ساطع الحصري فيلسوف القومية العربية


ساطع الحُصْري (أبو خلدون) مفكر سوري/عراقي وأحد مؤسسي الفكر القومي العربي، وهو أحد الدعاة والمصلحين القوميين الذين زخر بهم المشرق العربي ممن تبنوا الدعوة إلى القومية العربية أمثال عبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان في أواخر القرن التاسع عشر، وزكي الأرسوزي ومحمد عزة دروزة في أوائل القرن العشرين.

اسمه ساطع بن محمد هلال الحصري، ولد في صنعاء باليمن في 17 شعبان 1296 هـ/ 5 آب 1879م، وكان أبوه موظفا فيها، ثم درس في المدارس التركية وتخرج فيها ونال عدة وظائف تعليمية وإدارية، وكان مديراً لدار المعلمين في إستانبول، ثم عين محافظاً لبعض الولايات في البلقان، وكانت نزعته طورانية تركية بحتة، وعمل مع جمعية الإتحاد والترقي، وقد نشر عدة مقالات في الدعوة إلى الطورانية والتتريك في مجلة (تورك أوجاني) بتوقيع: م ساطع، أي مصطفى ساطع، ثم انقلب بين عشية وضحاها ليصبح رائداً من رواد القومية العربية وكانت في لغته رطانة. وشغل عدة مناصب في بلاط السلطان عبد الحميد الثاني حتى سقوط دولة الخلافة العثمانية ثم رحل إلى دمشق عام 1919.

تولى في دمشق منصب وزير التعليم وعمل على وضع مناهج التعليم العربية وكانت له علاقات مع كبار المفكرين والعلماء في سوريا إلى أن خلع الملك فيصل الأولعام 1920.

في هذه الفترة أبعد ساطع الحصري بعض علماء الدين عن التدريس فكان منهم الشيخ أبو السعود بن ضيف الله مراد فغضب الشيخ أبو السعود غضباً شديداً وهجاهُ ببيتين من الشعر قائلا:

وعندما وقع البيتان بيد الحصري أغرق بالضحك وأحتفظ بالبيتين وجعل يرددهما على مسامع رواده وأصدقاءه. ثم ولي الملك فيصل الأول على عرش العراق وجاء معه ساطع الحصري، وعينه معاوناً لوزير المعارف ثم مديراً للآثار وتولى إدارة دار المعلمين العالية في بغداد، وكان الحصري علمانياً فلم يبد اهتماما بدروس الدينفي المناهج المدرسية، بل جعل درس الدين لا قيمة له، وكتابه (القراءة الخلدونية) للصف الأول الابتدائي لا تجد فيه كلمات عن (الله، الرسول، كعبة، قرآن، قبلة، صلاة) وغير ذلك من الألفاظ الإسلامية، وفي سنة 1923م أحتج المعلمون في بغداد على سلوك الحصري وقدموا مذكرة للملك فيصل الأول، ثم نشروا كراساً بعنوان “سر تأخر المعارف”، ولكن الملك كان يلزم وزارة المعارف بأوامر ساطع الحصري ولم يهتم بآرائهم.

ثم اشتدت الخصومة بين الحصري وفهمي المدرس وقد وقف الحصري ضد جامعة آل البيت وكتب المدرس عدة مقالات حول مسألة الجامعة،ولكن بقي الحصري مسؤولاً عن التعليم في العراق وعلى تطوير مناهجالتعليم فيها، وظل يدعو إلى فكرة القومية العربية إلى أن قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م.

وإثر قيام ثورة رشيد عالي الكيلاني قام الإنجليز بنفي ساطع الحصري إلى حلب فتسلل منها إلى بيروت حتى عاد مرة أخرى إلى دمشق عام 1944 حيث قامت الحكومة السورية المستقلة بتكليفه للعمل كمستشار لصياغة النظام التربوي والتعليمي في البلاد واهتم بالفكر القومي وبتطوير مناهج التعليم. عين مديراً لمعهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة عام 1953م

 

ساطع الحصري ونظريته في القومية العربية

ركزت معظم كتابات ساطع الحصري على موضوع القومية العربية فكراً وممارسة، إذ قلما نجد كتاباً من كتبه لم يتناول هذا الموضوع إن لم يكن موضوعه الأساسي، وهكذا دارت جل كتابات ساطع الحصري حول شرح نظريته في «القومية العربية» و«الأمة العربية» والتصدي لمعارضيها من العرب وغيرهم. وقد قام الحصري بدراسات وافية حول الفكر القومي عند مختلف الشعوب، ودرس النظريات القومية لديها، كما درس النظريات المعادية للفكر القومي بغية تفكيكها وهزيمتها نظرياً تمهيداً لإقرار نظريته في الأمة العربية. وكان الحصري من المؤمنين إيماناً قطعياً بوحدة الأمة العربية وإشراق شمسها، وكان يقول عن ذلك: «أنا أعتقد أن وحدة التاريخ واللغة ستعمل عملها في العالم العربي حتماً، وستتطور الأمور من جراء ذلك تطوراً ينتهي إلى اتحاد الأقطار العربية عاجلاً أو آجلاً».

أعجب الحصري بالمفكر الألماني فيخته القائل بأن اللغة هي أساس القومية، مستمداً الدليل على نظريته من أمثلة تعود لقيام الوحدة الألمانية بعد التجزئة، وقيام الوحدة الإيطالية، والبولونية وغيرها الكثير. كما علل انحلال الإمبراطوريتين العثمانية والنمساوية باختلاف لغات الشعوب التي كانت تابعة لكل منهما. يؤكد الحصري أن العامل الثاني للقومية يكمن «في وحدة التاريخ لا في وحدة الأصل». وأكد الحصري في مؤلفاته العديدة أن هذين العاملين (اللغة والتاريخ) هما المرتكز الرئيسي للقومية العربية ووحدة الأمة العربية. انطلق الحصري في نظريته من مجموعة من التعريفات، استعملها لمناقشة العوامل المباشرة وغير المباشرة لتكون قومية ما، وتتضمن نظريته تعريفات لمفاهيم مثل الوطن، الوطنية، الأمة، القومية.
فالوطن – حسب الحصري – هو قطعة من الأرض، أما الوطنية فهي ارتباط الفرد بقطعة من الأرض تعرف باسم الوطن. والأمة هي جماعة من البشر، أما القومية فهي ارتباط الفرد بجماعة من البشر تعرف باسم الأمة.
فالقومية كما يراها الحصري هي السمة الطبيعية العريقة للإنسان والمجتمعات الإنسانية، والتطور الكامل للقومية يحول الشعب بالضرورة إلى أمة، والأمة إلى دولة واحدة. والهدف الأخير للقومية يتلخص في تحقيق الوحدة القومية واكتمال الشخصية السياسية بحيث تتطابق الحدود والدولة مع الحدود القومية، وفي هذه الحالة لا تتناقض الوطنية (الولاء للوطن) مع القومية (الولاء للأمة)، أما إذا كانت الأمة مجزأة إلى أكثر من دولة، فتصبح الوطنية موضوع خلاف بين القوميين (الذين يريدون وحدة الأمة)، والوطنيين (الذين يريدون بقاءها مجزأة)، ما يتسبب بانقسام الأمة وهو ما يتناقض مع الشخصية السياسية الكاملة: أمة واحدة في دولة واحدة.
العوامل المباشرة التي تتكون منها القومية:
بحث الحصري في العوامل المباشرة التي تتكون منها القومية، وقد اختار عاملين عدهما أساسيين هما:
1- اللغة المشتركة:
اللغة روح الأمة وحياتها، فالأمة تقوم على أساس موضوعي هو اللغة، ولما كانت الأمة تحدد بلغتها، فهي تشمل جميع الناطقين بهذه اللغة.
وينبع اهتمام الحصري باللغة من اهتمامه بالعوامل الناشئة عن الاجتماع البشري، فيعد اللغة محور العوامل النفسية والاجتماعية والمعبر عنها، فالإنسان يمتاز عن الحيوان بالنطق، ويتميز الإنسان من الإنسان باللغة التي هي وليدة الاجتماع البشري، وعامل من عوامله أيضاً، أي أن هناك علاقة جدلية بين اللغة والمجتمع، تؤثر في فكر الفرد وعواطفه معاً وتخلق نوعاً من التوحيد بينه وبين المجتمع.
وربما جاءت هذه الفكرة لدى الحصري من تجربته في البلقان، حيث أدرك أن ما يفصل العرب والأتراك واليونان والبلغار عن بعضهم ليس الدين – فمعظمهم كانوا مسلمين – بل أصولهم اللغوية والثقافية المختلفة، واستخلص من قتال شعوب البلقان بين بعضها أن فوارق اللغة والثقافة أعمق بين الأمم من فوارق الدين.
2- التاريخ:
يعرف الحصري التاريخ بأنه شعور الأمة وذاكرتها، وإذا ما نسيت أمة تاريخها، فإنها تخسر شعورها ووعيها لذاتها، وهي لن تستعيد وعيها القومي إلا بالعودة إلى تاريخها.

ويميز الحصري بين التاريخ بوصفه وقائع وأحداثاً وبين التاريخ الحي في النفوس والعقول، والنوع الثاني هو الذي تتذكره الأمة وهو الذي يمثل أمجاد الماضي ويخلق الأمل للمستقبل. والتاريخ المشترك أمر مهم، ولكن ليس المقصود بالوحدة التاريخية لمجموع الأمة هو الوحدة التامة في جميع أدوار التاريخ، وإنما الوحدة النسبية والغالبة التي تتجلى في أهم صفحات هذا التاريخ، ما يؤدي بالضرورة إلى نسيان قسم من وقائع التاريخ التي لا تشترك فيها الأمة جميعاً. يقول الحصري في هذا المجال: «فنحن لسنا سجناء ماضينا، إلا إذا أردنا ذلك، وعلى كل أمة أن تنسى جزءاً من تاريخها، ولا تتذكر فيه إلا ما تجد فيه نفعاً لها». هكذا وجد الحصري أن وحدة اللغة ووحدة التاريخ هما أس الأساس في تكوين أمة ما، ويقول في ذلك: «لأن الوحدة في هذين الميدانين هي التي تؤدي إلى وحدة المشاعر والمنازع ووحدة الآلام والآمال ووحدة الثقافة، وبذلك كله تجعل الناس يشعرون بأنهم أمة واحدة متميزة عن الأمم الأخرى»، ويستطرد قائلاً: «الأمة التي تنسى تاريخها، تكون قد فقدت شعورها، وأصبحت في حالة الثبات، وإن لم تفقد الحياة، وتستطيع هذه الأمة أن تستعيد وعيها وشعورها بالعودة إلى تاريخها القومي والاهتمام به اهتماماً فعلياً، ولكنها إذا ما فقدت لغتها، تكون عندئذ قد فقدت الحياة ودخلت في عداد الأموات فلا يبقى سبيل إلى عودتها إلى الحياة فضلاً عن استعادتها الوعي والشعور».

العوامل غير المباشرة في تكوين القومية:
اعتبر الحصري أن العوامل الأساسية التي تربط الأمة هي روابط روحية وفكرية لا مادية، فلم يعلق إلا أهمية ثانوية على العوامل المادية التي رأى أنها لا تؤثر في تشكل القومية بصورة مباشرة، وإنما تؤثر على العاملين الآخرين (أي اللغة والدين)، والعوامل التي تناولها الحصري بالنقد والتحليل ورأى أنها ثانوية هي:
1- المصالح الاقتصادية:
رغم إدراك الحصري لأهمية المصالح الاقتصادية في حياة الأفراد والجماعات، فهو يرى أنها ليست من العناصر المشكلة للقومية، بل إنها قد تسير في اتجاه معاكس للوحدة القومية، فالأحاسيس القومية هو نوع من العواطف يسمو فوق الحسابات النفعية، ويقول عن ذلك: «فلو عمل الناس بمسائل المنفعة دون أن يلتفتوا إلى الأمور العاطفية والمعنوية لتفككت جميع الروابط الاجتماعية من العائلية إلى القومية، ولانحطت البشرية إلى مرتبة دون مرتبة البهائم».
وهكذا يبدو رفض الحصري القاطع للاقتصاد كعامل مكون للقومية، وبرأيه أن الحياة الاقتصادية تتيسر عادة بعد تكوين الدولة القومية، لذا يجب أن تعد من نتائج تكون الأمة واستقلالها لا من عوامل تكوينها.
2- الأصل المشترك:
يرفض الحصري أيضاً نظرية الأصل المشترك (أي الوحدة العرقية للأمة)، لأنه يتناقض مع الحقيقة العلمية والتاريخية، فليس هناك من أمة تستطيع أن تدعي النقاء العرقي. بل كانت فكرة وحدة الأصل تثير القلق لدى الحصري لأنها الأساس الفكري الذي ساعد على قيام الأنظمة الفاشية في أوروبا في القرنين التاسع عشر والعشرين.
3- الإرادة المشتركة:
وهنا يخالف الحصري النظرية الفرنسية التي تقول أن الأمة هي جماعة تريد أن تكون أمة، فالإرادة ليست سبباً، بل هي – حسب الحصري – نتيجة تنبع من القومية.
4- الدين:
لا ينكر الحصري تأثير الدين في المشاعر الإنسانية، فالدين أصيل في طبيعة النفس البشرية، ويشغل الجانب الأكبر من حياة الإنسان الروحية، لكن الأديان الرئيسية (وخصوصاً منها السماوية)، هي في حقيقتها أديان عالمية، أي أنها لا تقتصر على شعب بذاته، وبذلك يرى الحصري أن الدين لا يمكن أن يشكل أساساً للقومية، وهذا بدوره ينزع من المستعمرين إمكانية اللعب بسلاح الطائفية.

ساطع الحصري والعلمانية

كرر ساطع الحصري النظريات الغربية عن القومية باعتبار اللغة والتاريخ المشترك المكونين الأساسيين لتكوين الأمم. وكان يعتبر الدين عنصراً ثانوياً مكملاً مفتتاً بذلك الرابطة الإسلامية التي كانت تقوم عليها الدولة العثمانية. ومع أن ساطع الحصري قد نادى في كل دراساته بدولة قومية علمانية إلا أنه كان يؤكد أن علمانيته لا تعني «اللادينية» كما كان يفهمها كثير من رفاقه، وإنما كان يؤكد على أن الدين بعد شخصي في حياة الفرد. نظر الحصري إلى الإسلام على أنه حركة تجديدية عربية كان لها دورها في صنع تاريخ الأمة العربية، ولكنه يرى أن قراءة التاريخ بأعين معاصرة تؤكد أن دور الدين في العصر الحديث قد غدا ثانوياً أو هامشياً، ومثله مثل الكثير من دعاة القومية حاول ساطع الحصري أن يعيد الاعتبار إلى المرحلة الجاهلية باعتبارها تمثل المهد الذي نشأت فيه الدعوة الإسلامية.
والحصري من الآباء الروحيين لكثير من الأحزاب القومية العربية ومن هنا نجد أن وزارات المعارف والمجامع العربية كانت تفتح له أبوابها من قطر إلى قطر (سورية، العراق، مصر، لبنان، الجامعة العربية) ولم تكن هذه التسهيلات ترتبط بمقدرة الرجل وحسب، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفه الأصلي من الدولة العثمانية.

ساطع الحصري ودوره التربوي

يعتقد الحصري أن الوحدة العربية وحدة طبيعية، أما ما ساد من تجزئة فهو زائف ومصطنع، وقد اتخذ من التربية سلاحاً استخدمه لنشر الإيمان القومي والوعي القومي والفكر القومي بين أبناء الأمة، في محاولة لإزالة الفوارق والاختلافات بين الأقطار العربية.

وتركز اهتمام الحصري على اللغة العربية، منطلقاً من كونها روح الأمة وحياتها، والتاريخ العربي لأنه ذاكرة الأمة وشعورها، ولم يغفله ذلك عن ضرورة الاهتمام بالعلوم الحديثة من رياضية وطبيعية لتنمية العقل، وإزالة ما علق في العقل العربي لقرون عدة من الإغراق في الكلاميات والخياليات، مشدداً على توسيع آفاق المعرفة والإدراك. وقد نظر الحصري إلى التراث على أنه منطلق للسير قدماً نحو المستقبل في سبيل تحقيق الأهداف القومية، وأنه يجب البناء على العناصر الإيجابية في الماضي للتخطيط نحو المستقبل والسير نحوه، ويرى أن الماضي لا يجوز أن يكون هدفاً يتم التوجه نحوه بغية العودة إليه، بل يجب جعله نقطة استناد في الاندفاع إلى المستقبل.
إصلاحاته التربوية:
في تاريخ الحصري العديد من الإصلاحات التربوية البارزة التي اضطلع بها دعوة وتخطيطاً وتنفيذاً وإشرافاً من أهمها:
في تركيا: تغيير مناهجها وخططها التعليمية، إيفاد بعثات طلابية عثمانية إلى معهد جان جاك روسو في جنيف لتعلم أحدث أساليب التربية والتعليم، إدخال علم النفس لأول مرة إلى دور المعلمين التركية بغية إعداد المعلمين للعملية التربوية، إصدار مجلة تربوية، تأسيس مدارس حديثة، وتأليف عدد من الكتب التعليمية باللغة التركية.
في سورية: اهتم بتعريب التعليم، تأسيس المجمع العلمي العربي، إعداد معجم عربي، وضع نظام للتعليم، وضع تصور لهيكلية وزارة المعارف، افتتاح المعهد الطبي العربي، افتتاح معهد الحقوق، توثيق الصلات الثقافية بين سورية والبلدان العربية، إحداث المعهد العالي للمعلمين، إصدار مجلة تربوية، وتأكيد طرائق التدريس العلمية من استنتاجية واستقرائية.
في العراق: تطهير مناهج التربية من رواسب الثقافة الإنكليزية، إحياء الروح العربية وبث الفكرة القومية في نفوس الناشئة، تشجيع البعثات الأثرية وإنشاء المتاحف ونشر الدراسات المتعلقة بالآثار العربية، إصلاح نظام التعليم الابتدائي، الاهتمام بمناهج الجغرافية والتاريخ، إنشاء مدرسة عربية إلى جانب كل مدرسة أجنبية وتيسير الدخول إليها، السعي لاستقدام الكفاءات من خارج العراق، وتدريس الأناشيد الوطنية والقومية.
في السعودية: دراسة أحوال المعارف ووضع تصور عن إصلاحها بناء على دعوة وجهتها إليه الحكومة السعودية والجامعة العربية عام 1954م.
في مصر: إصدار الحوليات الثقافية، إنشاء متحف الثقافة العربية، إنشاء معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة عام 1953، وقد تحول المعهد إلى عهدة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بعد أن استلمت الأنشطة الثقافية والتربوية التي كانت تقوم بها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية منذ عام 1970م.

مؤلفاته وآثاره المطبوعة

ترك ساطع الحصري الكثير من المؤلفات السياسية والتربوية والتاريخية والاجتماعية، تزيد على 30 كتاباً، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المقالات، إلا أن فكرة القومية العربية والدفاع عنها كانت الهاجس الرئيسي في كل ما كتب، ومن أهم مؤلفاته:
1- دراسات عن مقدمة ابن خلدون (جزءان).
2- تقرير لجنة مورنو عن معارف العراق.
3- الإحصاء: محاضرات عن علم الإحصاء.
4- تقارير عن إصلاح المعارف السورية.
5- تقارير عن أحوال المعارف في سورية.
6- يوم ميسلون صفحات من تاريخ العرب الحديث: يتحدث فيه عن معركة ميسلون بالتفصيل والأرقام.
7- أصول التدريس.
8- أصول التدريس، الأصول العامة.
9- هوية الثقافة العربية.
10- محاضرات في نشوء الفكرة القومية.
11- آراء وأحاديث في التربية والتعليم.
12- آراء وأحاديث في القومية والوطنية.
13- آراء وأحاديث في العلم والأخلاق والثقافة.
14- آراء في التاريخ والاجتماع.
15- آراء وأحاديث في القومية العربية.
16- حول الوحدة الثقافية العربية.
17- العروبة أولاً.
18- البلاد العربية والدولة العثمانية.
19- دفاع عن العروبة.
20- آراء وأحاديث في اللغة والأدب.
21- العروبة بين دعاتها ومعارضيها.
22- ما هي القومية؟
23- حول القومية العربية.
24- ثقافتنا في جامعة الدول العربية.
25- أبحاث مختارة في القومية العربية.
26- المذكرات. وهناك كتب أخرى، ربما كانت قيد الطبع، ومعظم كتب الحصري تدور حول التعليم القومية العربية.

ساطع الحصري ووصف موقعة ميسلون

«يوم ميسلون صفحة من تاريخ العرب الحديث» كتاب صادر عن وزارة الثقافة ويتضمن مذكرات كتبت في تلك الأيام للمؤلف ساطع الحصري عن ذاك اليوم الذي لا ينسى.

ومما جاء في مقدمة الكتاب للمؤلف: «إن يوم ميسلون من أخطر الأيام التي سجلها تاريخ الأمة العربية في العصور الحديثة، ففي ذاك اليوم تأسست في الشام أول دوله عربية بعد الحرب العالمية، وعلى الرغم من قصر عمر هذه الدولة فقد كانت عظيمة الدلالة وجليلة الشأن، لأنها كانت وليدة الثورة العربية وقبلة آمالها، ولعظمة ذاك اليوم فقد أسف الكاتب أشد الأسف لأن وقائع ذاك اليوم وتفاصيله لم تنشر على وجهها الصحيح الكامل، والكثير مما نشر عنه جاء مخالفاً للحقيقة مخالفة كبيرة، والسبب في ذلك هو طبيعة الظروف التي أحاطت باليوم المذكور،

فقد تسلسلت الوقائع – قبيل ميسلون- بسرعة كبيرة وتعقدت بمفاجآت كثيرة، تعذر منها على معظم شهودها الاطلاع على جميع تفاصيلها، ولكن وجود الكاتب في قلب المسرح حيث كان عضواً في مجلس المديرين (الوزراء) منذ تأليفه حتى الاستقلال، ووزيراً في الوزارتين اللتين تشكلتا بعد الاستقلال وحتى يوم ميسلون، وحيث عهد إليه في الوزارة الثانية مهمة التفاوض مع الجنرال غورو بعد تقدم جيوشه نحو سفوح ميسلون، ثم مرافقته للملك فيصل إلى أورو با بعد خروجه من سورية غداة يوم ميسلون، وتكليفه من قبل الملك بتقديم تقرير قانوني عن القضية السورية بوجه عام وعن يوم ميسلون بوجه خاص لأحد علماء الحقوق الدولية في روما، ولتسهيل أداء هذه المهمة فقد زوده الملك بالوثائق والأوراق الموجودة لديه. هذا ما جعل الكاتب على اطلاع ودراية بما حدث (قبل ويوم وبعد ميسلون) أكثر من أي شخص آخر ولأن حوادث ميسلون لم تكن بنت ساعتها بل كانت صفحة من صفحات القضية السورية والقضية السورية نفسها لم تكن قضية قائمة بذاتها بل جزءاً من القضية العربية ولمعرفة وظهور الحقائق فقد قسم الكاتب الكتاب الى ثلاثة أقسام. القسم الأول: عوامل ومقدمات، وهو عبارة عن تلخيص لما اطلع عليه الكاتب في الكتب والمجلات وفيه تحدث عن أطماع فرنسا في سورية وقد علمت فرنسا أنها ستحظى بسبب ذلك بعقبتين الأولى هي المنافسة الدولية والثانية المقاومة العربية، وقد عملت ما في وسعها لتذليل العقبة الأولى – عن طريق المساومة- أما العقبة الثانية فقد توهمت أن ضربة ميسلون ستكون القاضية عليها ولكنها كانت العكس كما تحدث هذا القسم عن التنازع الدولي حول البلاد العربية (قبل وخلال وبعد) الحرب العالمية الثانية لينتهي هذا القسم بالأحوال الداخلية للبلاد العربية.‏

أما القسم الثاني فكان وقائع ومذكرات يبين الكاتب فيها الحوادث التي شاهدها الكاتب وسجلها بنفسه وتتضمن أزمة الاستبدال وهي الاتفاق بين إنكلترا وفرنسا على استبدال لبعض الجيوش البريطانية بالجيوش الفرنسية من المنطقتين الغربية والشرقية، فالأمة الفرنسية كانت تعتبر عدم تمثيلها في سورية – بعلمها وجيشها – أمراً مخزياً وعاراً كفرار الجندي من ساحة القتال.‏ ثم لتليها أزمة الإنذار والتي كان من شروطها قبول الانتداب الفرنسي وتسريح الجيش، ثم يوم ميسلون والأسبوع الذي تلاه (بين دمشق والكسوة ودرعا).‏ لينتهي القسم بخروج الملك فيصل وحاشيته من سورية وأحداث ما بعد الخروج لينتهي مطاف الملك في العراق.

جداله مع النظريات السائدة في عصره
دفاعه عن عروبة مصر

خاض ساطع الحصري صراعاً فكرياً كبيراً مع أنصار صياغة هوية خاصة لمصر، حيث تعددت مناظراته الفكرية ومجادلاته للدفاع عن القومية العربية، ففي مواجهة دعاة فكرة الإقليمية في مصر، أرجع الحصري تجاهل مصر الاستجابة لقضية القومية العربية قبل الثورة لعاملين:

الأول: هو حالة العزلة التي أحدثها الاحتلال البريطاني.
الثاني: ارتباط بعض النخب في مصر بروابط وولاءات تتنافى مع الروح القومية. وقد اهتم الحصري بالرد على محاولات بعض المفكرين المصريين صياغة هوية ثقافية مصرية خاصة تستند إلى التراث الفرعوني، حيث اعترض على حجج الدكتور طه حسين التي جاءت في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر طابعها وطباعها»، وأنها في نفس الوقت تحتفظ بهوية خاصة فرعونية الجوهر. واستنكر الحصري فكرة فرعونية مصر معللاً ذلك بأنه إذا كانت المشاعر الفرعونية تتأصل في وجدان المصريين فإنه يجب أن يستعيد المصريون لغة الفراعنة وحضارتهم، وأن مصر لايمكن أن تنبذ العروبة الحية تحت دعوى الانتماء إلى حضارة ميتة. أما فيما يتعلق بدعوى الانتماء لإنجلترا فقد دحض تلك الدعوى بتأكيده على أن ما يشد ويربط مصر بدول عربية أقوى مما يربطها بدول البحر الأبيض المتوسط.

مواجهاته مع دعاة الإقليمية المحلية

واجه الحصري دعاة الإقليمية ونظريتهم في «سورية الكبرى والمشرق العربي» وأبرزهم أنطون سعادة – مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي- الذي كان ينفي وجود رابط قومي بين سورية وغيرها من الأقطار العربية التي يصفها بالبداوة على عكس الأقطار السورية في الهلال الخصيب (سورية ولبنان وفلسطين والعراق والأردن) مركزاً على الرباط الجغرافي للهلال الخصيب لتمييزه عن الأقطار العربية الأخرى. فهكذا نجد الحصري يرفض الرباط الجغرافي فقط كأساس للقومية، ويرفض أيضاً التسليم بوجود سمات ومميزات للسوريين (سكان الهلال الخصيب) تختلف عن تلك التي تتسم بها الشعوب الأخرى الناطقة بالعربية، بل أن الحصري كان ينفي تماماً وجود ما يعرف بالإقليم السوري (سورية الكبرى) بمعناه الإداري الحديث حتى عام 1943.
الحصري بين الوحدة العربية والوحدة الإسلامية

على عكس عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا، نجد الحصري يتبنى دعوته من منطلق علماني استناداً إلى اللغة والتاريخ متجاهلاً الرابط الديني أو الإسلامي متبنياً أن فكرة القومية العربية نشأت عند المفكرين المسيحيين قبل المسلمين، وأن المسيحيين ساهموا في بناء الحضارة العربية قبل وبعد الإسلام. وفي مواجهة تصور البعض للقومية العربية على أنها تتنافى مع الإسلام أو الذين يرون في القومية نوعاً من عودة إلى عصبية قد نهى الإسلام عنها أو أولئك الذين ينادون بالوحدة الإسلامية بدلاً من الوحدة العربية نجد الحصري يرى أنه برغم أن فكرة الوحدة الإسلامية تعد أوسع وأشمل من مفهوم الوحدة العربية إلا أنه ليس بالإمكان المناداة بالوحدة الإسلامية قبل المناداة بالوحدة العربية، لذلك نجده يؤكد أن من يعارض الوحدة العربية هو في الحقيقة معارض للوحدة الإسلامية أيضاً.

وفاته

وفي سنة 1965م، عاد إلى العراق وتوفي في بغداد في 23 كانون الأول 1968م، وصلى على جنازته الحاج معتوق الأعظمي في جامع أبو حنيفة، ودفن في مقبرة الخيزران، في الأعظمية، قرب مرقد الشيخ رضا الواعظ.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!