في ذكرى تأميم القناة.. ليلة رحيل «الملك» درسٌ من «ناصر» للاستعمار


صوت جهوري يُطل من مذياع صغير يتجمع حوله الآلاف، أفواههم مغلقة وأذانهم صاغية، وعيونهم ممتلئة بالدمع، وقلوبهم تهتف «اللهم حرية»، ليلة أشبه بيوم القيامة، الجميع في خشوع منتظرين كلمة وصفها مذيع إذاعة صوت العرب بالهامة، بدت ملامح الليلة عادية إلا حين نطق زعيم المصريين حينها «جمال عبد الناصر» قائلًا: «قرار رئيس الجمهورية تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، شركة مساهمة مصرية».

انطلقت بعدها الحناجر هاتفة والقلوب تنتفض فرحًا وحبًا لناصر، لكن لا يدري أحد شيء عن الكواليس التي دارت خلف هذا القرار الذي أثار حفيظة الغرب حينها، مُهددين بفرض عقوبات على القاهرة، التي بدت متمسكة ومتماسكة.

كانت «قناة السويس» التي حُفرت عام 1869حلقة الوصل الأساسية بين الشرق والغرب، إضافة إلى أنها تربط بين دول جنوب شرق آسيا وأوروبا والأمريكتين، وكانت تتحكم في 40% من حركة السفن والحاويات، لتعتبر أهم مجري ملاحي في العالم الرئيسية بين بلدان العالم كله، واستمرت القناة قبل إعلان تأميمها تحت إدارة الشركة العالمية لقناة السويس البحرية.

لم يكن القرار الذي خرج في 26 يوليو عام 1956، سوى رد من النظام المصري على رفض البنك الدولي تمويل بناء السد العالي، وسحب الحكومة الأمريكية العرض الذي قدمته لدعم مشروع القناة والذي كان مقدرًا بـ70 مليون دولار، وكذلك الحكومة ليقرر «ناصر» سرًا، اتخاذ قرار تأميم القناة، ليكون ردًا على الاستعمار في الاحتفال بذكرى رحيل الملك فاروق عن مصر.

استمر الرئيس المصري حينها، في حيطته، ولم يعلن عن قرار التأميم إلا مع استدعائه رئيس الهامة للبترول المهندس محمود يونس، في 24 يوليو 1956، مكلفًا إياه بتنفيذ هذه المهمة، كما استدعى سكرتيرعام الهيئة العامة للبترول المهندس عبد الحميد أبو بكر، مخبرًا إياهم بأن كلمة السر هى (ديلسيبس) التي سيذكرها فى خطبته فى المنشية، وطلب «يونس» أن ينضم إليهما السكرتير المساعد للهيئة المصرية العامة للبترول المهندس محمد عزت عادل.

تم تجميع أعضاء مجموعة التأميم، تحت قيادة «يونس»، وهم ثمانية من القوات المسلحة، وأحد عشر من قطاع البترول، وواحد من الشرطة، واثنان من الفنيين، وأربعة من وزراء التجارة الذين كانوا ضباطاً جامعيين، في الثانية عشر ظهر يوم 26 يوليو 1956، في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة ، بكوبري القبة، ولم يفصح لهم عن المهمة الحقيقية المكلفين بها، وكانت التعليمات الأولية لهم أن المجموعة مكلفة بمأمورية سرية جداً في الصحراء الغربية.

 في خطاب الاحتفال بذكرى خروج الملك فاروق من مصر، بدت على ملامح «ناصر» كأنها تحوي سرًا، وبدأ مسترسلا في رده على قرار تراجع الولايات المتحدة والمملكة البريطانية عن دعم مشروع السد العالي، ليفجر المفأجاة التي قلبت العالم حينها بعبارته الشهيرة التي تُردد حتى الآن: «قرار رئيس الجمهورية تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، شركة مساهمة مصرية» متابعًا «وبنقل جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات إلى الدولة   المصرية، وأن تحل محل جميع الهيئات واللجان القائمة حالياً على إداراتها، ويعوض المساهمون وحملة حصص التأسيس مما يملكونه من أسهم وحصص بقيمتها مقدره بحسب سعر الاقفال السابق على تاريخ العمل بهذا القانون فى بورصة الأوراق المالية فى باريس، ويتم دفع هذه التعويضات بعد استلام الدولة لجميع أملاك وممتلكات الشركة المؤممة»، كذلك نص القرار على أن تحتفظ الهيئة المصرية الجديدة التى ستتولى إدارة القناة بجميع موظفي الشركة المؤممة وحقوقها في جمهورية مصر العربية وفي الخارج.

لينطلق ملايين المصريين إلى الشوارع احتفالا بـ«الضربة» التي وجهت إلى مصر بتأميم القناة التي بلغت إيرادتها ما يقرب من 34 مليون جنيه إسترليني عام 1955، لم تحصل منه مصر سوى على مليون واحد.

آثار القرار الذي اتُخذ حفيظة الدول الكبرى، فأعلنت بريطانيا وفرنسا، رفضهما الاعتراف به، واتخاذ التدابير الازمة معلنين مع أمريكا تجميد أرصدة مصر لديهم، لم تنتهي الإجراءات عن هذا الحد بل افتعلت لندن وباريس أزمة «المرشدين السياحين» من أجل إظهار عجز الحكومة المصرية عن إدارة القرارا وقررا سحب الموظفين الأجانب دفعة واحدة في ليلة 14 / 15 سبتمبر، وغادر العمل 155 مرشداً ولم يبقى سوى 52 مرشدا، إضافة إلى انسحاب 326 من العاملين من بين 805 ، وعلى الفور تم إدخال غيرهم من قبل الحكومة عن طريق جذب البعض من الخارج أو من القوات البحرية المصرية، لتعطي هذه الخطوة إشارة إذن بقدرة القيادة المصرية واكتسابها ثقة العالم حينها.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!