فورين أفيرز: الانقلاب في تركيا في مصلحة توسيع نفوذ روسيا


تطبيع العلاقات بين تركيا وروسيا أواخر الشهر الماضي كان مفاجئاً للأتراك. الهجمات الإرهابية التي يشنها عناصر حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش، التدفق المستمر للاجئين السوريين، تصاعد المشاكل الاقتصادية بسبب العقوبات الروسية، تأزم المشاورات مع الاتحاد الأوروبي والاحتكاك مع الولايات المتحدة كل هذه الأسباب دفعت أردوغان وبلاده لإنهاء الحرب الباردة مع روسيا لأنها لم تعد قادرة على تحمل هذه المشاكل.

 وحسب تقرير فورين أفيرز: باعتذاره عن إسقاط الطائرة الروسية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2015، مهد «أردوغان» الطريق لعودة العلاقات الاقتصادية والتعاون العسكري المتزايد بين البلدين. ومع ذلك، فلن يؤدي الاعتذار لتقليل النفوذ الروسي في الفناء الخلفي لتركيا. ومع توسع قوة روسيا في منطقة البحر الأسود، والقوقاز، وفي منطقة الشرق الأوسط، على حساب أنقرة، فإن هذا يضع نهاية للشراكة الاستراتيجية التي لم تدم طويلًا بين البلدين.

 ومع محاولة الانقلاب الفاشلة ضد «أردوغان»، تجددت الفرصة لعلاقات أقوى بين تركيا وروسيا بسبب كون هذه المحاولة قد أحدثت توترًا في العلاقة بين تركيا من ناحية والولايات المتحدة وأوروبا من ناحية أخرى. إلا أن المحاولة أضعفت تركيا أيضًا، ما يجعلها تتعامل بحذر مع الطرف الروسي، وهو ما ينبئ بشراكة قادمة غير متكافئة بين البلدين.

     إعادة العلاقات

 شهدت بداية العقد الأول من هذا القرن بداية تقارب قوي في العلاقات بين تركيا وروسيا. وبدأت الطموحات الاستراتيجية لدى الطرفين، فكلاهما بحث عن دور أكبر في النظام العالمي، وخصوصاً مع رفض الغرب لإعطاء أي منهما مقعدا على الطاولة. ومع معاناة اقتصاد كلا البلدين، فقد شرعا في التعاون الاقتصادي معا إلى أن سجلت الإحصاءات في عام 2015 روسيا كثالث أكبر شريك تجاري لتركيا، ورابع أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي، والمورد الرئيسي للغاز الطبيعي، ومصدر رئيسي للسياحة.

 تسببت العقوبات الروسية على تركيا إبان إسقاط الطائرة الحربية الروسية في المجال الجوي التركي بأضرار بالغة على الاقتصاد التركي. فقد قامت بروسيا بفرض عقوبات على ثلاث مجالات رئيسية للتعاون هي الزراعة والبناء والسياحة، كما قامت بحظر استيراد الأغذية التركية، وأوقفت نشاط العديد من الشركات التركية في روسيا، وألغت رحلات طيران من وإلى تركيا، كما ألغت اتفاقية السفر المتبادل بين مواطني البلدين بدون تأشيرة والتي تم إقرارها سابقا في 2010، كما تم إيقاف التعاون النووي وتصدير الغاز لتركيا. وتسببت هذه العقوبات في تراجع الناتج المحلي الإجمالي لتركيا في 2016 بنسبة 0.7%.

 على نفس القدر من الضرر الذي تسببت به حادثة الطائرة، كان ضرر اختلاف الرؤية واختيار طرفين مختلفين في الصراع السوري لمساندتهما. فمع وجود روسيا وإيران ومليشيات حزب الله الشيعية في طرف الحكومة السورية و«بشار الأسد»، وقفت تركيا ودول الخليج والدول الغربية ضد «بشار الأسد». وتسببت هذه الأزمة في عبء أكبر على تركيا بنحو 3 ملايين لاجئ سوري تستضيفهم تركيا.

 وفي نفس الوقت، تعترض تركيا على دعم روسيا للأكراد في شمال سوريا ممثلين في حزب الاتحاد الديمقراطي، حيث تعتبره تركيا امتدادا لحزب العمال الكردستاني الذي يقاتل للانفصال عن تركيا.

 وفي هذا السياق، نجد أن خطوة «أردوغان» بالتحرك سريعا لعودة العلاقات مع روسيا لم تكن مفاجئة. فمع هجمات تنظيم الدولة في تركيا، وفشل الاستراتيجية التركية في منع الحرب الأهلية في سوريا، ومعاناة أنقرة من عزلة دولية، وتفاقم الصراع مع حزب العمال الكردستاني، وجدت الحكومة التركية أن الاقتصاد التركي لا يتحمل المواجهة مع روسيا أكثر من ذلك. وإذا نجح اعتذار «أردوغان» في إعادة الأمور لنصابها مع روسيا، وإيقاف دعم روسيا لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، حينها ستتمكن أنقرة من التفرغ لتحديات أخرى مثل الدولة الإسلامية وحزب العمال الكردستاني.

 أعلنت روسيا في الأسابيع الأخيرة إلغاء حظر رحلات الطيران إلى منتجعات وشواطئ تركيا، وبدأت محادثات لعودة العلاقات الاقتصادية الطبيعية، كما تمت مقابلة بين وزيري خارجية البلدين على خلفية أحداث تفجير مطار اسطنبول في 28 يونيو/ حزيران، أبدا فيه الطرفان الموافقة على عودة التعاون العسكري والتعاون في محاربة الإرهاب.

     لن تعود إلى ما كانت عليه

 بالرغم من كل ذلك، فإن أي انفراجة في العلاقات التركية الروسية لن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل بدء الأزمة السورية. وكانت بذور تلك العلاقة قد ظهرت في أواخر التسعينات، ولكنها لم تترجم على الأرض قبل وصول «أردوغان» للسلطة في عام 2003، عندما تلاقت رؤى الزعيمين التركي والروسي ورغبتهما المشتركة في دمج بلديهما أكثر معا ضد السيطرة الغربية. كما استفاد الطرفان من تصدير الغاز الروسي لأوروبا عبر تركيا.

 تحسن الجيش الروسي في السنوات الأخيرة بدافع برنامج التحديث الهائل لوسائل الدفاع الذي بدأته الدولة في 2008. ومع وجود تركيا في الجوار، استطاعت روسيا حشد وجودها العسكري، مع تطوير قواتها البحرية في البحر الأسود وشرق البحر الأبيض المتوسط. قامت روسيا أيضًا بتحريك قوت أكثر إلى قاعدتها البحرية أمام السواحل السورية في طرطوس لدعم «الأسد». وكانت روسيا قد وعدت بإنشاء منظومة دفاع جوي مشترك مع تركيا إلا أن ضعف التوتر الأخير بين البلدين من الممكن أن يمنع ذلك.

 جعلت هذه التغييرات أنقرة مرة أخرى عرضة للتحرش الروسي. وفي ذات الوقت، فقد اختلفت الاهتمامات الإستراتيجية لروسيا وتركيا، ليس فقط في سوريا، بل في أوكرانيا أيضا، التي عملت روسيا على تقطيع أوصالها، بينما عمقت تركيا علاقاتها معها. وكذا في منطقة القوقاز، حيث تجدد القتال بين أرمينيا وأذربيجان، ما زاد من التنافس بين سوريا وتركيا في هذه المنطقة.

 ربما تؤدي محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا إلى تخفيف حدة هذه التوترات على المدى القصير، حيث على العكس من الولايات المتحدة وحلفاء تركيا في حلف الناتو، فإنّ موسكو تنظر إلى إجراءات أردوغان ضد خصومه بطريقة أخرى. ويبدو أن روسيا تحاول استغلال الأمر لجذب تركيا إليها لتصبح حليفة لها أكثر من الغرب. وما يساعد في ذلك أيضًا أن القوات الجوية التركية التي أثار غضبها انتهاك روسيا للمجال الجوي التركي وشجعت على إسقاط الطائرة، تواجه الآن غضبا شديدا من «أردوغان» بسبب الدور المركزي الذي لعبته لصالح المؤامرة عليه. (في الحقيقة، تم اعتقال الطيارين الذين أسقطوا الطائرة الروسية على خلفية مشاركتهم في المحاولة الانقلابية الفاشلة).

 ولكن على المدى الطويل، فإنّ تداعيات الانقلاب سوف تؤدي لضعف الأمن نسبيا في تركيا. كما أن خطوات «أردوغان» لتقليم أظافر الجيش سوف تجعله أقل قدرة على مقاومة التوسع الروسي في المنطقة، بينما يواجه «أردوغان» جفاءً من حلفائه الغربيين بسبب حملته الشعواء ضد معارضيه. وفي الوقت الذي تواجه فيه تركيا أكبر اهتزازاتها منذ عقود، فإنّ «أردوغان» ليس في موضع يسمح له بالشد والجذب مع موسكو. ستستمر روسيا في توسيع نفوذها في البلاد ذات الحدود المشتركة مع البلدين، بينما تعرض على أنقرة فقط احتمال وجود علاقة غير متكافئة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!