دير شبيغل | لماذا لا ترغب ألمانيا في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي


ليس من السهل الإعجاب بإنجلترا في الوقت الحالي. أحد الأسباب وراء ذلك يقف في ساحة برستون, الواقعة في الجانب الغربي من الجزيرة, بشعره رملي اللون وسترته المجعدة وبنطاله الجينز. حتى وقت حديث, كان بوريس جونسون عمدة لندن.

لكنه الآن يحارب ضد أوروبا, بميكروفون في يده. وتقف خلفه حافلة مطلية بالأحمر مزينة بكلمات: “نحن نرسل إلى الإتحاد الأوروبي 50 مليون جنيه إسترليني يومياً.” يقفز جونسون على أصابع قدميه: خرج إستطلاع جديد يشير إلى أن معسكر خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي في الصدارة. إنه نجاح شخصي. 

بوريس, كما يدعوه الجميع, أصبح الشخصية الرائدة في الحملة المناهضة للإتحاد الأوروبي, وفي مقدمة إستفتاء 23 يونيو, وتُظهر الإستطلاعات أن البريطانيين يثقون به أكثر من أي سياسي آخر. إن إعلانه عن إنه سيحارب من أجل حركة الخروج من الإتحاد الأوروبي احتل صدارة العناوين الرئيسية, جزئياً لإنه كان أيضاً إعلاناً للحرب على زميله في حزب المحافظين ديفيد كاميرون, رئيس الوزراء البريطاني. منذ ذلك الحين, يتجول جونسون في أنحاء بريطانيا بحافلته الحمراء مثل عاصفة رعدية. في ديفون, قارن الإتحاد الأوروبي بهتلر؛ في ستافورد, قال أن بروكسل تمنع بيع الموز في علب تحتوي على أكثر من اثنين أو ثلاث ثمرات ولهذا السبب وحده, ينبغي على بريطانيا أن تغادر.أوردت الصحف إنه يريد أن يسمح فقط بدخول المهاجرين إذا كانوا يستطيعون تحدث الإنجليزية بطريقة جيدة.

إنه يسأل بصوت مرتفع في الميكروفون, “هل يعرف أحدكم عدد قوانيننا التي تُصاغ في بروكسل؟ ستون في المائة. نحن نفقد السيطرة على ديموقراطيتنا.” يصفق له الـ 150 متفرج ويهللون. ويسأل جونسون, ألم يحن الوقت لتولي السيطرة على سياسة الهجرة الخاصة بنا؟ إنه يزعم أن المهاجرين يتحملون اللوم جزئياً على حقيقة أن الأجور منخفضة جداً. “فلتصوتوا لصالح المغادرة, يا أصدقائي!”

الأمر يسير هكذا منذ أسابيع, بل منذ شهور. وفي مرحلة ما, بعد كل الجعجعة عديمة الشفقة, يتسائل الشخص: فعلاً لماذا لا؟ لماذا لا ندع البريطانيين يتخذون الخطوة التي يتطلع إليها الكثيرون على ما يبدو: الإنفصال عن الإتحاد الأوروبي؟ لن يكون على بقية أوروبا أن تعاني من تعنتهم بعد الآن ويمكنهم أن يكونوا سعداء على جزيرتهم. ألن يكون هذا هو الحل المثالي للجميع؟

الإجابة هي لا. إذا غادر البريطانيون الإتحاد الأوروبي, ستكون كارثة من ثلاثة جوانب: سيئة على ألمانيا, وسيئة على بريطانيا وكارثية على أوروبا.

عقب خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي, سوف تخسر ألمانيا حليفاً قوياً و, بصفتها قوة مركزية كبيرة في القارة, سيُحكم عليها بشكل حاسم بتولي دور القيادة الذي لم ترغب به مطلقاً. ستتخلى بريطانيا عن الدخول إلى سوق أوروبية من 500 مليون شخص وستدفع ثمناً باهظاً لعزلتها. بعد خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي, سيصبح الإتحاد ككل أضعف إقتصادياً, وأكثر هشاشة داخلياً وأكثر عرضة للخطر خارجياً – وهو وضع ستعاني فيه بريطانيا أيضاً. وهذا ليس قريباً من الجميع. 

خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي سيرسل هزات أرضية ليس فقط في أنحاء أوروبا, وإنما أيضاً في أنحاء العالم الغربي بأكمله. كل الدول الحليفة ترغب في بقاء المملكة المتحدة جزءً من أوروبا: الأمريكيون, الصينيون, الأستراليون واليابانيون. علاوة على ذلك, حذر جميع خبراء الإقتصاد تقريباً من مغادرة الإتحاد الأوروبي, من بنك إنجلترا إلى منظمة التجارة العالمية. إن السياسي الوحيد المعروف دولياً الذي يؤيد خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي هو دونالد ترامب – وهذا وحده ينبغي أن يُقلق البريطانيين.

نحن نحتاج البريطانيين لإنهم ينتمون إلى أوروبا, ولإنه بدونهم, يصبح إتحاد الشعوب الأوروبية بلا جدوى وخاسراً. نحن نحتاجهم لإنهم جزء من مجتمع الدول البراجماتية الحكيمة ولإنهم مشابهون لنا نحن الألمان سياسياً وثقافياً وإقتصادياً. إنهم أقرب إلينا من البرتغاليين أو الكرواتيين؛ نحن نشارك تشككهم في إسراف الدولة؛ ونحن نشارك أيضاً إحباطهم من الإتحاد الأوروبي. فقط مع البريطانيين نستطيع أن نجعل الإتحاد الأوروبي أفضل ونقوده إلى مستقبل جديد. بدونهم, سيكون علينا أن نسلك هذا الطريق بدون وجود جزء مهم من أوروبا بجانبنا.

هل يحدث هذا حقاً؟ لا يمكن أن يكون حقيقياً أن البريطانيين الدمثين, الشجعان والمتبصرين إقتصادياً, من بين كل الشعوب, يريدون الإنسحاب – إنهم يغادرون الآن في الاوقات العصيبة. نحن نحتاجهم لأن القارة بخلاف ذلك ستنزلق في التهور والتفاهة واللامبالاة.

هل أولئك الذين يدافعون عن الخروج من الإتحاد الأوروبي نسوا أحداث القرن العشرين؟ حربان عالميتان, ملايين الوفيات وقارة تحولت إلى ميدان معركة. لقد تولت المملكة المتحدة القيادة عندما تعلق الأمر بهزيمة أدولف هتلر.

إن أوروبا ليست بروكسل فقط. أوروبا هي المحاولة الناجحة للتعلم من القرن الماضي وترك الويلات والحروب وراءها. لقد كوّنا مجتمعاً فريداً, وتحالفاً للدول الراغبة, تحالف حيث يعمل من كانوا أعداء في السابق سوياً بصورة سلمية. هل يريد البريطانيون المجازفة بتدمير كل هذا, أم يريدون محاولة تحسين العمليات التي تحكم تعاوننا؟

لم تكن المملكة المتحدة عضواً متحمساً في النادي الأوروبي. مع هذا, التاريخ البريطاني مرتبط بالقارة بشكل غير قابل للنقض. كما يكتب المؤرخ بريندان سيمز في كتابه المنشور حديثاً, “أوروبا بالنسبة لبريطانيا”, كانت أوروبا دائماً تقريباً مهمة لبريطانيا أكثر من بقية العالم. خدمت الإمبراطورية البريطانية بشكل رئيسي المصالح الإستراتجية بناءً على توازن القوة في القارة: ضد أسبانيا في القرنين 16 و17؛ لاحقاً ضد فرنسا وروسيا القيصرية؛ وضد ألمانيا النازية في القرن 20.

أوروبا صنعت بريطانيا وبريطانيا صنعت أوروبا. إن مغادرة القارة جغرافياً ليس خياراً. مع الأسف. وحتى إذا كان البريطانيون شركاء أوروبيين غير مريحين في بعض الأوقات, إلا إنهم غير قابلين للإستبدال – ولا يزالون أوروبيون. لديهم الكثير ليخسروه إذا ابتعدوا عن أوروبا, لكن لديهم أكثر بكثير ليربحوه إذا قرروا البقاء. إنهم يحتاجوننا تماماً مثلما نحتاجهم.

في حالة إذا كان بعض البريطانيين قد فاتهم هذا, الإستفتاء لا يحدث في وقت بسيط. إن أزمة اللاجئين والحرب في سوريا تهز ثقة أوروبا في نفسها بينما يعزز الشعبويون والمتطرفون أوضاعهم ويظهر المستبدون في المحيط الخارجي لأوروبا. على الصعيد الإقتصادي, تواجه القارة خصوماً في آسيا – أولهم الصين –بينما في جنوب أوروبا علينا أن نجد طريقة للحد من بطالة الشباب بصورة كبيرة.

آخر شيء نحتاجه نحن الألمان, نحن الأوروبيون هو الإنفصال الفوضوي عن بريطانيا. بدون بريطانيا, لا تكون أوروبا غير عملية فقط, إنها تكون بلا معنى. لكن من أين تأتي المرارة والتطلع لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي؟

إن معركة مناصري الخروج من الإتحاد الأوروبي تهيمن عليها الرغبة في عودة إنجلترا إلى سابق مجدها. تقول الملصقات: “نحن نريد إستعادة بلدنا.”

يتفق مايكل جوف, وزير الدولة للعدالة وأحد المناصرين لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي بجانب بوريس جونسون, “دعونا نستعيد بلدنا.” يتعلق الأمر بالدولة والهوية – وتعيين الحدود. إنهم يجادلون إنه لا ينبغي أن تربط بريطانيا ثرواتها بقارة غارقة. بدلاً من هذا, يجب أن تكسر الدولة روابطها وتعود إلى العالم بشكل عام, وإلى الكومنولث وما وراءه.  

يختبئ ألم وهمي داخل النقاش. تبقى المقولة الشهيرة من عام 1962 لوزير الخارجية الأمريكي دين أتشيسون سارية: ” بريطانيا العظمى فقدت إمبراطورية ولم تعثر بعد على دور.”

يرسم مناصرو الخروج من الإتحاد الأوروبي صورة لدولة محاصرة غارقة في أزمة, ثم يشعلون المخاوف من المزيد من الإنحدار. هذا أيضاً يُعد تقليداً في بريطانيا. إن الخوف المستمر من الإنحدار عذّب وأثقل على الروح الإنجليزية منذ منتصف القرن الخامس عشر, عندما خسرت إنجلترا فرنسا, زعماً لأن البريطانيين أصبحوا ضعفاء, وكانوا منقسمين في الداخل ويعانون تحت حكم ملكي ضعيف. إن عقدة النقص تُعتبر أيضاً جزء من إنجلترا.

جزئياً بسبب الخوف وجزئياً بسبب الغضب, يشن معكسر تأييد الخروج من الإتحاد الأوروبي حرباً على القوى الموجودة في بروكسل, وعلى خسارة تقرير المصير في أوروبا الموحدة وعلى “الهجرة غير المنظمة” في بلدهم. إنها حملة “نحن ضدهم.” أصبحت المعركة قذرة قدر المستطاع ف بلد شكسبير, حيث تُصور المعارك السياسية كحروب و, في النهاية, يُغطى المسرح بالجثث. لقد حوّل جوف وجونسون الإستفتاء إلى إستفاء ضد المهاجرين, وضد الأوروبيين الشرقيين والأتراك. تلك العناصر جعلت حملة المعكسر المؤيد للخروج معادية لأوروبا أكثر مما كانت.

إن الشخصية المركزية في معسكر البقاء هي أيضاً عقبته الأكبر. لسنوات, عمل ديفيد كاميرون كأكثر متشكك من المتشككين البريطانيين في الإتحاد الأوروبي. إنه شخص تكتيكي, وليس إستراتيجي, ووعد بأن يعقد الإستفتاء لإنه يريد أن يُعاد إنتخابه. إن تحوله إلى مناصر للإتحاد الأوروبي لم يكن موثوقاً به ابداً, والناخبون لاحظوا ذلك. الوضع ليس مختلفاً مع قائد حزب العمال جيرمي كوربين: هو أيضاً أوروبي مفتقر للحماسة.

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!