراز تقدم في هذا الملف.

وبالمثل, يجب على مجلس التعاون الخليجي في هذه اللحظة الحرجة أن يضع إطارا توجيهيا للعلاقات مع إيران. إن ” مبادرة السلام الإقليمي”التي نقترحها هنا يجب أن تكون بمنأى عن المجادلات, وأن تستند إلى الرغبة الحقيقة لتعزيز الاستقرار والسلام في الإقليم. على المبادرة أن تحدد الظروف التي ستقوم الدول العربية بموجبها بتطبيع تعاونها التجاري, والاستثماري, والسياسي, والأمني مع إيران.

سوف تنبع هذه المبادرة بالضرورة من المنظور العربي القائم على مبدأ عدم التدخل, والاستعداد لبناء علاقات تعاونية مع الدول التي تسعى للعب دور بناء في تحسين الأمن الإقليمي, والتي لديها نية صادقة لجعل ذلك ممكنا.

لا يجب أن ينحصر الدور الحازم الذي يقوم به مجلس التعاون الخليجي في البُعد العسكري لقضية الأمن الإقليمي فقط, بل يجب أن يمتد ليشمل مجال الممارسة الدبلوماسية الفاعلة أيضا.

تعاني العلاقة المتبادلة بين القيام بدور عسكري حازم من جهه, وتبني أراء مشتتة, وفردية, وغير منسقة في مجال الأهداف والإستراتيجيات من جهة أخرى من خلل واضح.

من الواضح أن الحاجة لإعداد إطار عمل واضح وشامل للأهداف الأمنية لمجلس التعاون الخليجي لن تنتهي- بأي حال من الأحوال- بمجرد الإعلان عن مبادرة عربية تجاه إيران. حيث أن النقاشات التي ستسبق مثل تلك الخطوة, والخطوات التي ستليها, سوف تساعد في إلقاء الضوء على العديد من المجالات التي ستتطلب المزيد من المناقشات حول المتطلبات الأمنية الإقليمية.    

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!