تأثير الهجرة في العالم…


 

فؤاد خشيش

ان هجرة الفقراء الى بلدان غنية من الظواهر المثقلة بإحاءات مريرة .

يشكل استمرار ظاهرة الفقر التي تنتشر على نطاق واسع في مجتمعات تقع ضمن المليار الافقر  تحدياً خطيراً للقرن الواحد والعشرين .

حين يرى كثير من الشباب في هذه المجتمعات وجود فرص للحياة  المرفهة في مكان اخر من العالم، فإنهم يتلهفون للرحيل عن اوطانهم ، وسواء كان ذلك بوسائل شرعية او غيرها، وينجح البعض في مساعيه .

يخضع موضوع الهجرة دائماً للتقلبات السياسية قبل ان يخضع للدراسة والتحليل . ان انتقال الناس من بلدان فقيرة الى اخرى غنية ما هو الا عملية اقتصادية بسيطة ، غير ان تاثيراتها اللاحقة تتسمحتماً بالتعقيد.

وتتباين سياسة التعامل مع الهجرة من مكان الى اخر بشكل كبير  سواء في البلدان التي يأتي منها المهاجرون او البلدان المضيفة لهم .بعض حكومات التي ينتمي اليها المهاجرون تعمل احياناً على تشجيع الهجرة او تدفع اليها بوسائل مختلفة  وتكون لديها برامج رسمية تحرص فيها على ابقاء علاقات التواصل مع مهاجريها المشتتين ، بينما هناك دول اخرى تقيد حرية الانتقال في المنافذ الحدودية وتعتبر مهاجريها من المعارضين للحكومة . وكذلك تختلف البلدان المضيفة كثيراً من ناحية المعدل الاجمالي للمهاجرين الذين تسمح لهم بدخول اراضيها .

يشير البروفيسور في الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة اوكسفورد السر بول كوليير في كتابه ” الهجرة كيف تؤثر في عالمنا “* الى انه وخلال نصف قرن بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى كانت البلدان تغلق حدودها بسبب الكساد الاقتصادي  الذي جعل من الهجرة امراً صعباً من الناحية العملية ولم يلق المهاجرون اي ترحيب . ومع حلول الستينات كان الناس يعيشون مكتفين بانفسهم الى حد كبير في البلدان التي ولدوا فيها. لكن في اثناء نصف قرن من الخمول كان ثمة تغير دراماتيكي يحدث في الاقتصاد العالمي . لقد نشأت فجوة دخل كبيرة في البلدان

ويضيف كوليير ان النمو الذي تحقق في البلدان الغنية خلال السنوات الثلاثين الذهبية وحالة الركود التي تعانيها البلدان الفقيرة هي من الامور الاساسية لفهم اصول الهجرة ومسبباتها في العصر الحديث .

لقد خلقت حالة الازدهار الاقتصادي غير المسبوق التي شهدتها تلك الفترة ضغوطاً ياتجاه اعادة فتح الابواب، واصبح اصحاب العمل يبحثون جاهدين عن العمال ، وادى ذلك ايضاً الى تلاشي  الخوف  الذي كان العمال في السابق يشعرون به في تحركاتهم الجماعية للمطالبة بالحقوق . وكانت الحكومات نفسهاهي صاحبة العمل الرئيسي في البلاد ولهذا واجهت مباشرة نقصاً في القوة العاملة ، ولكنها كانت تعاني ايضاً ردود افعال تتمثل  في الاضرابات  وتضخم الاجور . وضمن السياق من اجل تحقيق النمو الاقتصادي ، بدأ تشجيع العمال على المجيء من بلدانهم التي تعاني مستويات معيشية متدنية خطوة تتسم بالفطنة . كان اليسار السياسي يحتاج الى تجنيد البشر للتوسع في الخدمات العامة ةتشييد البنى التحتية  ، اما اليمين السياسي فكان يحتاج الى المهاجرين الذين يبدون استعداد للذهاب تحديداً الى المناطق التي ” تقع في عنق الزجاجة “. وبذلك يتسارع النمو وتضبط النوعة العدوانية .

لقد بات معروفا ، بحسب كوليير ،اننا بتنا امام ثلاثة اشياء مهمة  اصبحت معروفة بالنسبة الى الهجرة  . اولاً : الهجرة رد فعل اقتصادي في طبيعته على الفجوة  في مستويات الدخل . فإذا تساوت بقية الاشياء فان الضغط الذي يدفع نحو الهجرة يصبح اقوى كلما كانت فجوة الداخل اوسع . ثانياً :  هناك هناك انواع لا تحصى من العوائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية امام الهجرة ولها اهمية كبيرة في تحويل الهجرة الى مسألة استثمار لا بد ان يتحمل المرء التكاليف قبل جني الثمار ما دام الفقراء هم الاقل قدرة على تحمل تكاليف الاستثمار فهذا يولد توازناً للضغط الذي تسببه فجوة كبيرة  في مستويات الدخل .ثالثاً :  هو ان تكاليف الهجرة تصبح يسيرة – الى حد ما-  مع وجود شتات في البل الاصلي في البلد المضيف.

يقول الاقتصادي البارز مايكل كليمنز وهو من مشجعي الهجرة  انه من منظورمستقبلي ربما يتحقق بعد ربع قرن من الزمن  ان كلمة ” نحن” سوف تعني اولئك الذين يتحدرون من انسابهم من السكان الاصليين الموجودين حالياً وغيرهم من المهاجرين على السواء  من وجهة نظره فالسؤال الوثيق الصلة بالموضوع هو ان كانت الهجرة تؤدي الى مكاسب طويلة الامد لهؤلاء الاحفاد .

ان كل السكان الاصليين ينتمون الى انساب هجينة في الاصل نتاج موجات هجرة سابقة ويتختلف مدى صحة هذا الرأي من بلد الى اخر .وهذا ما حصل على ما يبدو في بعض البلدان ابان الهجرات التي حصلت في القرن التاسع عشر .

للمزيد مراجعة كتاب “الهجرة كيف تؤثر في عالمنا”..بول كوليير عالم المعرفة  العدد 439 *

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!