مأزق المجتمع الألماني بين تصاعد “الدواعش” وتمدد “بيجيدا”


تعرضت ألمانيا في أسبوع واحد خلال شهر يوليو 2016 إلى أربعة هجمات عنيفة ذات طابع فردي سلطت الضوء على المأزق الذي يعاني منه هذا البلد الأوروبي، في ظل تصاعد التطرف والصراع عليه ما بين أفراد ينتمون فكريا لتنظيمات جهادية مثل “داعش”، أو متطرفين ينتمون لحركات يمينية لهم دوافع عنصرية تتعلق بمعاداة الأجانب وكراهية الإسلام، واللاجئين.

فقد فجر لاجيء سوري (27 عاما) نفسه – بايع تنظيم داعش- في بلدة أنسباغ جنوب ألمانيا الاثنين ـ25 يوليو 2016 فأصاب 15 شخصا، فيما أعلن “داعش” مسئوليته عن هجوم نفذه لاجىء ( 17 عاما) – اتضح لاحقا – أنه باكستاني فى قطار باستخدام فأس وسكين في فورتسبورخ ، ليصيب أربعة أشخاص، قبل أن تقتله الشرطة.

وبينما بدت دوافع العنف المنفرد في هذين الهجومين مرتبطة بالتطرف الإسلامي، فإن دوافع أخرى يرجح أنها ذات طابع نفسي وعنصري تجلت أكثر في هجومين اخرين، الأول، اعتُقال لاجئ سوري (21 عاما) يوم الأحد 24 يوليو الجاري بعد قتله امرأة حاملا وإصابته اثنين آخرين بمنجل في مدينة رويتلنجن بجنوب غرب ألمانيا قرب شتوتجارت، والثاني، مهاجمة مسلح ألماني من أصل إيراني (18 عاما) يوم الجمعة 22 يوليو الجاري لمركز للتسوق في ميونيخ ليقتل تسعة أشخاص، ثم انتحر.

وفي الوقت الذي نقلت رويترز عن مصادر في الشرطة الاتحادية الألمانية أن لديها أكثر من 400 دليل بشأن وجود مقاتلين أو أعضاء في منظمات إسلامية وسط اللاجئين الموجودين في البلاد، فإن الهجمات السابقة – برغم اختلاف دوافعها – قد تدفع جماعات يمينية متطرفة تعادي الأجانب والمسلمين إلى الصعود ومن أبرزها، حركة “وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب”، المعروفة باسمها المختصر “بيجيدا Pegida” ، والتي تمددت في عدة دول أوروبية.

وفي مطلع شعر يوليو الجاري، أعلنت “بيجيدا” عن تخطيطها للتحول إلى حزب سياسي وتأييدها لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني الذى حقق نجاحات إنتخابية فى الانتخابات البرلمانية التى أجريت فى مارس الماضى، وخاض الحزب الإنتخابات تحت شعارات من قبيل “عززوا الحدود” و”أوقفوا فوضى اللجوء”.

وتهدف بيجيدا إلى مقاومة ما تراه تهديدًا يشكله التطرف الإسلامي والأسلمة، وتدعو إلى إنفاذ القوانين الحالية للحد من الهجرة الوافدة، لا سيما هجرة المسلمين الذين تراهم يرفضون الاندماج. وفي مقابلة مع صحيفة “فرانكفورتر الجامينا تسايتونغ” الألمانية، شبه رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو أتباع بيجيدا بأعضاء تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي، وقال إن كلا منهما يتمتع بعقلية بالية، وإن تركيا “تشعر بقلق شديد إزاء بيجيدا”. ووصف الحركة بأنها “تهديد للأتراك وللمسلمين ولألمانيا ذاتها”.

نشأة “بيجيدا”

تأسست حركة بيجيدا في مدينة درسدن الألمانية في أكتوبر 2014 على يد لوتس باخمان، الذي يدير وكالة للعلاقات العامة، ومما دفعه إلى إنشاء الحركة استيائه من مظاهرة شهدها لأنصار حزب العمال الكردستاني في 10 أكتوبر 2014 في درسدن، وقد بادر إلى نشرها وقائعها على موقع يوتيوب في اليوم ذاته. وفي اليوم التالي، أنشأ باخمان مجموعة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تسمى “وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب”.

وقبل ذلك بأيام، وتحديدًا في 7 أكتوبر من العام الذي تأسست فيه الحركة ، كانت جماعة من المسلمين -يُفترض أنهم سلفيون- هاجمت بعنف أنصار حزب العمال الكردستاني الذين كانوا متجمعين بعد تنظيم مظاهرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ووقع صدام عنيف في ذلك اليوم بين إيزيديين وشيشان مسلمين في مدينة سيله الألمانية. وفي 26 أكتوبر 2014 أصيب ما لا يقل عن 400 متطرف يميني، من أصل 5 آلاف متظاهر، بحالة من الهياج في وسط مدينة كولونيا أثناء مظاهرة نظمتها حركة “مشاغبون ضد السلفيين”. وذكر باخمان مؤسس بيجيدا هذه الأحداث في بيان لمظاهرته الأولى.

ردود الفعل الدولية

أشعل الجدل المحيط بحركة بيجيدا ردود أفعال من وسائل الإعلام الدولية. ففي فرنسا كتبت صحيفة “لوموند” تقول إن الخوف من الإسلام أحدث انقسامًا في المجتمع الألماني. أما صحيفتا “ليبراسيون” و”لوبينيون” فناقشتا أوجه الشبه بين الحركة وبين الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة الفرنسية. ونشر العديد من رسامي الكارتون الفرنسيين منشورًا موجهًا ضد مسيرة جنائزية من تنظيم حركة بيجيدا في أعقاب واقعة إطلاق النار على العاملين في صحيفة “شارلي إبدو” في يناير 2015.

واستنكر الموقعون الفرنسيون على المنشور، وكان من ضمنهم أحد الناجين من طاقم تحرير “شارلي إبدو”، استغلال أنصار بيجيدا هذا الحداد للفت الانتباه إلى قضيتهم. وقالوا إن بيجيدا ترمز إلى كل ما سعت شارلي إبدو إلى محاربته، وطلبوا من سكان درسدن مزيدًا من التسامح والانفتاح على الثقافات الأخرى.

في حين زعمت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن ألمانيا الشرقية، بسبب تاريخها الشيوعي، أكثر كراهية للأجانب من سائر ألمانيا. وذكرت الصحيفة أنه في ضوء الأعداد الضئيلة من المسلمين الذين يعيشون في ساكسونيا، يعتبر الخوف من الأسلمة شيئًا غريبًا.

“بيجيدا” وأشباهها

أفرخت “بيجيدا” عددًا من الفروع الصغيرة في عموم ألمانيا، من ضمنها “ليجيدا” في ليبزيج، و”زوجيدا” في زودتورنجن، و”كاجيدا” في كاسل، و”فوجيدا” في فورتسبورج، و”بوجيدا” في بون، و”دوجيدا” في دوسلدورف، و”فراجيدا” في فرانكفورت. وبعد بعض النزاعات الداخلية، نأى ممثلو بيجيدا نورث راين فستفاليا (وهي حركة تابعة تهدف إلى العمل في ولاية شمال الراين فستفاليا الاتحادية) بأنفسهم عن حركات “بوجيدا” و”دوجيدا” و”كوجيدا” المنبثقة في شمال الراين فستفاليا. وذكرت تقارير صحفية أن حركة كوجيدا استولى عليها أعضاء الحزب اليميني المنشق المجاهر بكراهيته للأجانب “برو نورث راين فستفاليا”.

وفي ديسمبر 2014، أسست قوى يمينية ألمانية منافسة مجموعة مناهضة لأمريكا على فيسبوك تسمى “وطنيون أوروبيون ضد أمركة الغرب”، وتعرف اختصارًا باسم “بيجادا”، زاعمين أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في ظاهرة الإسلام السياسي، بل في القوى الأمريكية التي يشتبه في وقوفها وراء الإسلاميين المتطرفين. وفي 25 يناير 2016 نظمت هذه القوى أول مسيرة لهم في إيرفورت تحت شعار “ديمقراطيون ملتزمون ضد أمركة أوروبا”.

واجتذبت هذه الفعالية، التي روج لها عدد من الناشطين من أتباع حركة الموقف الثالث مانفاخين وحركة مشاغبون ضد السلفيين، نحو 1000 متظاهر، لكن أثارت مظاهرة مناهضة لها شارك فيها 800 شخص غالبيتهم من اليساريين ومن ضمنهم رئيس بلدية إرفورت أندرياس باوزفاين وأعضاء النقابات العمالية والتنظيم الشبابي للحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني وحركة مناهضة الفاشية المحلية. كما أن هناك حركة أخرى انبثقت عن بيجيدا، وهي “نوجيدا” قد خضعت للتحقيق من جانب الشركة الألمانية بعد تورط العديد من أعضائها في مؤامرة لتفجير مركز للاجئين.

تمدد أوروبي

نظَم متعاطفون في العاصمة النرويجية أوسلو مع بيجيدا الألمانية أول مسيرة لهم في يناير 2015، بمشاركة نحو 200 متظاهر، أما في الدنمارك، فقد نظم حوالي 200 متظاهر مسيرة في العاصمة كوبنهاجن. وفي الشهر ذاته، تقدم فرع إسباني بطلب لتنظيم منظمة شبيهة ببيجيدا، وهو ما رفضه المسئولون الحكوميون.

وفي 28 فبراير 2015 نظمت بيجيدا المملكة المتحدة أول مظاهرة احتجاجية لها في مدينة نيوكاسل أبون تاين، وحضرها نحو 400 متظاهر، فخرج ضدهم إلى الشوارع نحو ألف شخص في مظاهرة مناهضة لهم بقيادة عضو البرلمان السابق جورج جالاوي. ونُظمت مظاهرة صغيرة لبيجيدا في لندن في 4 أبريل 2015 أثارت مظاهرة مضادة نظمتها جماعات مناهضة للفاشية.

وفي أوبسالا بالسويد، تمكنت بيجيدا من حشد حوالي 10 أشخاص، ولكن في أعقاب العديد من المظاهرات الفاشلة والصراع الداخلي، انحل الفرع السويدي للحركة. كما أُلغيت مظاهرة للمتعاطفين مع بيجيدا في مدينة مونتريال الكندية في 28 مارس 2015 عندما اجتمع مئات الأشخاص لتنظيم مظاهرة مضادة. ونظمت مظاهرة في تورونتو في 19 سبتمبر من العام نفسه، وحضرها حوالي 12 شخصًا من بيجيدا كندا، وانتهت بمشاجرة مع متظاهرين مناهضين للحركة فاقوا أعضاء بيجيدا عددا بنسبة 20 إلى 1 تقريبًا.

 طارق راشد

باحث علوم سياسية

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!