اليمين واليسار بفرنسا.. “أجنحة منفصلة” تحلق على أبواب الرئاسيات


تواتر سريع لإعلانات الترشّح للانتخابات التمهيدية استعداداً للاقتراع الرئاسي الفرنسي في 2017، سواء من اليمين أو من اليسار، في وقت لا يزال فيه الغموض يلفّ المرشّحين المحتملين لأبرز أحزاب البلاد، “الاشتراكي” (يسار) و”الجمهوريون” (يمين).

عتمة يبدو أنها لن تنقشع في خضم سياق مشحون بالهجمات الإرهابية التي تستهدف فرنسا منذ مطلع 2015، وتزيد من ضبابية المشهد السياسي والانتخابي على وجه الخصوص، قبل 8 أشهر من الاقتراع، وفي إطار تكاثف الانتقادات حيال المنهج الاقتصادي للرئيس فرانسوا أولاند، ما أفسح المجال للكثير من السياسيين المؤيدين لهذا النقد، لإعلان ترشحهم للانتخابات التمهيدية.

صراع تقليدي بين نخب اليمين واليسار، يكسره هذه المرة سياق بمذاق مختلف نوعا ما، ومزدحم بارتدادات هجمات إرهابية دامية، كان لابد وأن يدفع، إضافة إلى ضعف الأطر الحزبية، إلى ملل الفرنسيين من هذا النزاع القديم المتجدّد، ويغذّي لدى عدد هام من السياسيين الرغبة في تجسيد القطيعة والترشّح بشكل منفصل.

تسارع في نسق الإعلان عن ترشحات معسكري اليمين واليسار الفرنسيين يتغذّى، وفق مراقبين، من ضعف الهياكل “التقليدية” للاشتراكيين وللجمهوريين، ضعفٌ يعدّ نتاجاً للأزمة الخانقة التي عصفت بالحزب الاشتراكي الحاكم في 2014، عقب استقالة الحكومة الأولى لمانويل فالس، وهذا ربما أيضا ما خلق شقّا “مناهضا” بشكل خاص للمنهج الاقتصادي لأولاند.

وقدم فالس في أغسطس/ آب 2014 استقالة حكومته إلى أولاند الذي كلفه بتشكيل حكومة جديدة تكون “منسجمة ومتفقة مع التوجهات الاقتصادية” للرئيس، غير أن هذه الاستقالة جاءت عقب التصريحات التي أدلى بها وزير الاقتصاد الفرنسي السابق أرنو مونتبور انتقد فيها بشدة الخيارات الاقتصادية التي قامت بها الحكومة ووضع حد لسياسة لتقشف.

وفي معسكر الجمهوريين لا يبدو الحال أفضل مما هو عليه لدى الاشتراكيين، فالعديد من القيادات اليمينية البارزة انتقدت رئاسة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للحزب والتغييرات التي أدخلها على أبرز أحزاب اليمين الفرنسي “الجمهوريون” حاليا (الاتحاد من أجل حركة شعبية” (سابقا).

فعلى غرار الحزب الاشتراكي، شهد “الجمهوريون” حملة “تطهير” مع استبعاد عدد من أعضائه أمثال ناتالي كوسيوسكو- موريزيه، النائبة السابقة لرئيس الحزب، على خلفية إبداء معارضتها للسياسة الانتخابية الجهوية لساركوزي في عام 2015.

وعلاوة على الضعف المسجّل على مستوى قيادة تلك الأحزاب، سرت حالة من الملل والضجر في نفوس السواد الأعظم من الفرنسيين ممن سئموا هذا الصراع التقليدي بين اليمين واليسار، دون أن ينجح حتى هذا الأمر في حسم أمرهم بالتصويت لـ “الجبهة الوطنية” (يمين متطرّف)، وهذا ما يعتقد المطّلعون على الشأن الفرنسي أنه دفع بالعديد من السياسيين إلى اختيار القطيعة.

وتبلور هذا التوجّه من خلال إعلان 3 وزراء سابقين في حكومة أولاند الأولى (حتى 2014)، الأسبوع الماضي، ترشحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة قبل ثمانية أشهر من موعدها، بينهم وزير الاقتصاد السابق أرنو مونتبور.

جاء ذلك في وقت لم يفصح فيه الرئيس الاشتراكي بعد عن نيته الترشح، غير أنّ الانتخابات التمهيدية للحزب حددت بين 22 و29 يناير/ كانون ثان 2017 لإفساح المجال له لتعويض تراجع شعبيته قبل الانتخابات في الربيع.

وخلال إعلان ترشحه أمام أنصاره في فرانجي-أون-بريس، وسط شرقي فرنسا، شدد مونتبور (53 عاما) على أنه “يستحيل” عليه تأييد أولاند الذي تراجعت شعبيته إلى حد كبير بعد أربعة أعوام في الرئاسة، منتقداً “حصيلة ولاية رئاسية لأولاند “لا يمكن الدفاع عنها” على حدّ قوله.

ودعا مونتبور الذي يدافع عن نهج اقتصادي حمائي يؤيد إصلاحاً عميقا للاتحاد الأوروبي، أولاند إلى “التفكير جيدا في قراره” الترشح أو لا، “عبر أخذ المصلحة العليا للبلاد في الاعتبار”.

وإضافة إلى مونتبور، أعربت وزيرة الإسكان السابقة في الحكومة الاشتراكية الأولى، سيسيل دوفلو (41 عاما)، السبت الماضي، نيّتها خوض الانتخابات التمهيدية لحزب الخضر.

وفي رسالة نشرت على موقع صحيفة “ليبراسيون” اليسارية، أقرت الوزيرة السابقة بأن “الهامش محدود” بالنسبة للمدافعين عن البيئة في معركة ستدور خصوصاً بين المرشح الاشتراكي ومرشح حزب “الجمهوريون” اليميني ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن، مؤكّدة –رغم ذلك- أنّ هذا الهامش “موجود”.

والثلاثاء الماضي، أعلن وزير التربية السابق بنوا هامون (49 عاما) الذي غادر ومونتبور الحكومة في الفترة نفسها، أنه سيخوض السباق الرئاسي.

ويمثل الرجلان الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي، غير أنه في حال ترشح هامون للانتخابات الاشتراكية التمهيدية، لم يستبعد مونتبور الترشح مستقلاً.

هامون الذي أجبر في حينه على الاستقالة بعد 4 أشهر فقط من تعيينه، قال في تصريح له، الأسبوع الماضي، لقناة “فرانس 2”: “أعتقد أن رئيس الجمهورية، وعلى ضوء الخيبة التي خلقها في معسكره، لم يعد من هذا المنطلق، بل فات أوان، خلق علاقة ثقة مع الفرنسيين”.

من معسكر اليمين أيضاً، برزت العديد من “الأجنحة المنفصلة” التي أعربت عن رغبتها في الترشّح لمنافسة ساركوزي على وجه الخصوص، وحتى الآن، أعلن 13 سياسياً من المنتسبين إلى “الجمهوريين”، بشكل رسمي أو غير رسمي، ترشحهم للانتخابات التمهيدية لليمين، بينهم رئيس بلدية بوردو، آلان جوبيه، في حين أضفى ساركوزي للتوّ، الطابع الرسمي على ترشّحه في كتاب بعنوان “كلّ شيء من أجل فرنسا” يصدر اليوم الأربعاء، بحسب وسائل إعلام فرنسية.

أما أولاند، فلم يحسم على ما يبدو أمر ترشّحه لولاية ثانية حتى الآن.

“لن أتخذ خيار الترشح في حال لم يتبلور بإمكانية الفوز”، يقول أولاند في كتاب “حوارات خاصة مع الرئيس”، والذي وثّق فيه تفاصيل ولايته الأولى واعترافاته حول حياته الخاصة وخياراته السياسية.

وهو تحفّظ يفتح المشهد السياسي الفرنسي عموما، وجبهة الاشتراكيين بشكل خاص، على أكثر من احتمال، غير أن المؤكّد، بحسب مراقبين، هو أن الأيام القليلة القادمة قد تحمل في جرابها الكثيرة من المفاجآت.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!