قطاع التعليم العالي : خسائر فاقت الـ 10 مليار ليرة وكلفة اعادة الاعمار بين 80 و 200 مليار دولار


فادي نصار

 

دمّرت الحرب التي تعيشها سوريا منذ خمس سنوات 4000 مدرسة بشكل كامل أو جزئي، وذلك بحسب احصاءات وزارة التربية، بالإضافة إلى تهجير ما يقرب من ثلاثة ملايين طالب، سواء كانت هجرة مؤقتة أو دائمة الى دول الجوار أو الى العالم البعيد، فأجبرتهم على التوقّف عن التعليم. وعليه، فقد انحدرت وتيرة التعليم بشكل حاد في سنوات الحرب الخمس، حيث بلغت مستويات الالتحاق بالمدارس الابتدائيّة قبل الحرب 97 بالمئة (حسب تقرير لمنظمة اليونسيف عام 2011)، في مقابل أقلّ من 50 بالمئة في العام 2015، بعد أن طاولت حوادث الخطف والاستهداف والقتل عدداً كبيراً من المعلّمين والمعلّمات وأساتذة الجامعات، ويشير تقرير “اليونيسف” ذاته، الى ان ما يقرب من 200 معلم ومدرس قُتلوا، أو خطفوا أو هددوا إثر الحرب الدائرة، بالإضافة إلى استشهاد عدد كبير من الطلاب جرّاء القذائف والصواريخ التي استهدفت المدارس ورياض الأطفال والجامعات.

مئة عام تفصل بين اقدم الجامعات السورية واحدثها، فقد أسست أول وأكبر جامعة حكومية سورية سنة 1923 (جامعة دمشق)، بقدرة استيعابية تصل اليوم الى 177 ألف طالب، فيما تم تدشين الجامعة الخاصة الأحدث في سوريا “جامعة قاسيون الخاصة” عام 2014. ويبلغ عدد الجامعات الخاصة في سوريا اليوم حوالي 20 جامعة، بالإضافة الى ترخيص الحكومة لعشر جامعات خاصة جديدة، أواخر العام الماضي.

وفي السنوات الخمس التي سبقت الحرب (2005 – 2010)، بلغت قيمة الاستثمارات في هذا المجال أكثر من ملياري دولار أميركي، حيث تم استحداث اكثر من 16 جامعة بعد صدور المرسوم رقم 36 لعام 2001، (أبرزها جامعة القلمون، الجامعة السورية الدولية، الجامعة الأوروبية، جامعة اليرموك، جامعة الوادي، جامعة الشام الخاصة، الجامعة الوطنية والجامعة العربية الخاصة للعلوم والتكنولوجيا)، أضف اليها سبع جامعات حكومية.

وكانت منظمة “اليونسكو” قد أدرجت قبل الحرب أربع جامعات سورية بالتصنيف العالمي لليونسكو، وهي جامعة دمشق (يبلغ عدد طلابها اكثر من 150 الف طالب)، وجامعة حلب (قدرتها الاستيعابية 105 الف طالب و4000 طالب دراسات عليا)، وجامعة تشرين في اللاذقية (بقدرة استيعابية تبلغ تقريبا 100 الف طالب) وجامعةحمص (حوالي 75 الف طالب).

الجدير بالذكر أنّ التعليم في الجامعات السورية يعتبر شبه مجاني بالنسبة للطلاب السوريين، رغم وجود رسم تسجيل رمزي، في حين تباع الكتب للطلاب بأسعار رمزية. أضف الى ذلك أن جميع الجامعات في البلاد تضمّ سكنا جامعيا شبه مجاني، حيث تؤمن جامعة دمشق وحدها سكنا لما يقارب 23 الف طالب، والجميع قادر على تحمل نفقات التعليم العالي الحكومي، خلافاً للأقساط السنوية في الجامعات الخاصة التي تتراوح بين 3.000 و 10.000 دولار، الأمر الذي يجعل الانتساب لهذه الجامعات مقتصراً على الطبقات الميسورة، والمغتربين السوريين الذين تعمل عائلاتهم في الخارج، والطلاب القادمين من الدول العربية الأخرى.

لحقت بقطاع التعليم العالي أضرار قدرت بـ 10 مليار ليرة، بحسب مصادر وزارة التعليم العالي. وفي حين تقدّر كلفة إعادة إعمار الجامعات، بحسب صندوق النقد الدولي، ما يقارب 80 مليار دولار، يصل الرقم إلى 200 مليار دولار بحسب إحصاءات “الإسكوا”.

وعلى الرغم من كلّ المصاعب، لم تحل الحرب دون استمرار الحياة في مؤسسات التعليم العالي (جامعات ومعاهد)، بل على العكس، فقد اصدر الرئيس السوري بشار الاسد مرسومين خلال الازمة يقضيان بإحداث كلية للفنون الجميلة في جامعة تشرين في العام 2012، وكلية للهندسة المدنية في جامعة حماه عام 2016. وتم في سنة 2014 افتتاح جامعتين خاصتين، هما “جامعة قاسيون” و “جامعة الشام”، كما استمرت الجامعات جميعها رغم الحرب بتخريج الطلاب واستقبال آخرين، بينهم طلاب من الاردن، اليمن، العراق، فلسطين والسودان، يدرسون على نفقة الدولة السورية.

الجامعيون… نعاني ولكن سنستمر

تراجع مستوى التعليم في الجامعات السوريّة بفعل الحرب، خصوصاً في المناطق التي شهدت معارك عنيفة كحلب وحمص وإدلب ودير الزور والرقّة، في ظلّ هجرة عدد كبير من الأساتذة، واقتصار التعليم في بعض هذه الجامعات على معيدين أو طلبة ماجستير. كذلك، فقد اغتيل وخُطف قسم آخر، في مقابل انسحاب قسم من الأساتذة والطلبة الى العمل في المجالين السياسي والعسكري.

رغم كل ذلك، ظل الطلاب يؤكدون أن الحياة في سوريا مستمرة، والجامعات لا تزال على قيد الحياة. في هذا السياق، يقول طالب “الهندسة الالكترونية في جامعة حلب” جوني نادر في اتصال مع “الاعمار والاقتصاد”: “في ظل الظروف الحالية الصعبة التي تشهدها البلاد، كان للطلاب في الجامعات السورية النصيب الوافر من الصعوبات والعراقيل، التي تعرّض حياة الطلاب بشكل شبه يومي للموت، وتعيق استمرار البرنامج التعليمي في عدد من المناطق، وبالاخص جامعة حلب بما تتعرض له المدينة ككل من قذائف يومية. أضف الى ذلك عدم توافر الشروط الدنيا للحياة الجامعية مثل انقطاع التيار الكهربائي بشكل كامل والنقص في توفير الخدمات الأساسية، كالمياه والعديد من المستلزمات المعيشية، بالاضافة الى انقطاع الطرق المؤدية الى مدينة حلب، مما يشكل عائقا امام الطلاب القادمين من المحافظات الاخرى. رغم هذه الظروف، لا نزال نواظب على ارتياد جامعاتنا، التي لا تزال تعمل نفس الكفاءة العلمية”.

من ناحيتها، ترى الاديبة والصحفية بيانكا ماضية في حديث لـ “الاعمار والاقتصاد” أن “الصمود يعود لأسباب عدة”، مشيرة الى أنّ “الحياة التعليمية والبحثية في سوريا لم تتعطل خلال سنوات الحرب، وذلك يعود لنشأة الإنسان السوري في أرض تمتلك الفكر والحضارة والتاريخ والصمود والكفاح والمقاومة، فقد مر عليها غزاة كثر ونهضت من تحت الركام كالفينيق. أما العامل الآخر، فهو إيمان الإنسان السوري بأن الحرب ستنتهي وإن طالت، وبأن وطنه سوريا منتصر لا محالة، ولذلك فإن نظرته إلى المستقبل لم تكن مشوّشة وضبابية، ومن منطلق هذا الإيمان آل الإنسان السوري على نفسه عدم الارتهان للواقع السلبي، بل النضال والمقاومة بكل ما أوتي من قوة وشجاعة وتصميم على المضي قدماً في سبيل تحقيق أحلامه وأهدافه في هذه الحياة”.

وتضيف ماضية: “إذا نظرنا نظرة عامة إلى طبيعة الحياة التعليمية في ظل الحرب، منذ بدايتها حتى هذا اليوم، لوجدنا أن الطالب السوري لم يأبه بكل القذائف التي كانت تطلق على مدنه وأحيائه وشوارعه، إذ أن القذائف والتفجيرات التي حصلت والتي ألقت بظلالها السلبية على حياته بشكل عام لم تثنه عن متابعة دراسته وتعليمه، فنجده – بعد سقوط قذيفة ما على حيّه، أو حصول تفجير سيارة وما إلى ذلك – منطلقاً في اليوم نفسه إلى مدرسته أو جامعته، مصمماً على المتابعة، وهو نوع من نضال وكفاح آخر يخوضه الطالب السوري في ظل هذه الحرب”.

على رغم استمرار الحرب، استمرت أرقام الطلاب المتقدّمين للمفاضلة العامة للقبول الجامعي ومفاضلات الدراسات العليا بالزيادة، واستمرت الحكومة السوريّة بإرسال الطلاب لمتابعة الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه، إلى عدد من الدول الصديقة مثل الصين وروسيا والهند وإيران ودول أخرى في أميركا اللاتينيّة، وفرضت على الجامعات الخاصة التقيد بأسعار التسجيل الجامعي، كما منحت اكثر من

فرصة للطلاب المستنفذين، وشرعت ابواب الجامعات امام جميع الحاصلين على شهادة الثانوية العامة، كي تشجعهم على الدراسة، وهذا من علائم الحيويّة والقوة في مجتمع يئنّ تحت وطأة حرب استنزفت موارده الماديّة والبشرية.

في هذا الشأن قالت الباحثة الاجتماعية احلام محمد في حديث مع “الاعمار والاقتصاد” إن “الشعب السوري من البداية كان يعي ان هذه الحرب الكونية المفروضة عليه تهدف الى تدمير مقدراته الفكرية والثقافية والاجتماعية، والدليل سياسة التدمير الممنهج التي يتبعها اذناب الصهاينة في تدمير مقدرات الشعب وممتلكاته العامة وبنيته التحتية كالمدارس والجامعات والمشافي، وهذا الوعي جعل الاهالي يشجعون ابناءهم على العلم والتوجه الى البناء واتباع ثقافة الحياة بعيدا عن ثقافة الموت التي يحاول الارهاب غرسها في ارض الحضارة والعراقة سوريا، رغم كل المعوقات تقدم الدولة السورية ما في وسعها لتسهيل العملية التعليمية وتذليل جميع العوائق، وذلك من خلال ترميم المدارس والجامعات واستحداث جامعات جديدة وتأمين كتاب مدرسي مجاني في مرحلة التعليم الاساسي وبسعر رمزي، وفي باقي المراحل وفي الجامعات، تأمين السكن الجامعي للشباب السوري بأسعار رمزية، ورغم هذه الحرب الكونية نجد في سوريا المدارس والجامعات مشرعة ابوابها امام ابنائها وشبابها الواعي بضرورة مواكبة العلم والبحث الفكري والعلمي”.

حافظت الجامعات السورية، رغم الحرب على عراقتها، وتميّزت بكوادرها الأكاديمية المهمّة وبالمستوى العالي لمتخرجيها، خصوصا في كلياتها الهندسية، الحقوق وطب الاسنان، وفي حلب المدينة التي عرفت بكونها عاصمة سوريا الصناعية تنفرد جامعتها بأقسام هندسية لا تدرّس في جامعات سورية أخرى، كهندسة الغزل والنسيج، وهندسة الطيران، والهندسة الصناعية. اليوم تراجع مستوى هذه الكليات الرائدة نتيجة عوامل متعدّدة، وتبدلت صورة المستقبل الذي كان ينتظر متخرّجيها. فقد اصبح حلمهم السفر الى الخارج غير ان الذين سافرو الى دول العالم لاينكرون فضل هذه المؤسسة التعليمية.

وفي اتصال أجرته “الاعمار والاقتصاد” مع المحامي لؤي الضاهر وهو خريج جامعة حلب ويعيش حالياً في النروج، قال: “من خلال دراستي في سوريا وجدت شيئا كنت اعتبره غير ذي اهمية أو غير محبب، الا وهو الالتزام، اي التزام المدرس أو دكتور مادة جامعية ما، بدوامه وحضوره واعطائه وشرحه للدرس أو المحاضرة وصبره الطويل على بعض الطلاب، وجميعنا يعلم ان البلاد التي تكون ملتهبة بالحروب تتعطل فيها جميع دوائر ومؤسسات الدولة الحكومية، ولكن في سوريا اثبت العكس اذ ان ارادة المدرسين والطلاب لتلقي العلم والبحث العلمي كانت اكبر واقوى من الحرب، فخلال ست سنوات من الحرب في سوريا لم تتعطل المؤسسة التعليمية وخلال زمن قصير تم حل سريع لكافة الاجراءات التي تعترضها، فعلى سبيل المثال فتح باب التنقل بين جامعات الوطن حسب الجامعة القريبة على موطن سكن الطالب، بالرغم من ان دخول الجامعة يحتاج لمفاضلة عامة بين الجامعات حسب ترتيب الجامعة، وايضا فتح باب الدورة التكميلية للطلاب الذين لم يستطيعوا التقدم لامتحان بعض المواد الدراسية، بسبب توتر واشتعال الجبهة القريبة منهم وبالتالي هذا انعكس على جميع الطلاب بالايجاب”.

وفي مقارنة له بين الجامعات السورية والجامعات في دول أوروبا التي زارها يقول الضاهر “من خلال اطلاعي على بعض الجامعات في أوروبا ومقارنتها بجامعات سوريا، وجدت ان الجامعات السورية تعتمد اعتمادا كبيرا على البحث العلمي والنظري، في حين ان جامعات أوروبا مقسمة، اما علمية أو نظرية، وهذه الميزة تكسب الطالب أو خريج الجامعة السورية ميزة كبيرة في المعرفة والتحصيل العلمي، لذلك ترى اشهر الاطباء أو المهندسين أو الصيادلة أو غيرهم من الفروع هم سوريون في كل مكان في العالم”.

بالنسبة لبعض حالات الفساد في الجامعات السورية كان هناك بعض حالات فساد كأي مؤسسة حكومية، بحكم ان الفساد سرطان مستشرٍ في الجسم، ولكن المؤسسة التعليمية كان لها نصيب ضئيل منها بحكم الرقابة وتوزع المواد على اكثر من دكتور أو محاضر واحد.

وأضاف الضاهر: “وفي النهاية لا بد من الاشارة الى شيء مهم وهو ان تكلفة الدراسة في الجامعة لا تعادل تكلفة وجبة غداء في لندن أو باريس أو أوسل ، وهذا شيء مهم اتاح العلم والدراسة لجميع ابناء الوطن

فقراء كانوا أم أغنياء، على سبيل المثال انا مقيم في النرويج اريد دراسة ماجستير في القانون الدولي، تكلفة سنة الماجستير 10 آلاف يورو هذه التكلفة كافية لتعليم طلاب مدينة كاملة في سوريا.

تقطعت أوصال البلاد، لمدة ليست بقصيرة، ووصلت الأوضاع الى درجة من السوء جعلت من انعدام الامن يمثل المعاناة الكبرى عند الطلاب، بل تحولت الى واقع مُعاش، حيث كثرت عمليات الخطف للطلاب وابتزاز عوائلهم. ومن الطلاب من قضى نحبه على الطريق بين المحافظات للالتحاق بجامعته، دمروا البنية التحتية للبلاد، فاعادوها مئات السنين الى الخلف، وحاولوا تدمير الثقافة، فبدل المواد العلمية التي كانت تدرس في المدارس الحكومية، جاؤوا بكتب دينية سلفية تعلم الذبح والاستعباد والغزو، حاملين معهم كل الحقد لسوريا، فواجههم الشعب السوري بحب الحياة، الحرية، العلم والانفتاح على الآخر، وبقناعة تقول ان كل اقتصاد يمكن اعادة بنائه الا الاقتصاد الذي يكون رأسماله الانسان.

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!