تركيا بعد الإنقلاب الفاشل: هل ينتقل أردوغان إلى الحضن الروسي؟


موسكو – فهيم الصوراني

هي رزمة تحولات ومعطيات جديدة متعددة الأبعاد، أنضجت اللقاء المرتقب في التاسع من آب/ أغسطس الحالي في  مدينة سانت بطرسبورغ  بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره والتركي رجب طيب أردوغان، بعد خلافات حادة بين البلدين بسبب المواقف المتباينة  بين انقرة وموسكو حيال الأزمة السورية، تطورت فيما بعد إلى  ما يشبه الصدام المباشر وحالة عداء على الأرضية نفسها.

ما يميز حالة التقارب التي تمر بها العلاقات الروسية-  التركية حالياً، وأخذت وتيرة متسارعة في الأونة الأخيرة، أنها تجازوت مجرد خطوات التطبيع في العلاقات الثنائية ، لتعكس تحولاً دراماتيكياً في علاقات أنقرة مع الحلفاء الغربيين، والتي تكشفت بشكل أوضح بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة، بحيث يبدو أنه أصبح ملحاً اكثر من أي وقت مضى قيام الأخيرة بإعادة النظر بمواقفها في عدد من الملفات المتشابكة والتي قد تلامس مع مرور الزمن مستقبل وموقع تركيا في خارطة التحالفات الدولية، ومن ضمن ذلك التقارب مع موسكو الذي يمكن أن يعيد التوازن الذي أهنز في تركيا بفعل الأحداث الداخلية والتطورات وفي المنطقة.

ليس بالإعتذار وحده…

هذا التقارب أصبح أكثر إلحاحاً وضرورة بعد محاولة التمرد العسكري  وتلميحات وصلت إلى حد الإتهام المباشر لواشنطن بالوقوف ورائه، والإستياء من أيواء الأخيرة للداعية فتح الله غولن  المتهم أردوغانياً بالمسؤولية المباشرة عن محاولة الإنقلاب ورفض طلب أنقرة بتسليمه.

كما أن التردد الأوروبي في أدانة الإنقلاب شكل صدمة لحكومة أردوغان التي رأت في  المواقف الغربية، المنتقدة للإجراءات التركية البوليسية، قبل  الإنقلاب وبعده، مؤشراً خطيراً على التخلي تدريجياً عن أردوغان  و “خدماته”، وإرتفاع حاد في منسوب الإنتقادات الغربية لحملات التطهير والإعتقالات التي طالت عشرات الألاف من العسكريين فضلاً عن قطاع واسع من العاملين في سلك القضاء والتعليم ووسائل الأعلام.

الحقيقة المرة

شكلت تركياً أحد ادوات الإدارة الأميركية في إشاعة الفوضى في الشرق الأوسط، ونفذ أردوغان بدقة وحماس واضحين متطلبات الرؤية الأميركية في قلب الأوضاع وإشاعة الفوضى في المنطقة وعلى رأسها سوريا. بيد أن التطورات الأخيرة كشفت الحقيقة التي تكررت مراراً في التاريخ المعاصر، ولا سيما لأولئك الذين بعتقدون بأن التفاهم مع الأميركان  وتنفيذ كل ما يطلبونة  يمكن أن يفيدهم ويحمي حصونهم.

لقد دعم أردوغان الجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا، وحول تركيا إلى أهم وأكبر ممر للممقاتلين والإسلحة إلى هناك، وتولى بنفسه حملة الهجوم على شخص الرئيس السوري بشار الأسد، فضلاً عن إفتعاله الأزمة مع روسيا بإيعاز أمريكي. ولكن ما الذي حصل عليه في المقابل؟

لم ينفذ الإتحاد الأوروبي وعودة بألغاء نظام التأشيرات مع تركيا. كما أنها  لم تحصل عملياً على الأموال التي وعدت مقابل إيواء المهاجرين السوريين. بعد ذلك، وبشكل لا يبدو منطقياً في السياق، بدأت العمليات الإرهابية تدك تركيا نفسها، وإنضم السياح الأوروبيين إلى السياح الروس في عدم التوجه إلى تركيا للسياحة بسبب الأوضاع الأمنية الخطيرة ما رفع حجم خسار القطاع السياحي إلى أرقام غير مسبوقة. وفوق كل ذلك تجاوزت الولايات المتحدة أحد أخطر الخطوط الحمر وبدأت بتقديم دعم قوي للأكراد  الذين تعتبرهم تركيا ألد أعداءها.

إذاَ،  تركيا  لم تربح اي شيء. ووجد نظام أردوغان نفسه وسط وضع جيوسياسي معقد،وعلاوة على ذلك تتحدث حكومة أردوغان عن حيازتها لأدلة تثبت تورط الولايات المتحدة في محاولة الإطاحة به.

هنا تتضح خلفيات التحذير الروسي لأردوغان من محاولة الإنقلاب، ولماذا كان الكرملين أول من أعلن إدانته للإنقلاب. وفي هذا السياق لم يعد سراً ما كشفته مصادر دبلوماسية في أنقره عن دور إستخباراتي روسي من خلال نقل معلومات حساسة للرئيس التركي تضمنت تسجيلات للمتورطين ورصد لخططهم، ما مكن الأخير في مغادرة الفندق الذي كان يقيم فيه في مرمرة قبل دقائق من وصول المتمردين إلى هناك.

وفي السياق نفسه كان الموقف العاجل لإيران في دعم “الرئيس المنتخب ديموقراطيا”، والموقف السوري كذلك في إعتبار ما حصل شأناً داخلياً، دون أية إشارة توحي بدعم الإنقلابيين أو بالتعاطف معهم.  إذ لا شك أنه من الحماقة بمكان دعم إنقلاب ضد “الوكيل” يقف وراءه “الأصيل”، الساعي إلى بعثرة الأوراق، وإحباط بوادر التغير في الموقف التركي من الأزمة في سوريا، إثر النجاحات الميدانية للجيش السوري وما أصبح شبه مؤكد من إقترابه من حسم المعركة في حلب.

هذه المعطيات أعطت دفعة قوية لتسريع وتعميق التقارب التركي مع روسيا الذي بدأ في أعتذار أنقرة عن عملية إسقاط مقااتلة  سو -24 الروسية والإعلان عن ألقاء القبض على الطيارين المسؤولين عن الحادث والإستعداد لدفع تعويضات لأهالي الطيارين الروس.

بيد أن إلقاء القبض على إثنين من العسكريين ضمن حملة أعتقالات طالت عشرات الآلاف منهم أصلاً إثر محاولة الإنقلاب، يبدو أنها لم تجد الصدى المراد لدى الروس، ما دفع أنقرة المتعطشة إلى التصالح مع موسكو إلى إتباع تكتيتك جديد عبر زيادة “جرعة” التودد، وذلك بإعلان رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو- الذي لا يملك حالياً أية صفة رسمية- بأنه يتحمل المسؤولية عن إسقاط المقاتلة الروسية، ما فهم بأنه لرفع المسؤولية عن أردوغان.

بالنسبة لبوتين فالفرصة ذهبية الآن لتحقيق نقاط سياسية إضافية من خلال التقارب مع أنقرة، التي تعيش أشد مراحل التوتر في علاقاتها مع الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وإتهامها لبروكسل بالتدخل في شؤونها الداخلية، وإنتقادها التلكؤ الأوروبي في الإلتزام بتنفيذ إتفاقية اللاجئين.

سوريا… أولاً!

بعد فشل المحاولة الإنقلابية قامت أنقرة بإغلاق معبر باب الهوى – الممر الأساسي لعبور المقاتلين إلى سوريا. قرار جاء في سياق خطوات التراجع التركي المتدرج حيال الأزمة في سوريا، لا يستبعد أن  ينقل تركيا- تدريجياً أيضاً- إلى حضن الرؤية الروسية لحل الأزمة السورية، بدءاً في التراجع عن دعم الجماعات المسلحة في سوريا عموماً، ومن ثم تركها وحيدة تحت رحمة الضربات السورية والروسية.

تصريح رئيس الوزراء التركي بن على يلدرم قبيل الإنقلاب بأيام بأن هدف بلاده الرئيسي الآن هو أقامة علاقات جيدة مع دول المنطقة، كان المقصود منه قبل كل شيء توجيه رسالة إلى دمشق. وقد يكون ذلك أول قطرة في غيث المراجعة التركية لتورطها في المستنقع السوري. مراجعة أفضت حسب مصادر سياسية وإعلامية تركية إلى حصول لقاءات بين مسؤولين سوريين وأتراك بعد طلب أنقرة من طهران وموسكو بلعب دور الوساطة.

أما روسيا فتنتظر من زيارة أردوغان مواقف على الأرض. لقد مدت له يد العون في الوقت الذي خذل فيه من قبل  حلفاؤه وكانوا على إستعداد للتضحية به. ورغم أن موسكو لا تحمل أوهام تجاهه وتعتبره سياسياً خبيثاً وحاول أن يؤلمها، إلا أنها تدرك أن أردوغان ما بعد محاولة الإنقلاب عليه لا يمكن أن يتجاهل الحقائق الجديدة، وقد أصبح قاب قوسين أو أدني من التسليم بأن  الأسد باق، وأن مغامراته في سوريا ورهانه على تغير التظام فيها قد فشلا،  وأن الخنجر في الظهر كان تحديداً ممن خدمهم وكان حليفاً لهم.

الأيام القادمة ستكون كفيلة في الأجابة على السؤال، فيما إذا كانت إشارات التحول في السياسة الخارجية لنظام أردوغان هي فعلاً السبب الحقيقي وراء محاولة الإنقلاب عليه.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!