تحدي الإرهاب على رأس أولويات الحكومة الإسبانية


زمة سياسية تعصف بإسبانيا منذ ثمانية أشهر هي عمر إجراء الانتخابات التشريعية هناك وسط تقديرات تستبعد آفاقا لخروجها من عنق الزجاجة، إذ تعجز الأحزاب القديمة والجديدة عن التوافق على تشكيل حكومة، رغم أنه من المقرر التصويت على الثقة بها يوم الثلاثاء في حين يتولى رئيس الوزراء الإسباني المنتهية ولايته ” ماريانو راخوي ” هذا المنصب بالوكالة منذ 2011.
ولا يبدو “راخوي” متفائلا بتشكيل حكومة جديدة، حيث اعتبر مؤخرا أن موافقة البرلمان على تكليفه تشكيل حكومة جديدة تبقى أمنية أكثر منها حقيقة، معلنا وهو زعيم ” الحزب الشعبي المحافظ” محاولته الحصول على ثقة النواب لتكليفه مجددا تشكيل الحكومة على وقع معارضة النواب الاشتراكيين وفي أفضل الأحوال، يأمل راخوي بالحصول على 170 صوتا هي أصوات المحافظين والليبراليين في حزب “كيودادانوس” إضافة إلى أصوات الحزب المحلي في جزر الكناري، وبذلك يبقى محتاجا إلى ستة أصوات لتأمين الغالبية المطلقة، وفي ظل هذا الوضع، لن يبقى في السلطة إلا إذا امتنع النواب الاشتراكيون عن التصويت في الدورة الثانية حيث يحتاج فقط إلى الغالبية البسيطة.
ورغم أن زعيم الحزب الاشتراكي “بيدرو سانشيز” يرفض استمرار راخوي رئيسا للوزراء، أشارت مصادر في هذا الحزب في الأشهر الأخيرة إلى إمكان حصول “امتناع في اللحظة الأخيرة”.
وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في إسبانيا مؤخرا، تصدر الحزب الشعبي المحافظ بزعامة “راخوي” أكثرية المقاعد النيابية لكنه لم يتمكن من تحقيق أغلبية، في حين حل حزب العمال الاشتراكي الإسباني في المركز الثاني، أما المركز الثالث، فجاء فيه تحالف “اونيدوس بوديموس” اليساري، وفي المركز الرابع تحالف “المواطنين” اليميني الوسطي.
ولم يفلح التصويت في حسم حالة الجمود السياسي التي استمرت على مدار ستة أشهر منذ الانتخابات التي أُجريت في ديسمبر الماضي، في حين كسرت إسبانيا تلك الحالة بإجراء الانتخابات الأخيرة التي يعقبها الذهاب إلى ضرورة التصويت على نيل الثقة على الحكومة المقبلة والمقرر غدا.
وتذهب التحليلات إلى أن نتائج الانتخابات الأخيرة قلبت الصورة بشكل شبه جذري، وأعادت الثنائية الحزبية في البلاد إلى ما كانت عليه منذ العام 1982، بعدما نجح حزب “بوديموس” في الانتخابات السابقة في إرباك ذلك المشهد السياسي.
وبات الحزب الشعبي، بزعامة “ماريانو راخوي” يتطلع إلى قيادة الحكومة المقبلة، سواء بوضع يده في يد الحزب الاشتراكي أو بالتحالف مع حزب “مواطنون”، من أجل استكمال النصاب المتمثل في 176 مقعدا من أصل 350 هي عدد مقاعد البرلمان الإسباني، لكن كيفما كان الحال فإن الحكومة القادمة ستكون أمامها ورش كبيرة تتمثل في تدبير مرحلة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقضايا الهجرة والتحديات الإرهابية والأزمة الاقتصادية والتشغيل واستقلال إقليم كاتالونيا.
ويبقى تحدي الإرهاب على رأس الملفات المطروحة على الحكومة المقبلة، فمؤخرا أعلنت مصادر أمنية إسبانية أن إسبانيا لا تزال في حالة تأهب قصوى، نتيجة التهديدات الإرهابية لأمن البلاد، وهو استنفار تمليه التطورات الأمنية الدولية والإقليمية في ضوء ما يجري في العراق وسوريا، والتهديدات الموجهة إلى إسبانيا من تنظيم”:داعش”، كان آخرها الشريط الذي بثه التنظيم باللغة الإسبانية في مايو الماضي، هذا الانشغال بالوضع الأمني والتهديد الإرهابي عكسته البرامج الانتخابية للأحزاب التسعة المتنافسة في هذه الانتخابات، وعلى الخصوص برامج الأحزاب الثلاثة الرئيسية.
إذ تعهد الحزب الشعبي بمحاربة “الإرهاب وداعميه”، ومساندة ضحاياه، واقترح وضع برنامج خاص لدعم الأجهزة الأمنية وتحديثها وتطوير الوسائل التقنية ذات الصلة بجهاز المخابرات والمعلومات. كما تعهد بوضع مخطط لمكافحة التطرف الديني وتجفيف منابعه، والانخراط في شراكات وطنية ودولية لمحاربة الإرهاب، وأشار في برنامجه إلى تعزيز الحضور الأمني في الشارع الإسباني، من أجل التصدي للتهديدات الإرهابية ومكافحة الجريمة المنظمة.
أما الحزب الاشتراكي فقد تعهد بإعادة هيكلة المخطط الأمني في البلاد بهدف مواجهة التهديدات الإرهابية الأكثر عنفا، وإنشاء “المركز الوطني للتنسيق في مواجهة الإرهاب”، وتعزيز وسائل مكافحة التيارات الجهادية، ووضع إجراءات عملية لحماية المواطنين والوقاية من الإرهاب، ووضع أجهزة مراقبة داخل السجون لتأمين حياة المعتقلين والعاملين، وتعديل قانون العقوبات المتعلق بالإرهاب، والقوانين المنظمة للأجهزة الأمنية والحرس المدني، وتأهيل الأطر الأمنية من خلال تحديث أساليب التدريب.
في المقابل، سار حزب “مواطنون” في اتجاه الدعوة إلى تنزيل “ميثاق مكافحة التيارات الجهادية”، الذي صاغته حكومة الحزب الشعبي في يناير 2015، عقب تفجيرات باريس، حيث يتضمن الميثاق ثماني نقاط رئيسية، تشمل تعديل قانون العقوبات، وإصدار أحكام بالإعدام في جميع القضايا المرتبطة بالإرهاب، وإدخال تعديلات على القوانين المنظمة للقضاء والأمن والمالية، وضمان دعم ضحايا الإرهاب، وتوفير الوسائل البشرية والمادية الضرورية لأجهزة الأمن والعدالة من أجل محاربة الإرهاب، ووضع إجراءات عملية لتجفيف منابع التطرف، وتنسيق الجهود على الصعيد الدولي مع الدول والمنظمات.
يشار إلى أن إسبانيا هي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة بطبيعة الحال بالإضافة إلى عضويتها في حلف شمال الأطلسي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ومنظمة التجارة العالمية، وتقع إسبانيا في جنوب غرب أوروبا في شبه الجزيرة الأيبيرية، وكانت مصدرا للنفوذ المؤثر في العديد من المناطق في العالم خلال العصور الحديثة.
وعندما أصبحت إمبراطورية عالمية خلفت إرثاً يضم أكثر من 500 مليون ناطق بالإسبانية، مما يجعلها ثاني اللغات الأم استخداماً بعد الانجليزية، وتعتبر دولة ديمقراطية ذات حكومة برلمانية في ظل نظام ملكي دستوري، وتعد من البلدان المتقدمة حيث إن اقتصادها تاسع أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، كما أن مستويات المعيشة بها مرتفعة جداً وتقع في المرتبة العشرين على مؤشر التنمية البشرية، وأيضاً في المرتبة العاشرة من حيث مؤشر جودة الحياة في العالم في عام 2005.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!