صفر مشاكل … مشاكل انقلاب


 فؤاد خشيش

 

غاب عن بال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان الصفر هو رقم اساسي في الكتابة، اي انّه لا يمكن ان تكتب مليون بدون اصفار .. ليكن التعبير مجازياً اقتصادي.

خاصم الدول والاقليم وجعل الاعداء كثر.

غاص في التاريخ الامبراطوري العثماني، وغاب عن باله ان التاريخ يتمرحل. غاص في سفربرلك، وتعليق المشانق  وسحل الاجساد، لكنه لم يجرؤ على قراءة الجملة التي حفظها الكثيرون: ان التاريخ يتكرر بشكله السلبي. هوذا التاريخ يتكرر..

تاريخ تركيا ليس مفارقة عن تاريخ دول الاقليم حيث الانقلابات والعسكريتارية تتبوأ السلطة بشكلها العنيف والاعدام في وسط الشوارع وقطع ما تيسر من الرؤؤس وسط الاشهاد ..

كل من رأى الضرب والانتقام في العصر الحديث تأنف نفسه من النظر الى تلك المشاهد التي لا تشي الاّ  بشيء واحد، هو الثأر .. تاريخ يعيدنا الى التاريخ، ومفهوم السلطة العبثية، ومحاكم التفتيش…

انقلاب، رب ضارة نافعة. انتظرها الامبراطور بعد ان أرغى وأزبد كما يحلو له.. اراد تغيير النظم، دعم الارهاب، وسرق النفط، على امل الدخول الى نظم هي بالأساس تهتزّ ثقافيا واقتصاديا واخلاقيا، وتعاني من تباينات على الصعد كافة.. كانت الخيبة هي الرد.

تمرّد على القيصر الصاعد والمجروح من السقوط المدوي. كان الرد من القيصر اتبعني، لكنّ روح التمرّد والغطرسة اعمت البصر والبصيرة ، وكان ياما كان.

تركيا ليست في احسن الاحوال. العسكر يعود الى الشارع، دم كثير سيسيل، لا احد يتحمّل. اعتقالات فاقت الآلاف، والمشانق تنصب والردود العالمية تندد، لكن من يستطيع الرد او المنع. انه التاريخ يعيد نفسه.

على الرغم من إخفاق الانقلاب العسكري في تركيا، لكن التبعات السياسية الداخلية والإقليمية المترتبة على الانقلاب الذي يعد بمثابة تطورًا استثنائيًا في العلاقات المدنية- العسكرية التركية سيؤدي لموجات من التحولات الجوهرية في بنية النظام السياسي والسياسات الإقليمية لتركيا وقد تمتد لعقود نتيجة الارتداد للداخل واحتمالات تراجع الانخراط التركي في حلف الناتو وتزايد معارضة دول الاتحاد الأوروبي لعضوية أنقرة في الاتحاد.

في أواخر مارس/أذار من العام الجاري، سلطت صحيفة “ترك برس”، وغيرها، الضوء على تصريحات أطلقها الكاتب الأميركي مايكل روبنز، الباحث بمركز “أميركان إنتربرايز” حاليًا (وهو معهد محافظ يعمل به 20 من الموظفين السابقين في إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش)، والباحث السابق لكل من مجلس العلاقات الخارجية ومركز كارنيغي، والتي أكد خلالها أن هناك جهات سياسية أميركية مستعدة للاعتراف بأي انقلاب من شأنه أن يطيح بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وقد جاءت تلك التصريحات في مقال للباحث تحت عنوان “هل يمكن أن نشهد انقلابًا عسكريًا في تركيا” نُشر بتاريخ 21 مارس/أذار، قال خلاله إنّه “إذا تحرك الجيش للإطاحة بأردوغان، ووضع حاشيته المقربة خلف القضبان، فهل بإمكانهم الإفلات بذلك؟ في عالم التحليل، وليس التأييد، الإجابه هي: “نعم”، كما أكد أن إدارة أوباما لن تفعل شيئًا حيال الأمر، أكثر من “التوبيخ أو الإدانة”، بخاصة إذا كان قادة الانقلاب يعتزمون استعادة المسار الديمقراطي من جديد، على حد تعبيره.

وفي خضم محاولة الانقلاب، كانت تغطية مركز “ستراتفور” الأميركي الاستخباراتي الشهير، هي الأكثر إثارة للجدل، بخاصة في ظل ترويج المعهد – الذي يُعلن بوضوح طبيعة عمله الاستخباراتي – ليلة محاولة الانقلاب، أن أردوغان طلب اللجوء السياسي إلى ألمانيا، وهو الخبر الذي لاقى رواجًا كبيرًا في الصحافة العالمية، لمدة ساعة كاملة، قبل أن تهبط طائرة أردوغان في النهاية، في مطار إسطنبول، عقب انسحاب القوات الانقلابية منه.

بدورها، لفتت وسائل إعلام إسرائيلية إلى تصريحات مسؤولين أتراك عن علاقة محتملة تربط مدبر انقلاب تركيا بإسرائيل، علما بأنه عمل في إسرائيل في الفترة 1998-2000 بصفة الملحق العسكري لتركيا.

وأوضحت صحيفة “هآرتس” أن الحديث يدور عن قائد القوات الجوية التركية السابق، الجنرال أكين أوزتورك التي وصفته أنقرة بأنه المدبر الرئيسي للانقلاب الفاشل. وبدورها وتصر الحكومة التركية على وجود صلات بين أوزتورك والداعية الإسلامي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن، على الرغم من أن الجنرال نفسه ينفي أي دور له في تدبير الانقلاب.

وذكرت “هآرتس” بأن أوزتورك قبل توليه منصب قائد سلاح الجو التركي، عمل كملحق عسكري في السفارة التركية بتل أبيب. ونقلت الصحيفة الاسرائيلية عن مسؤول تركي قوله إن مدبري الانقلاب كانوا يعدون للعملية العسكرية لإسقاط قيادة الدولة منذ فترة طويلة، وقاموا بتوزيع مناصب المحافظين ورؤساء المؤسسات الحكومية بين الضباط المتورطين في المؤامرة، لكنهم اضطروا لتغيير توقيت “ساعة الصفر” نظرا لاقتراب موعد الاجتماع الدوري للمجلس العسكري الأعلى في أغسطس/آب المقبل، إذ كان من المتوقع أن يفقد خلاله الجنرال أوزتورك وعدد من كبار الضباط الآخرين، مناصبهم.

وفي السياق، أشارت صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية، في تقرير نشرته لكارين دي يونغ، ودان لاموث، قال إن مسؤولين في البنتاغون، رفضوا الكشف عن هوياتهم، كشفوا عن أنّهم كانوا على علم بمحاولة الانقلاب، وأنهم كانوا ينتظرون “دراسة آثار الانقلاب على العمليات العسكرية، التي تقوم بها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط”.

واللافت أن محاولة الانقلاب ، جاءت في أعقاب اتفاق أميركي روسي، حول سوريا، وتحجيم الدعم لبعض فصائل المُعارضة، مع تكثيف الحرب ضد “جبهة النصرة”، والفصائل المتحالفة معها في مدينة حلب، ويُرجح بعض المحللين الى ان الاتفاق لم يلق قبولًا تُركيًا داخل المؤسسة العسكرية.

من جهتها ، نشرت صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” مقالا عن أسباب فشل الانقلاب في تركيا، مشيرة إلى أن السبب وفق مصدر استخباري سري في أنقرة هو سيطرة أردوغان على القنابل الهيدروجينية الأميركية.

واضافت الصحيفة  انه في حين أن هناك من يصر على أن محاولة إطاحة رجب أردوغان ضخمة ودموية، ولكنها تمثيلية، فإن آخرين وخاصة في تركيا واثقون من أن رئيس الدولة كاد أن يدفع حياته ثمنا لتحوله نحو روسيا.

وفي حديث إلى الصحيفة الروسية  كشف الخبير بشؤون الشرق الأوسط، بافل ظريف الله أسرارا  قال انه حصل عليها من مصدر أمني سري رفيع المستوى في أنقرة، تفيد بأن التخطيط للانقلاب تم بمشاركة “شركائنا” في ما وراء المحيط.

ويقول الخبير عن المصدر ، بأنه من ممثلي نخبة المجتمع التركي، الذين “تربطني بهم علاقة عمل لسنوات طويلة، وإن أردوغان اعتقل بعضهم عام 2007. وتابع  “أتواصل حاليا مع بروفيسور يعمل مستشارا للأجهزة الأمنية، ولكنني لن أكشف اسمه. لأن هذا الشخص وألوفا آخرين معرضون للاعتقال في أي لحظة”.

وأماط الخبير اللثام عن بعض ما أرسله إليه زميله،  حيث يقول إن “الغرب عول على السيطرة على البلاد عبر الانقلاب كما حصل في مصر، ولكن الغرب لم يأخذ بالاعتبار أن الشعب التركي لن يرضى بأي عملية غير ديموقراطية”. والمقصود بالغرب بالدرجة الأولى – الولايات المتحدة. وليس مستبعدا أن تكون للألمان يد في الانقلاب أيضا، لأنهم يضغطون في الفترة الأخيرة على أردوغان كثيرا، ويجب ألا ننسى أن البرلمان الألماني اعترف بإبادة الأتراك للأرمن”.

واضاف: “هما (بوتين وأردوغان) يجب أن يلتقيا بأسرع ما يمكن. الجميع يتحدث عن هذا اللقاء. والولايات المتحدة بذلت كل ما في وسعها ولا تزال من أجل منع ذلك، حتى بواسطة الانقلاب. نحن في تركيا (أنصار الاتحاد الأوراسي) نرى أن لقاء بوتين سينقذ البلاد”.

حولت المطالبة بسن قانون الإعدام من مجرد هتاف “عالي السقف” إلى مطلب جاد للمتظاهرين الذين ما زالت شوارع البلاد وميادينها العامة تغص بهم بعدما دعاهم أردوغان للبقاء في الشارع مدة أسبوع.

وعززت المعلومات التي تتكشف كل يوم عن مدى تعقيد خطة محاولة الانقلاب الفاشلة والأعداد الهائلة للمتورطين فيه ومراكزهم الحساسة مكانة الأصوات المطالبة بإعادة عقوبة الإعدام إلى القانون الجنائي بعد عقد ونيف من إلغائها بقرار برلماني في العام 2004.

غير أن تعقيدات الواقع الداخلي والخارجي تضع كوابح لافتة أمام إعادة إدراج العقوبة الصارمة في اللوائح التركية بعدما صدرت مواقف دولية مناهضة لهذا التوجه، وفي ظل الحاجة الماسة إلى حل عقدة تغيير الدستور.

واشار الاتحاد الاوروبي الى إن على تركيا أن تغادره إذا أعادت عقوبة الإعدام، كما قال مسؤولون أوروبيون إن تطبيق أنقرة عقوبة الإعدام سوف يؤدي لتعليق مباحثات انضمامها إلى الاتحاد ، فيما حذر مسؤولون أميركيون وفرنسيون أيضا من عواقب هذا التوجه.

يمكن القول إن الانقلاب قد انتهي قبل أن يبدأ، حيث يرتبط إخفاقه بعدم اكتمال الأركان الأساسية التي تكفل له الاستمرار خاصة الافتقاد لتصدر القيادات العسكرية الرئيسية للمشهد السياسي وعدم توحد المؤسسة العسكرية  وغياب حسم المواجهات الميدانية وعدم السيطرة على قوات الشرطة والأمن الداخلي وقوات الجندرمة خاصة في ظل امتلاكها لمنظومات تسليح تشابه تسليح الجيوش النظامية، فضلا عن الافتقاد للدعم الشعبي، وعدم وجود قواعد سياسية داعمة للانقلاب أو تأييد خارجي.

كشفت قوائم الاعتقالات التي أعقبت إخفاق الانقلاب عن مشاركة قيادات عسكرية رئيسية فيه، وهو ما يعكس توغل الانقسامات داخل بنية المؤسسة العسكرية التركية، كما  كشفت محاولة الانقلاب عن مدى تغلغل “التنظيم الموازي” بقيادة فتح الله كولن في مفاصل الدولة ومؤسساتها الرئيسية، إذ لم تكتف الحكومة بإقالة  اكثر من 711 قاضي بدعوى انتمائهم لحركة كولن، بل قامت بإقالة 2745 قاضي عقب محاولة الانقلاب ، وفي السياق ذاته تم اعتقال عدد من القيادات الأمنية والعسكرية في مراحل سابقة باتهامات الانتماء للتنظيم يتصدرهم المدير السابق لشعبة مكافحة الإرهاب بمديرية أمن اسطنبول، وحوالى 2000 من قيادات الشرطة أغلبهم ينتمون لأقسام التحقيقات والمخابرات وعدد من رؤساء التحرير والصحفيين.

اللعبة ليست بتلك السهولة التي ينظر لها البعض سواء من المؤيدين او المعارضين، روائح الدم تسيل، والقرارات التي تتخذ من القيادة التركية لا تشي بعودة الهدوء اقله في الايام المقبلة  وقد تكون قرارات تحمل الكثير من “الارتجال”،  والعالم يحبس انفاسه لتلك العملية وان كانت منتظرة لفترة من الوقت ، وهناك اللقاء المنتظر بين الرئيسين التركي اردوغان والروسي فلاديمير بوتين والذي بات ملحاً اكثر من اي وقت لاعتبارات سياسية واقتصادية وسياسية ومن الطبيعي ان يكون الملف السوري هو الطبق الدسم على طاولة اللقاء وسيشكل بلا شك انعطافة تركية تحمل الكثير من المفاجآت كون الوقت يضيق امام اردوغان وقد يشكل الدخول التركي الى اوراسيا  دخولا اكبر في العلاقات مع ايران بمواجهة المحور الاميركي ناهيك عن التطورات في الملف العراقي ودور تركيا على هذا الصعيد .

انها انعطافة سياسية وجيواستراتيجية تعيشها المنطقة ..على وقع انقلاب لا يزال صداه يحمل الكثير من المفاجآت..

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!