نيروبي وتل أبيب.. علاقات متينة حاكتها خيوط التعاون الأمني والاستخبارتي


“أعداء كينيا هم أعداء إسرائيل، وهذا ما يدفعنا إلى تقديم المساعدة”، عبارة صدرت عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في نوفمبر/تشرين الثاني  2011، خلال استقباله نظيره الكيني السابق رايلا أودينيغا، في القدس، وتختصر الكثير من الكلام عن متانة العلاقات بين الطرفين.

تاريخ طويل من العلاقات بين البلدين التي بدأت فور حصول كينيا على الاستقلال عام 1964، والعامل الأبرز فيها هو التعاون الأمني والاستخبارتي، والذي تجسد بوضوح في مناسبات عديدة.

ففي فبراير/شباط 1964، وبعد شهرين من نيل كينيا استقلالها، اجتاز أربعة ضباط كينيين تدريبات طيران في إسرائيل، حسب تقرير نشرته صحيفة “معاريف” العبرية في سبتمبر/أيلول 2013.

وفي أعقاب حرب أكتوبر/تشرين أول 1973 (حرب يوم الغفران حسب التسمية الإسرائيلية)، قطعت كينيا علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل، لكنها واصلت الحفاظ على العلاقات الاقتصادية والعسكرية.

وفي عام 1975، طلبت من إسرائيل مستشارين عسكريين ودبابات، حسب تقرير “معاريف”.

وفي يوليو/تموز 1976، نفذت قوات خاصة إسرائيلية عملية لتحرير رهائن كانوا عن متن طائرة متوجهة من تل أبيب إلى باريس، وتوجه بها مختطوفها إلى “مطار ناير” في مدينة عنتيبي بأوغندا، وتجلت في هذه العملية متانة العلاقات الأمنية بين تل أبيب ونيروبي.

إذ أدارت إسرائيل عملية تحرير الرهائن من قاعدة خلفية في كينيا.

وحسب كُتيّب العلاقات الصادر عن السفارة الإسرائيلية، ما كانت إسرائيل لتنجح في تنفيذ عملية الإنقاذ؛ حيث المكان بعيد جداً عن إسرائيل، لولا المساعدة الكينية التي سمحت للمقاتلات الإسرائيلية بالهبوط في كينيا والتزود بالوقود، قبل التوجه لتنفيذ العملية في أوغندا، في الوقت الذي كانت فيه الدول الأخرى المجاورة لتتردد في تقديم المساعدة المطلوبة.

وفي عام 1978، باعت إسرائيل كينيا سفينتي صواريخ بحر بحر من نوع “غبريئيل” ومعدات عسكرية أخرى كالبزات والمطابخ الميدانية، وفق تقرير “معاريف”.

وفي الثمانينيات درج المسؤولون الاسرائيليون على زيارة كينيا سرا.

وعام 1993 عادت كينيا لتقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع اسرائيل.

علامة أخرى بارزة على التعاون الأمني الوثيق بين البلدين، تجلت في سبتمبر/أيلول 2013، حيث الهجوم الذي شنه مسلحون من حركة “الشباب” الصومالية على مركز “ويست غيت” التجاري في نيروبي، الذي يعود ملكيته لرجل أعمال إسرائيلي وأسفر عن مقتل 67 شخصا على الأقل.

فبعد وقت قصير من سيطرة المسلحين على المركز التجاري، وصل إلى ساحة الحدث فريق إسرائيلي اجتاز إرشاداً في إدارة المفاوضات مع المخربين.

وإلى جانب ضابط الأمن في السفارة الإسرائيلية بنيروبي ساعد الإسرائيليون قوات الأمن الكينية في إدارة الاتصالات مع الخاطفين، حسب “معاريف”.

وفي مارس/آذار 2016، كشفت زيارة أجراها الرئيس الكيني، أوهورو كينياتا، إلى القدس، كأول رئيس كيني يزور إسرائيل منذ استقلال بلاده، للعلن عن علاقات التعاون الوثيق بين البلدين، الذي ظل الكثير منه طي الكتمان.

إذ كشفت الزيارة تسارع وتيرة واتساع حجم تلك العلاقات، كما أنها تكللت بتوقيع الجانبين عدداً من الاتفاقيات في مجالات عديدة شملت: الزراعة والمياه والري، والبنية التحتية والطرق والجسور، والطاقة والصحة العامة وغيرها، إلى جانب توثيق التعاون المشترك وتبادل المعلومات في قضايا الأمن ومكافحة الإرهاب، والتعاون الثنائي في مجالات الفضاء الإلكتروني.

وآنذاك، لم يفوت نتنياهو المناسبة دون أن يذكر الرئيس الكيني بأبرز مناسبات التعاون الأمني بين البلدين بداية من عملية تحرير الرهائن في عنيبي، إلى الهجوم على مركز “ويست غيت” التجاري، فقال مخاطباً ضيفه الكيني إن “إسرائيل تقف جنبا إلى جنب مع كينيا ضد أولئك الذين يدعون التحدث باسم الإسلام، فيما يقتلون الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال من جميع الأديان”، حسب موقع الخارجية الإسرائيلة على شبكة الإنترنت.

فرد الرئيس الكيني عليه قائلاً: “نحن في كينيا نرى إسرائيل صديقا عزيزا له مكانة خاصة جدا. الحرب على الإرهاب هي حرب دولية، ويجب علينا التعاون معا لنهزمها”.

وبينما لخّص نتنياهو أطر التعاون بين البلدين بقوله: “ننوي بحث هذه الفرص والتحديات وما نقوم به في مجالات الأمن والزراعة والمياه والري والتقنيات وأي مجال آخر يتعلق بحياتنا الوطنية”، يبقى التعاون الاستخباراتي والأمني هو الأهم والأقوى، وفق “توماس أومولو”، مدير عام وزارة الخارجية الكينية.

إذ نقل موقع “ويكيليكس” الشهير وثائق تضمنت تصريحات لـ”أومولو”، يقول فيها: “يتبين أن إسرائيل هي شريك جيو استراتيجي مهم، وأن للدولتين تعاونا بعيد المدى في مجالات الأمن والاستخبارات على كل المستويات”.

وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة “هآرتس” اليومية معلومات مفادها أن كينيا اشترت الكثير من السلاح والخبرات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، كما تلقى المئات من الجنود الكينيين تأهيلا في إسرائيل على طرق مكافحة الإرهاب، أو قام مدربون إسرائيليون بتدريبهم في كينيا بحسب الصحيفة.

وتتحدث بعض التقارير عن أن نيروبي تضم أكبر مكتب لجهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في القارة السمراء كلها، لافتة إلى أن هذه المكتب تأسس أيام الحرب الباردة، والمد اليساري في السودان المجاور (حقبة الرئيس جعفر نميري التي تولى الحكم بين عامي 1969 و1985)، ووجود حليف الاتحاد السوفيتي الأقوى في أثيوبيا، آنذاك، الرئيس منقستو هيلي مريم.

وخلال زيارة الرئيس الكيني إلى إسرائيل في مارس/آذار الماضي، صرحت وزيرة الخارجية الكينية، أمينة محمد، التي كانت برفقة الرئيس، لصحيفة “جيروزليم بوست” العبرية قائلة: “أصدقاء إسرائيل في القارة الأفريقية أكثر من غير الأصدقاء”، موضحةً: “أنا أتحدثُ عن دول أفريقيا، ولعل 40 دولة من بين الدول الـ54 التي تشكل القارة تنظر لإسرائيل باعتبارها دولة صديقة مقرّبة”.

وربما تُلخص هذه التصريحات بوضوح حجم وشكل العلاقات الإسرائيلية الكينية، بل وتعدت رئيسة الدبلوماسية الكينية بجرأة نادرة لتوضح أن أكثر الدول الأفريقية في طريقها لتعزيز علاقاتها مع الدولة اليهودية؛ ما يعني أن نتنياهو يعتزم في جولته الحالية “جمع” حصاد بذور تمَ زرعها في أرض القارة الخصبة منذ زمن طويل، وحان قطاف الثمار بعد أن نضجت.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!