«كولن» .. حجر عثرة في العلاقات الأمريكية التركية


قبل يومين، أعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أن جو بايدن سيقوم بزيارة أنقرة خلال الأسبوعين القادمين مشيرا إلى أن بلاده لا ترى مجالا لحل وسط مع الولايات المتحدة بشأن طلب تسليم فتح الله كولن المتهم بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل.

 وأدلى يلدريم بهذه التصريحات لمجموعة من الصحفيين الذين نقلوا عنه قوله إن جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي سيزور تركيا في 24 أغسطس.

 وأضاف أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري سيزور تركيا في شهر أكتوبر تشرين الأول.

ونقل المدير العام لقناة «سي.إن.إن ترك» وهو أحد الصحفيين الذين حضروا المؤتمر الصحفي الذي عقده يلدريم قوله “العامل الأساسي لتحسين علاقاتنا مع الولايات المتحدة هو تسليم كولن حيث لا مجال للتفاوض.”

 وأضاف رئيس الوزراء قائلا “هذا الأمر تتوقف عليه أيضا مسألة استمرار المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في تركيا من عدمه.”

 وتشعر تركيا بالغضب مما تعتبره إدانة فاترة من حلفائها الغربيين لمحاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت يومي 15 و16 يوليو تموز على الرئيس رجب طيب إردوغان والحكومة التركية. وتركيا غاضبة أيضا من الانتقادات الغربية لحملة التطهير التي استهدفت جنودا بالجيش وقضاة وموظفين عموميين عقب محاولة الانقلاب.

 ومنذ ذلك الحين أيضا كثفت تركيا ضغوطها لتسلم كولن من الولايات المتحدة. ويدير رجل الدين الذي كان في السابق حليفا لإردوغان شبكة واسعة من المدارس الدولية خارج تركيا.

 وقال يلدريم يوم السبت إن هناك تطورا في موقف الولايات المتحدة من تسليم كولن لكنه لم يخض في التفاصيل.

 وأضاف يلدريم أن كولن كان يدير قناة اتصال خاصة يستخدمها 50 ألف شخص وكرر انتقادات بلاده لرجل الدين الذي ينفي أي صلة بمحاولة الانقلاب.

 وفي وقت سابق يوم السبت احتجت تركيا على تصريحات لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين والتي قال فيها إنه يجب على أنقرة كبح “التعطش للانتقام” من منتقديها في الداخل بعد محاولة الانقلاب.

 وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية تانجو بلجيج في بيان إن تصريحات الأمير زيد غير مقبولة.

تحت أضواء الصحافة الأمريكية

 وقد اهتمت الصحافة الغربية لا سيما الأمريكية بالتعرف على شخصية فتح الله كولن، الرجل الذي يهدد بنسف العلاقات بين واشنطن وأنقرة. وقد تكون مسألة هيمنة جماعة كولن على المدارس في الولايات المتحدة الأمريكية مفتاحًا لإتخاذ موقف قانوني ضد كولن في الولايات المتحدة، بما يرضي الحكومة التركية وبعض المطالب الأمريكية في الداخل.

 فكما هو الحال في تركيا كذلك في الولايات المتحدة، عملت مدارس «كولن» على السيطرة على العملية التعليمية في تركيا وتحويل الأطراف عن المثل العليا لتركيا الحديثة نحو أفكار أكثر تشددا، مثلما فعلت في أطفال البلاد الأخرى.

 ملف المدارس

 فقد سلط موقع مجلة فوربس الأمريكية الضوء على زعيم جماعة الخدمة التركية المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، ووصفته المجلة بالرجل الغامض، فكتبت: تم تجديد التركيز في أعقاب محاولة الانقلاب على العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، وشخصية الداعية الإسلامي الغامض «فتح الله كولن»، الذي يشرف على تنظيم ينتشر في جميع أنحاء العالم، من قصر في ولاية بنسلفانيا. حيث أصدرت تركيا مذكرة توقيف وطلبت تسليمه من الولايات المتحدة.

 يني «كولن» تورطه في الانقلاب الشنيع. ويتكهن محاموه أيضا أنه لا يمكن أن يكون تآمر لتنفيذ الانقلاب لأنه من المرجح أنه، تحت المراقبة الشديدة من قبل وكالات الاستخبارات، فمن المؤكد أنها كانت لتعرف.

 ومع ذلك، إذا ما ألقينا نظرة فاحصة على الكيفية التي يدير بها كولن 150 مدرسة مستأجرة من خلال العشرات من الجبهات السرية، فمن الواضح أن هناك قدرة تنظيمية عالية متطورة تحت السطح.

 قبل سبعة أشهر، تم تعيين شركتي القانونية من تركيا للتحقيق في أنشطة غير قانونية مشتبه بتعلقها بالشركات المرتبطة بمدارس «كولن». ما وجدناه كان صادما.

 

عمليات «كولن»

 توصلنا إلى أن منظمة «كولن» تحافظ على تسلسل هرمي جامد يتم من خلاله تسليم التعليمات للأسفل، وعادة يتم ذلك في الاجتماعات وجها لوجه مع «كولن» نفسه.

 في الجزء العلوي، هناك مجموعة حاكمة من سبعة أعضاء (المجموعة الاستشارية)، تمر تعليماتها على لجنة استشارية، والتي ترسل الأوامر إلى سلسلة من الأئمة الإقليميين، وصولا إلى أئمة البلاد وأئمة المحافظات وأئمة المدينة، أئمة المنطقة، أئمة الحي، وطلاب (دار النور).

 قابل الأكاديمي «جوشوا هندريك» أحد أعضاء جماعة «كولن» أثناء الإعداد لكتابه: «سياسة غامضة للسوق.. الإسلام في تركيا والعالم»، حيث أكد أن «كولن» كان يصدر أوامره إلى الأسفل عبر طرف مبهمة يتم تفسيرها من قبل الأعضاء. «كولن» دوما يقول سيكون من الجيد إذا فعلت ذلك، ولم يسبق له أن قال يجب أن يتم ذلك.

 على سبيل المثال يوجه «كولن»: لماذا لا نقوم بفتح أحد البنوك؟ لكنه لا يطلب ذلك من أحد ما بعينه. إذا قال «كولن» شيئا فإن أتباعه يعتقدون أنه يجب فعل ذلك.

 يتم إدارة الأمر من خلال طبقات، لا يمكن اختراقها على ما يبدو. أنشأ أتباع «كولن» 55 ألف شركة في جميع أنحاء العالم، وجعلوا من أنفسهم أكبر مشغلي المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، ويتلقون عشرات الملايين من الدولارات من أموال دافعي الضرائب في كل عام.

 مدارس غير مشروعة

 أحد الأمثلة يمكن العثور عليها في مدارس «ماغنوليا» العامة في ولاية كاليفورنيا، والتي ألقي القبض على مسؤوليها وهم يتسلمون مبلغ عقد سنوي بقيمة 700 ألف دولار سنويا من مقاول تابع لـ«كولن» من أجل تقاسم مساحة مكاتبهم الخاصة.

 وفي أوكلاهوما، صدمت مراجعة الدولة عندما وجدت أن أتباع »كولن» قد دفعوا لمالك أكاديمية دوف للعلوم الأكاديمية أكثر من 3.1 مليون دولار. شملت أحد المعاملات دفع مبلغ 175 ألف دولار من أجل مدارس هارموني العامة في ولاية تكساس. هذه المعاملات غير القانونية شائعة من قبل شبكات التنظيم الذي يهدف إلى تشغيل 46 مدرسة مفتوحة وخمسة عشر أخرى على مدى العامين المقبلين.

 دخلت مدارس هارموني مؤخرا في ترتيبات محيرة بعد أن خصص «كولن» 18 مليون دولار لبناء المدارس الجديدة. وبالطبع، يتم تشغيل الكيان المالك للعلامة التجارية جديدة من قبل مدير الميزانية السابق في مدارس هارموني.

 هذه الشبكات تنفي رسميا العلاقة مع «كولن» على الرغم من أنه يتم تشغيلها حصريا من قبل أتباعه المعروفين على وجه الحصر تقريبا في الأعمال والعقود. ويسهل معرفة العلاقات والعثور عليها من نماذج الضرائب والوثائق المؤسسة، وبيانات السندات وغيرها من الوثائق. يقوم أنصار «كولن» أيضا بسحب الأموال من التعليم العام واستخدامها لإثراء بعضهم البعض وأجندتهم العامة. ويزعم أن رقما فوق 28 مليون دولار تقريبا تم اختلاسه من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة. وعند هذا فإننا بالكاد قد خدشنا سطح ما وجدناه بالفعل حتى الآن.

 ووفقا لتقرير صحيفة «تايمز»، فإن هذا السلوك «يثير تساؤلات في نهاية المطاف حول هذه الأموال أو المدارس التي تستخدم أموال دافعي الضرائب لصالح الحركة من خلال الترتيبات المالية مع المؤسسات المحلية التي تعزز تعاليم الحركة».

 وهنا هو المكان الذي يمكن أن نجمع فيه فكرة عن الكيفية التي يعمل بها الهيكل الموازي للتنظيم. العديد من المدارس التي تعمل على السطح مع العديد من الموظفين ليس لديهم فكرة عن عمليات الاحتيال المزعومة التي تجري مع المقاولين، والعديد من أعضاء الحركة ذوي النوايا الجيدة حقا. ولكن تحت الطاولة هذه المدارس هي آلات ربح لـ«كولن»، الذي يدخل مبالغ هائلة من المال عبر التبرعات السياسية و الأنشطة غير المشروعة.

 ووفقا لشهادة مدرس سابق في مدرسة لـ«كولن»، «ماري أددي»، فإن تشغيل المدارس يتم عبر بنية تشبه الخلايا. حيث يعقد فريق العمل التركي، لقاءات سرية منفصلة، ويتم إجبارهم على إعطاء أجزاء كبيرة من الدخل للجمعيات الخيرية والحملات السياسية على المستويات المحلية والولائية والاتحادية.

الاعتدال الزائف

 وقد وصفته واشنطن تايمز الأمريكية، بالمعتدل الزائف، فكتبت: إن السيد «كولن» هو شيخ مسلم من تركيا، ولم يأخذ قسطًا من التعليم سوى التعليم الابتدائي فقط، وهو شخصية غامضة. ويكشف موقع ويكيليكس أن وزارة الخارجية الأمريكية قد وصفت «كولن» بالإسلامي المتشدد الذي يلبس قناعًا معتدلًا يخفي من خلاله برنامجه المتشدد. وقد أشيع عنه أنه يملك ثروة تقدر بـ 25 مليار دولار، ولا أحد يعلم من أين اكتسب كل هذا المال.

 ويعيش السيد «كولن» في الولايات المتحدة كمنفى اختياري حيث يدير شبكة واسعة من المدارس الأهلية والمؤسسات الخيرية والأعمال، ويلاقي اتهامات في محاكم أمريكية وتركية بالتخطيط لمؤامرة للإطاحة بالحكم في تركيا.

 وكمالك لأكبر شبكة من المدارس الأهلية في الولايات المتحدة، يحصل السيد «كولن» مئات الملايين من الدولارات من أموال دافعي الضرائب. وتجري الآن تحقيقات حول مخالفات مالية للمدارس التي يديرها في تكساس ولويزيانا وإليونز وأوهايو وولايات أخرى، بالإضافة إلى تحقيق تديره الإف بي آي. ووفقًا للقوانين المحلية فإن العديد من المؤسسات الخيرية والشركات تتبع حركة «كولن» وتلعب دورًا من إعادة تدوير أموال دافعي الضرائب. فمدارس «كولن» تدفع إيجارات عالية في عقارات هي ملك للسيد «كولن».

 وبالعودة إلى النشاط الغامض، فإنه قد قام بإحلال تلاميذه بدلًا من المعلمين الأمريكيين المعتمدين والمؤهلين، فيما سماه البعض تبشيرًا تركيًا يحدث للأطفال داخل مدارسه لتحويلهم لفكر جماعته الإسلامية التي تتمحور حول تركيا. ويرى البعض ذلك محاولةً من «كولن» لتحويل أمريكا كما الحال بالنسبة لتركيا، لتصل إلى حكم الشريعة. ويشكل رجاله داخل أمريكا أكثر من 5 آلاف بتأشيرات مريبة عالية المستوى من النوع «إتش-1بي»، وهو عدد أكبر من موظفي جوجل الذين يحملون هذه التأشيرات.

 ويواجه السيد «كولن» دعوى قضائية في محكمة الولاية بمقاطعة بنسلفانيا تتهم السيد «كولن» وحركته بارتكاب انتهاكات ضد حقوق الإنسان ضد أعضاء حزب سياسي منافس في تركيا، وتسعى الدعوة للحكم بتسليم السيد «كولن» للمثول أمام المحاكم التركية في هذه التهمة وغيرها من التهم.

ورغم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي والشرطة المحلية يحققون في أنشطة شبكة مدارس «كولن» التي تتهم بالفساد وغش دافعي الضرائب، يتعين على الـ«إف بي آي» التحرك لتوسيع وتعميق التحقيقات لتشمل معرفة دوافع رجال «كولن» الأتراك من المعلمين الذين يعلمون الأطفال الأمريكيين.

 ومن وجهة نظر جيوسياسية، فإنّ تحقيقًا موسعًا سيكشف ما عنته وزارة الخارجية الأمريكية بتصريحها عن «كولن» أنه متشد إسلامي يرتدي قناعًا معتدلًا يخفي وراءه برنامجًا متشدًا. وربما يصل التحقيق لأبعد من ذلك إذا كشف عن وقوفه خلف محاولة الإطاحة بالنظام التركي والتي كان يعني نجاحها ضربة لمصالح الولايات المتحدة في تركيا، فأمريكا لا تحب بالطبع أن يتولى «نظام كولن» المتشدد سدة الحكم في حليف وعضو رئيسي بحلف الناتو في بقعة هامة من العالم.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!