الإخوان المسلمون وتركيا.. علاقة تجمعها المصالح أم الثوابت؟


كيف استغل الإخوان حصار غزة لتبرير تطبيع أردوغان مع إسرائيل؟

كان الإخوان المسلمون ملكيين أكثر من الملك، ففي نفس الوقت الذي أعلنت فيه الدولة التركية على لسان وزير خارجيتها على بن يلدريم من أنقرة بداية عودة العلاقات مع إسرائيل، كان بيان الإخوان المسلمون الرسمي يحاول ليّ عنق الحدث لصالح الحفاظ على شخصية سلطان المسلمين رجب طيب أردوغان من تلقى تهم تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

حيث أصدر الإخوان المسلمون بياناً رسمياً، زيفوا فيه واقع عملية التطبيع، وذلك عبر إستغلال مأساة الحصار فى غزة للتغطية على عودة العلاقات الإسرائيلية التركية إلى مسارها الطبيعى والتعاونى.

قد أورد البيان من ضمن ما أورد(جماعة الإخوان المسلمين ترحب بمساعي الدولة التركية لتخفيف الحصار عن غزة، وهو موقف الشعب التركي، والحكومة، والرئيس رجب طيب أردوغان من البداية)  وأضاف بيان الجماعة، “أن أي جهد لفك الحصار عن غزة هو جهد مشكور”، معربة عن تطلعها إلى “مزيد من العمل من أجل إنهاء الحصار بشكل كامل، واسترداد كافة الحقوق الفلسطينية“.

هنا وقعت أول عملية تزييف، حيث غض بيان الإخوان المسلمون الطرف عن ذكر مصطلح التطبيع حتى، وسعى البيان للإدعاء أن هناك صفقة وقعتها تركيا لصالح غزة، حيث أراد بيان الإخوان القول ( إستعادت تركيا العلاقات مع إسرائيل مقابل رفع إسرائيل الحصار عن غزة)

أما عن ثانى عملية تزييف قام بها الإخوان، فقد كان الإدعاء بما لم يأتى فى البيان الرسمى التركى بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل،  فالبيان التركى لم يرد فيه مصطلح (كسر الحصار) كما إدعى  بيان الإخوان، حيث إستخدم الأتراك مصطلح (تحسين ظروف المعيشة).

 هل فعلاً تطبيع العلاقات الإسرائيلية التركية جاء مشروطاً بكسر الحصار على غزة؟

لا، فقد أورد البيان الرسمى التركى بشان تطبيع العلاقات مع إسرائيل، أن نحو 10 ألاف طن مساعدات ستصل الى غزة عبر ميناء أشدود، وإذا علمنا أن ساعات قطع الكهرباء فى غزة تمتد يومياً نحو 15 ساعة، وأن 40% من سكان غزة يتلقون المياه من 4-6 ساعات يومياً على أيام متباعدة، وأن نسبة البطالة بلغت أكثر من 50%، فإننا سوف نصف العرض التركى الذى يضمن 10 ألاف طن مساعدات لأهل غزة  بأنه ليس سوى بقرة شح اللبن من ضرعها، وهو ما يدلل على إنتفاء صفة كسر الحصار عن القطاع ، وهو الإدعاء الذى أثاره الإخوان.

وكيف أضر الإخوان المسلمون بمعاناة أهل غزة والقضية الفلسطينية لصالح الحفاظ على علاقاتهم مع أردوغان؟

بخلاف كون بيان الإخوان المسلمون يعد إعترافاً وترحيباً رسمياً بعملية التطبيع، حيث جاء فيه (أي جهد لفك الحصار عن غزة هو جهد مشكور). فمن جانب أخر فرضت الجماعة مصالحها الضيقة ، مقابل الإضرار بمعاناة أهل غزة والتغذى عليها ، بل والإضرار بالقضية الفلسطينية كلها.

حيث جاء البيان التركى وبيان الإخوان المسلمين كاعترافاً رسمياً وصريحاً بشرعية الحصار الإسرائيلى  لقطاع غزة، كما تم تقزيم قضية الحصار خصوصاً والقضية الفلسطينية عموماً وتصويرها كأنها قضية تنتهى بدخول 10 ألاف طن مساعدات. وهو ما دفع هيئة الإغاثة الإنسانية لإصدار بيان نددت فيه بمثل هذا السلوك، وكان مما جاء فى البيان ( اتفاقية ميناء أشدود تمنح بعض التساهلات بشأن حصار غزة، لكنها اعتراف رسمى بالحصار، وعلى تركيا أن تعى ذلك)

واقع الحال بعد هذا التوضيح أن جماعة الإخوان المسلمون إنما تدافع عن ثمن وجودها على الأرض التركية، حتى ولو على حساب القضية العربية المحورية، وهى قضية فلسطين، نظراً لأنه وفى ظل عدم اليقين بخصوص التقلبات المزاجية للرئيس التركى أردوغان فإنهم قد فضلوا الإنحناء للسلطان لضمان مقاعدهم فى القصر.

  أردوغان والإخوان المسلمون، لماذا يحتاج كلا الطرفين للأخر ؟

يحتاج أردوغان إلى الإخوان المسلمين كقاعدة شعبوية يتغذى عليها ويستمد منها جماهيريته، فالرجل لم ينسى رفعة علامة “رابعة” بيده فى واحدة من أحلك الليالى التى مرت عليه فى حياته أثناء محاولة الإنقلاب عليه 15 يولي 2016 ، وكانت حركة ذكية منه لجمع أكبر قدر من التعاطف والدعم الشعبى فى هذه اللحظة العسيرة.

وبنفس القدر، فإن الإخوان المسلمين يحتاجون أردوغان إما لسد الفجوة التاريخية التى سقطوا فيها باعتباره نموذجاً لخليفة المسلمين فى دولة الخلافة المنشودة التى تأتى على رأس أدبيات الإخوان، أو ليظل حامياً ومدافعاً عنهم ومتحدثا بإسم كربلائيتهم.

لذلك فإن أردوغان سيفكر كثيراً بشأن إستعادة العلاقات مع مصر، فالرجل لن يستغنى بسهولة عن تلك القاعدة الشعبية التى تعتمد فى الأساس على جموع الإخوان المسلمون فى مصر وخارجها، فأردوغان لا يحتاج سوى رفع إحدى يديه ناقصة إصبع ليستثير هذه الجماهير العريضة، والتى يستخدم زئيرها فى التلويح دولياً بأنه يتحصل على الدعم الشعبى الكافى، ليس فى تركيا وفقط، ولكن فى الإقليم كله. وهو ما يساهم فى بناء هالة من القوة حول شخصيته، والتى من شأنها ان تدعمه فى مساعية السياسية داخلياً وخارجياً.

كما أن علاقات تركيا الإقتصادية مع مصر ليست محفزاً كافياً لهذه المجازفة، وفى ظل حالة الضعف السياسي الذى تمر به مصر حالياً، فإنها ليست مغرية لتقوم تركيا بتجسير الهوة معها. وذلك على عكس الحالتين الروسية والإيرانية، حيث تجنى تركيا من وراء استعادة العلاقات معهما الكثير ، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادى.

 وبناءً على هذا العرض، فإن أردوغان وبخصوص الحالة المصرية قد بات رهناً لما قد يترتب على وضع الداخل المصرى عموماً، وشكل العلاقة المستقبلية بين السلطة المصرية والإخوان المسلمون خصوصاً، فإن قررت الدولة المصرية البدء فى ما أتفق علي توصيفه بعملية (المصالحة) فإنه سيدير وجهه الى القاهرة على استحياء عبر تصدير رئيس وزراءه ، ويكون بذلك قد تخلص من حرج إستعادة العلاقات مع مصر وفى نفس الوقت حافظ على قاعدة الدعم الشعبى. وفى حالة عدم حدوث ذلك وبقاء الوضع كما هو عليه فإنه لن يغامر بخسارة قاعدة الدعم الشعبى التى يتغذى عليها فى الإقليم لصالح استعادة العلاقات مع مصر التى لا تحمل جدوى سياسية واقتصادية على المستوى المطلوب حالياً، اللهم إذا تعمدت تركيا الاستمرار فى مغازلة مصر بتصريحات تلوح بإستعادة العلاقات، والتى ربما لا يكون الهدف منها استعادة العلاقات بقدر ما يكون الهدف منها تقليل حدة التصعيد، لدفع القاهرة نحو إغلاق الباب أما إحتضان عبدالله غولن، أو السماح لجماعته بالتوسع فى مصر، خصوصاً وأن مصادر قد أكدت أن صحيفة “زمان” التركية المعارضة لأردوغان لها مكتب بالقاهرة. ولأعضاء جماعة “الخدمة”  علاقات جيدة مع مؤسسة الازهر وبعض المؤسسات المصرية السيادية، وينتشر طلابها فى بعض جامعات مصر.

 فى منطق الإخوان المسلمون.. إنتهاك سيادة سوريا، حلال لتركيا، حرام على روسيا

على الرغم من صدور بيانات من جماعة الإخوان المسلمون للتنديد بالتدخل الروسى فى سوريا، فقد باركت بيانات الجماعة وتصريحات قادتها إنتهاك تركيا للسيادة السورية، مبررة التدخل التركى أنه جاء إما للحفاظ على وحدة الأراضى التركية، أو لتفويت الفرصة على الولايات المتحدة التى تحيك مؤامرة بليل للرئيس أردوغان.

حيث كتب عمرو دراج رئيس المكتب السياسى للإخوان المسلمون فى الخارج تغريدة جاء فيها “التدخل التركى فى سوريا هدفه الحفاظ على وحدة سوريا، ومهاجمة الوحدات الكردية “.

فيما قال سمير العركى، القيادى بتحالف دعم الإخوان، إنه فى العلاقات الدولية معروف أن الدول تتحرك وفق مصالحها، وهذا ما يمكن تفسير التدخل التركى فى سوريا”

بينما أصدرت جماعة الإخوان المسلمون فى سوريا بياناً رحبت فيه بالتدخل التركى، وكان مما جاء فيه ( في خطوة مهمة وتاريخية بادر الثوار اليوم وبدعم تركي إلى تحرير مدينة جرابلس شمال سوريا من براثن تنظيم الدولة داعش، ولقطع الطريق على المليشيات والأذرع الخبيثة الأخرى من أن تمتد بيد التخريب لتقطع أوصال سورية وتفصل شمالها عن جنوبها كما فصلت أو كادت شمالها الشرقي عن سائر جسدها الطاهر)

كما أكد فاروق طيفور نائب المراقب العام للإخوان المسلمين والناطق باسمهم في المجلس الوطني السوري في تصريحات لصحيفة “الشرق الأوسط”  على أن القبول بتدخل تركي أتى في سياق الكلام عن التدخل الدولي لحل الأزمة السورية، ولفت خلالها إلى أننا نسعى إلى أن يكون الحل عربيا، لكن إذا لم يتوقف النظام السوري عن القتل فلن يكون عندها لدينا مانع من تدخل وحظر جوي تركي من دون أن يعني ذلك تدخلا عسكريا.

بخلاف هذا الإزدواج فى الأراء لدى جماعة الإخوان المسلمون بشأن التدخل الدولى فى سوريا، فإنه يمكن القول بأنها  قد دعمت التدخل التركى فى سوريا حتى تستطيع التلويح بأن الصراع ليس سياسياً بقدر ما هو مذهبياً، بين السنة والشيعة، حيث تدافع تركيا عن مصالح السنة، بينما تدافع روسيا عن مصالح الشيعة. وهنا نجحت جماعة الإخوان المسلمون فى تعميق تطييف الازمة السورية لتحقيق مأرب خاصة. 

 

موقف الإخوان المسلمون من محاولة الإنقلاب فى تركيا … المصلحة تحكم.

أصدرت جماعة الإخوان المسلمون بياناً ليلة محاولة الإنقلاب فى تركيا، جاء فيه ( كل الدعم للشعب والحكومة التركية المنتخبة.. سينتصر الشعب لا محالة بإذن اللع وستبدأ موجه حقيقية من مقاومة الانقلابات) 

سعى الإخوان المسلمون فى تركيا لاستغلال حالة الانقلاب لإثبات حسن النوايا، وتحميل النظام التركى ما يمكن أن نسميه “جَميلاً” تضمن من خلاله الجماعة استمرار دعم أردوغان للجماعة إذا ما قامت بدورها المنشود فى حشد الجموع لرفض الانقلاب، سواء كان ذلك الحشد على الأرض أو فى الواقع الافتراضى لما لشباب الإخوان المسلمون من خبرة فى ذلك الأمر منذ بداية إنخراطهم فى الحياة السياسية بعد ثورة يناير، حيث انتشرت منذ ذلك الوقت ما بات يُعرف باللجان الإلكترونية التى يستخدمونها كثيراً فى مصر.

وربما يمكن القول أن إشارة ” رابعة ” التى رفعها أردوغان أثناء كلمته المبثوثه عبر الهاتف ليلة الإنقلاب كانت عبارة عن طلباً صامتاً موجهاً للإخوان المسلمون، ولسان حاله يقول ( لقد جاء دوركم فى دعمى، ليستمر دورى فى دعمكم).

وكان الأمر فى غاية السهولة لمن تابع ساعات الإنقلاب عبر مواقع التواصل الإجتماعى لكى يلاحظ كيف احتشد شباب الإخوان فى الواقع الافتراضى للدفاع عن تركيا الإسلامية أردوغان من براثن العلمانيين والمؤامرة الأمريكية. خصوصاً وأن الحراك فى الشارع فى أيامنا هذه بات مرهوناً بشكل كبير بكبسة زر.

 يخشى الإخوان المسلمون من تقلب السياسة، فلا ضمانة لإستمرار إحتوائهم فى تركيا بهذا الشكل القائم حالياً على طول المدى، ولذا فإنهم لن يتوقفوا عن إمضاء شيكات على بياض لأردوغان. حتى وإن خالف هذا الامر الأيديولوجيا الإسلامية التى من المفترض أن الجماعة تعتنقها. فعلى الرغم من كون الجماعات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان المسلمون ترى أن كمال أتاتورك قد أطاح بخليفة المسلمين، فإنها لا تتلفظ بلفظ ينال من تاريخ الرجل منذ أن قامت تركيا بفتح أبوابها للإخوان، على الرغم من أن الرجل كان محل ذم وقدح وسباب واتهام بالشذوذ فى كل عام أثناء ذكرى سقوط الخلافة، ولكن ذلك كان قبل تواجدهم فى تركيا، وهو الامر الذى يكشف أيضاَ تجذر المصالح الضيقة والإزدواجية فى فلسفة جماعة الإخوان المسلمون، حيث امتنعوا عن التنديد بأتاتورك وخالفوا معتقدهم الدينى والسياسي للحفاظ على متانة علاقة المصلحة بأردوغان الذى يحتفظ بصورة أتاتورك فى مكتبه.

هذه المصالح الضيقة تجعلنا نتصور واقع الأحوال فى مصر لو أن الجيش المصرى كان قد أخذ جانب الجماعة ضد باقى القوى الوطنية، وثبت مقعد الإخوان فى سلطة مصر، فحتماً كانت ستتلقى القوى المدنية وبعض القيادات فى الجيش نفس الضربات التى طالت القوى المدنية والعسكرية فى تركيا بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة، وهى الضربات التى باركتها الجماعة منذ أن بدأتن حتى فى ظل عدم ثبوت أدلة على إشتراك ألاف ممن تمت الإطاحة بهم فى محاولة الإنقلاب.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!