روسيا في سوريا: محطة أساسية على طريق إنهاء عالم القطب الأوحد


فراس مقلد

عام كامل مرّ على بدء العملية الروسية لمكافحة الإرهاب في سوريا، بدعوة من الحكومة، وبعد موافقة مجلس الاتحاد الروسي على تفويض الرئيس فلاديمير بوتين استخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد.. عام كامل مرّ منذ صباح الثلاثين من أيلول (سبتمبر)، حين صرحت وزارة الدفاع الروسية عن تنفيذ 20 غارة جوية على 8 مواقع تابعة للتنظيم، لم تُحدد أمكانها في البر السوري، بعد عملية استطلاع جوي ومعلومات تلقتها القوات الروسية من هيئة الأركان العامة السورية.

نتائج التدخّل الروسي تغطّي مروحة مكاسب واسعة، بدءا من تلك العسكرية وصولا الى المكاسب السياسية. ولعلّ حديث الرئيس السوري بشار الأسد شكّل الدليل الأوضح، بقوله أنّه “منذ قرر الروس التدخل وتقديم الدعم المشروع للجيش السوري في محاربة الإرهابيين في سوريا رجحت كفة الميزان ضد أولئك الإرهابيين، وقد حقق الجيش السوري تقدماً في مختلف المناطق في سوريا وما زلنا نتقدم”.

وإن كان حديث الرئيس الأسد يذكر ترجيح الكفة العسكرية، فتلك السياسية باتت دفتها تميل للدولة السورية أيضا. وهنا لا بدّ من التطرّق الى حديث وزير الخارجية الأميركي جون كيري، المسرّب إثر لقائه مع مجموعة من المعارضين السوريين في 22 أيلول الماضي، حيث اعتبر أنّ تسليح المعارضة في سوريا أو انخراط بلاده في الحرب هناك، سيؤدي إلى نتائج عكسية، “وزيادة سقف المراهنات”، مؤكدا أن توسيع نطاق التدخل الأمريكي في سوريا، سوف يدفع بالأطراف الأخرى المنخرطة في الأزمة السورية نحو القيام بخطوات مشابهة. وأضاف مخاطبا المعارضين: “ذلك سيفضي إلى بذل روسيا ما هو أكثر، وتسخير إيران ما هو أكثر، فضلا عن انخراط أوسع لـ”حزب الله”. السعودية وتركيا في هذه الأثناء، سوف تضخان جميع ما لديهما من أموال موكلة إليهم، وكل ذلك سينتهي في نهاية المطاف بالقضاء عليكم جميعا”.

المفارقة الأكبر، أنّ وزير الخارجية الأميركي اعترف، عن غير قصد، بهزيمة المشروع السياسي الذي انتهجته واشنطن منذ اندلاع الحرب السورية، باعتباره أنّ على المعارضة القبول بخوض انتخابات يشارك فيها “رئيس النظام السوري بشار الأسد”. هذا الحديث الذي يأتي “عكس خطّ سير” كافة التصريحات الأميركية يكاد يشي تماماً بحجم مفاعيل التواجد العسكري الروسي على الأرض السورية.

الولايات المتحدة التي لطالما صنّفت نفسها “شرطي العالم”، والتي حاولت مراراً وتكراراً تثبيت نظام القطبية الأحادية سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الاقتصادي، تجد نفسها اليوم تخسر في كافة الفئات المذكورة.

بداية من الاقتصاد، حيث وجدت الولايات المتحدة الأميركية أنّ سياساتها النيوليبرالية كادت تطيح بنظامها المالي عام 2008. في الوقت عينه، تبيّن وبشكل واضح تفوّق التخطيط الاقتصادي الصيني القائم على الاقتراب أكثر فأكثر من مراكز تواجد النفط (في روسيا وايران تحديداً)، بالإضافة الى ضمان القدرة على الحفاظ على تنوّع مالي كبير عبر “بورتفوليو” هائل من سندات الدين الخارجية.

في المقابل، فإنّ خطط واشنطن لقطع الطريق على خطّ نقل الغاز الطبيعي من روسيا الى اوروبا، عبر الإعلان عن محاولة إنشاء خط نابوكو أولا، ومن ثمّ عبر المراهنة على سرعة قلب النظام في سوريا، فشلت بشكل ذريع. كذلك، فقد شهد العام 2016 إفلاس أكثر من 160 شركة طاقة أميركية نتيجة تراجع أسعار النفط، إثر المحاولة الغرببة التي شكلت رأس حربتها المملكة العربية السعودية لخفض الأسعار بغية ضرب الاقتصاد الإيراني.

على الساحة العسكرية، كان واضحاً أنّ تخوّف الولايات المتحدة من التدخّل عسكريا في سوريا شكّل الفرصة المثالية لروسيا لتقبيت مصالحها في الشرق الأوسط، عبر تكثيف حجم العديد والعمليات بشكل بات يمنع واشنطن من مجرّد التفكير بإرسال جنودها. هنا، يجدر التذكير بحديث جون كيري عن انعدام الرغبة لدى الإدارة الأمريكية في الحرب في سوريا، فضلا عن أن “الكونغرس لن يوافق على استخدام القوة نظرا لمعارضة الكثير من الأمريكيين إرسال شبابنا إلى سوريا ليقتلوا هناك”. كذلك فإنّ الأميركيين يدركون بشكل واضح أنّ قدرة المناورة لديهم على هذا الصعيد باتت ضعيفة، حيث يعترف وزير الخارجية الأميركي بأنّ انخراط بلاده في الحرب  سيؤدي إلى نتائج عكسية، قد تنتهي الى القضاء الكامل على المعارضة السورية.

الأمر نفسه ينطبق على الساحة السياسية التي وجدت فيها واشنطن نفسها دون قدرة كبيرة على الحركة، خصوصا أنّ أي تدخّل لها في سوريا سيقابل بـ”فيتو” صيني أو روسي، بالإضافة الى عدم “حصولها على دعوة للتدخّل” أسوة بـ”روسيا”.

العالم اليوم يتحوّل، والأحداث تتسارع بشكل كبير، والعالم الأحادي القطب، الذي اعتقدنا أنّه في صلب مرحلته الذهبية، يكاد يحتجب في ظلّ التواجد الروسي والصيني، وفي مقابل بداية تفكّك الاتحاد الأوروبي. العوامل المؤدية للمتغيرات على الساحة الدولية كثيرة، لكنّ الأكيد أنّ التدخّل الروسي في سوريا في 30 أيلول (سبتمبر) 2015 ليس نقطة عابرة، بل هو لحظة تاريخية على طريق تأسيس العالم الجديد.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!