ميدل إيست بريفنغ | ما هو مستقبل العلاقات الأمريكية السعودية


كانت السنوات القليلة الماضية نقطة فاصلة في العلاقات بين الحليفين المقربين: السعودية والولايات المتحدة. السؤال الآن هو: هل توجد أسباب هيكلية في المسار المستقبلي للبلدين, والذي تحدده مصالحهما وتطلعاتهما, والتي قد تُنهي التوترات بينهما؟ هل هو مجرد خلل تسببت به الآراء والسياسات الذاتية في البلدين؟

من أجل تحديد الإجابة, يجدر بنا إستعراض ثلاثة لحظات محددة في الشرق الأوسط خلال الأعوام القليلة الماضية: الربيع العربي, وصعود الإسلام السياسي والإرهاب, وإتفاقية إيران النووية.

في جميع اللحظات الثلاث, سلكت السعودية والولايات المتحدة مسارات متباعدة. حتى في حربهما المشتركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية, اختلفت الرياض, المُهددة من الجماعة الإرهابية, عن واشنطن في الطريقة التي ترى بها هذه الحرب وكيف تربطها بالوضع الداخلي في كلا من سوريا والعراق. وحتى في حالة الإتفاق النووي الإيراني, الذي وافقت عليه السعودية على مضض, يبدو أن البلدين اختلفا على السياق الكلي الذي ينبغي أن يوضع فيه الإتفاق.

في هذه الحالات, حيث قد تبدو الإختلافات “جزئية” أو أشبه بتفاصيل فنية, تعكس آراء السعودية والولايات المتحدة حقيقة أن البلدين يرون الأمور من منظورات مختلفة تماماً.

إن سلسلة الأحداث في المنطقة حفزت وقوع خلافات بين الحكومتين. كانت حدة هذه الخلافات قد ضعفت في نهاية عصر الحرب الباردة وغزو العراق في 2003. إن حقيقة أن تلك الإختلافات إندلعت في المسرح العام كانت مقدرة للحدوث على أية حال. مع هذا, الطريقة الدراماتيكية التي تجلت بها تلك الخلافات تفاقمت بسبب نقص الحساسية لدى الجانبين وبسبب خطأ غزو العراق. 

في حالة التطرف, كانت الأولوية بالنسبة للرياض هي مواجهة التمدد الإيراني من خلال أي قوة تستطيع محاربته. لكن أصبح من الواضح لاحقاً إنه بدون العثور على حل سياسي في كلا من العراق وسوريا, لن تختفي مشكلات التطرف العنيف. في الواقع, إن وضع قضية صعود الجهادية في سياق سياسي في كلتا الحالتين أثبت إنه وجهة نظر معقولة. لقد دعمت تجربة العراق هذا الرأي, حيث حل تنظيم داعش محل تنظيم القاعدة نتيجة لغياب الحل السياسي في بغداد. على الرغم من هذا, كان من الممكن تلطيف النهج السعودي عن طريق لعب دوراً فاعلاً وواقعياً أكثر في جهود التوصل إلى حل سياسي في البلدين.

إن مساحة الحل الوسط بين الولايات المتحدة والسعودية كان يمكن أن تكون الإتفاق على العمل سوياً على إيجاد حل سياسي. مع هذا, رأت الرياض الموقف على إنه حالة متعادلة, بينما انتهت واشنطن بنهجها التكتيكي المعروف بـ”داعش أولاً.”

بالنسبة لمن ينتقدون السعودية على إنها دولة “وهابية,” ينبغي أن نفهم إنها هكذا. نحن لا يمكننا أن نعيد تشكيل دولة حسب ذوقنا وتفضيلاتنا الخاصة. القضية الأساسية هي كيفية دمج ثقافة في الفسيفساء العالمية المتنوعة وكيفية مقاومة أي فرض خارجي من طرف هذه الثقافة على العالم الخارجي أو العكس. لقد نقل الإصلاح الإجتماعي الإقتصادي التدريجي أوروبا من العصور المظلمة عندما أسيئ إستعمال الدين إلى الحداثة.

لقد حدث نفس “الإنفصال” بين واشنطن وحلفاءها في الشرق الأوسط, من ضمنهم السعودية, في حالة المحادثات النووية مع إيران. لم تتشاور إدارة أوباما مع القوى الإقليمية بشفافية كافية وقت إنخراطها في المحادثات السرية مع إيران. إنها لم تهتم بمخاوف السعودية المتعلقة بالثورة الشعبية في مصر عام 2011. قبل ذلك, لم تهتم إدارة بوش بنصيحة السعودية بعدم غزو العراق.

بإختصار, ما رأيناه كان تدهوراً للعلاقات بين حليفين حفزتهما التغيرات الواقعية على الأرض, المتعلقة بمحتوى علاقاتهما, والقرارات الذاتية المتخذة والتي عبرّت عنها السياسات.هذا التدهور كان حتمياً. كان من الممكن تخفيفه من خلال بذل جهود متأنية من الجانبين.

القضية الآن هي إلى أين يتجه هذا التحالف القديم؟ وهنا مجدداً, نرى بوضوح أن هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه في مختبرات “الفكر النقي.” بدلاً من هذا, سوف تتشكل الإجابة بواسطة مطارق الأحداث الواقعة على الأرض حيث تُشيد العلاقات بين الحليفين, وبواسطة التاريخ الحديث لتحركاتهما الإقليمية وإختلاف وجهات النظر وبحثهما للعثور على أسباب للتوصل إلى حل وسط.

على الصعيد الأول, وهو كيف ستتطور الأمور في السعودية وفي الشرق الأوسط, نرى بوضوح أن المملكة تتجه ناحية منطقة مختلفة تماماً من ناحية عائداتها وإقتصادها. إن تكنولوجيا النفط والغاز الصخري تخلق في الحقيقة نقلة هيكلية في سوق الطاقة العالمية. إنها تضع قيوداً على أسعار الطاقة من خلال مشاركتها المتزايدة في الإمدادات.

في حين أن سعر الخام الآن نصف ما كان عليه تقريباً في ربيع 1974 ، تضاعفت إحتياجات الحكومة السعودية ثلاث مرات. في منتصف عام 1974, حلقت أسعار النفط إلى مستوى 11 دولار تقريباً. يباع الخام الآن عند 7,5 دولار (بسعر الدولار عام 1974).

كان ينبغي أن تبدأ عملية الإصلاح في المملكة في أوائل الثمانينيات, تحديداً عندما بدت الثورة الإيرانية وإنها تمثل تغييراً عميقاً في الخريطة الإستراتيجية للمنطقة. لكن هذا لم يحدث. لم يكن من الضروري إنتظار أمير شاب صاحب رؤية لفعل ما كان ينبغي فعله منذ عقود.

لكن هذا الإصلاح سيكون له تأثير إجتماعي بعيد المدى, والذي ربما يؤدي إلى حوادث قد تفرض نفسها على صورة التحالف الأمريكي-السعودي. إن العادات مُسببة للإدمان. إن تفكيك عقد إجتماعي قديم أصعب بكثير من إقامة واحد جديد.

علاوة على ذلك, بينما عرّضت الأحداث الإقليمية العلاقات الأمريكية-السعودية لأصعب إختباراتها على الإطلاق, إلا أن المفاجآت في الشرق الأوسط لم تنتهي بعد. إن البُعد الأكثر وضوحاً لعملية التحول الإقليمي التي نراها حالياً هو مسألة الحوكمة. أينما تكون هناك مشكلات, لا يكون هناك هيكل حوكمة أو تكون هناك حكومة مركزية ضعيفة ذات إمتداد محدود. لكن مسألة الحوكمة هي مجرد جانب واحد من وعكة أكثر تعمقاً وإمتداداً في الحياة الثقافية والإقتصادية والإجتماعية لمعظم الدول الإقليمية.

ترى كلتا الدولتان عملية التحول الكاملة بطريقة مختلفة. أعدت الولايات المتحدة نفسها لخيبة أمل تلو الأخرى, حيث رأت العملية الكاملة للتحول الإقليمي من منظور طريقة التفكير والقيم الخاصة بها. أعد السعوديون أنفسهم أيضاً لخيبات الأمل, حيث إنهم رأوا العملية من منظور هوسهم الإستراتيجي بالتهديد الإيراني.

من جانب الولايات المتحدة, يبدو أن غياب التوافق يقدم إختبار كبير آخر للعلاقات بين الرياض وواشنطن. من غزو العراق عام 2003, الذي أعقبه تدخل إيران هناك لقتل الأمريكيين ثم للسيطرة الفعلية على الدولة, حتى توقيع الإتفاق النووي مع إيران, التي تعتبر الولايات المتحدة قوة غير مرغوب بها في الشرق الأوسط, قد يضل الشخص المسار بين التعرجات الكثيرة في السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.

فيما بين ذلك, اعتبرت الولايات المتحدة مبارك حليفاً مقرباً ثم طلبت منه التنحي؛ واعتبرت الأسد مُصلحاً, ثم طلبت منه التنحي, قبل تغيير رأيها والعمل مع الروس لإبقائه على قمة الحكم في سوريا؛ وطوت الصفحة مع القذافي, واعدةً ببداية جديدة عقب تسوية قضية لوكيربي, ثم قصفته حتى الموت؛ واعتبرت رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي “أفضل خيار متاح,” مثلما قال نائب الرئيس بايدن, ثم عملت على إرغامه على التنحي؛ وفرضت عقوبات مشددة على إيران بسبب برنامجها النووي, قبل توقيع إتفاقية تسمح لطهران بمواصلة نفس البرنامج النووي على شرط العدول عن إتخاذ الخطوة النهائية لإنتاج القنبلة. 

بصورة طبيعية, الولايات المتحدة لديها حساباتها الخاصة لخدمة مصالحها المشروعة. لكنه سيبقى لغزاً للكثيرين أن واشنطن تستطيع تغيير الإتجاهات بهذه السرعة, مع الحفاظ طوال الوقت على مجموعة محددة من نفس المصالح, أو إنها تستطيع التضحية بشبكة حلفاءها بهذه السهولة.

سواء للأفضل أو للأسوأ, يجب على الولايات المتحدة تحديد موقفها بوضوح, وعدم محاولة الحصول على الكعكة بمفردها. إن القدرة على التنبؤ في العلاقات الدولية لها نفس أهمية الثقة. إذا كانت دولة ما غير قابلة للتنبؤ, كيف يمكن الوثوق بها؟ إضافة لهذا, تحدث التغييرات في أي دولة وفقاً للإجراءات التي تتخذها القوات الوطنية وليس وفقاً لأي تفكير قائم على التمني في واشنطن أو غيرها.

ما نحتاجه الآن, في الواقع, هو أن تحدد الولايات المتحدة حلفاءها في الشرق الأوسط, بأوضحعبارات ممكنة, وموقفها من القضايا الإقليمية المُلحة العديدة. في حالة السعودية تحديداً, كان للرياض نصيب من الخطوات التفاعلية وربما الأخطاء في بعض الأوقات. ينبغي أن يبدأ الحوار الصادق بين الجانبين بمجرد أن تتولى الإدارة الجديدة السلطة في واشنطن.

هذا الحوار يجب أن يوضح الموقف الدقيق للإدارة الجديدة من القضايا الإقليمية المُلحة كما تتواجد حالياً وكما يمكن أن تتطور. لا يوجد مكان للخداع أو الحديث المزدوج بين الحلفاء. يجب أن تُرسم حدود التباعد والتقارب بين البلدين مقدماً, ويجب على كل منهما أن تتصرف وفقاً لهذا. إن التحالف لا يعني إمتلاك وجهات نظر متطابقة دائماً؛ إنها أيضاً آلية لإدارة الإختلافات بطريقة لا تسبب الضرر للمصالح الرئيسية لأي من الأطراف.

إن العلاقات الأمريكية-السعودية سوف تتحسن أو تتدهور أكثر. إن الإضطراب في المنطقة وأهمية الدولتين لا يدعم أية فرضية بأن هذه العلاقات ستبقى ساكنة أثناء الوقوف على رمال متحركة. حان الوقت الآن لوضع أساس لمستقبل العلاقات بين البلدين بطريقة مرنة لكي تتكيف مع الإختلافات وأيضاً مع الإتفاقات.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!