“ورثة ” الفسطاطين


 

فؤاد خشيش

لم يكن  لأي كان ان يتصور ان الامور ستؤول الى ما آلت اليه .

لكن القارىء النبيه المتابع للتطورات التي حصلت بعد الدخول السوفياتي الى افغانستان وقيام المنظومة العسكرية الاميركية وبدعم مالي خليجي لجماعات حركة ” طالبان ” وتقديم السلاح المتطور ضد الطائرات السوفياتية العسكرية   التي لم تعد تمتلك قدرة التحليق فوق الاراضي الافغانية كما يحلو لها ، اي ان دخول هذا السلاح لعب دوراً كبيراً في هزيمة السوفيات انذاك والامثلة لا تعد ولا تحصى، وخرخ الجيس السوفياتي مهزوماً من تلك ” المقبرة” التي لم يكن يتوقعها احد .

برزت “طالبان” كلاعب اساس وتطورت وانتشرت بشكل مخيف شهد العالم ما قامت به من احكام قاسية طالت البشر والحجر، وخرج الشيخ اسامة بن لادن ليعلن انشاء تنظيم القاعدة  ، ومهمة هذا التنظيم بحسب البلاغات النارية التي كانت يطلقها الشيخ اقامة ” الدولة الاسلامية ” التي طال انتظارها ، والعالم امام ” فسطاطين” : الخير والشر/ اما نحن اما انتم/ في رسالة واضحة الى الغرب، والاَ انتظروا ..

تمدد التنظيم كالنار في الهشيم  الى مختلف اصقاع المعمورة مستفيداً من الخلافات العربية الايرانية ، وكانت البيئة الحاضنة ، وكانت الحرب  على العراق تلك الحرب التي مهدت للسقوط المزري لما كان يسمى  النظام العربي وهو بالاساس كان مشلولاً لا قدرة لدوله على القيام بأي حراك سوى بيانات الادانة.

لعيت مواقع التواصل الاجتماعي دورها، وكانت قناة الجزيرة ” الوكيل الحصري” لخطابات بن لادن وهي المنبر الاعلامي الضخم يملك من الامكانيات الضخمة التي مكنته من دخول كل بيت ، وكان الحوار مع ” الآخر” اي العدو الاسرائيلي حتى اعتبره البعض من البديهيات .

جاء ماسمي الربيع العربي، والحديث هنا يطول، وجاء الدمار والتدمير الممنهج،  وجيء بالجهاديين من مختلف بقاع الارض  ولعبت تركيا وقطر والسعودية الدور الرئيسي في التمويل والتدريب ونقل الارهابيين على اعتبار انهم “جهاديون ” لاقامة الخليفة في بلاد الرافدين وفي بلاد الامويين .. انه الانتقام التاريخي ، انها لعبة الثأر.

دخلت روسيا بعديدها وعتادها ، صوبت البوصلة ، رفع الرئيس الروسي البطاقة الحمراء في وحه الغرب ودول الخليج وتركيا ، فرضت العقوبات من الخاصرة الرخوة ، اوكرانيا، بعد ضم القرم وحرب المناطق الشرقية ، انخفض سعر النفط، عادت ايران الى موقعها ” الطبيعي”، فرضت حرب اليمن ، تشتت  الاصدقاء” ، عادت روسيا محجة للحوار  ولكن على طريقة العصا والجزرة، خرج ” الجهاديون بعد الضربات المتتالية الى بلاد الله الواسعة..

باريس، بلجيكا، قلب الولايات المتحدة ، السعودية، تركيا ، الانفجارات تتوالى ، الدم يسيل في عواصم القرار، ويأتي الاعلان المباشر من “داعش” التنظيم الاكثر دموية وربيب القاعدة ” الامر لي: قتلاً ، ذبحاً ، اغتصاب ، تفجيرات في كل مكان، بيع النساء .. العالم امام نمط آخر من العادات والتقاليد : هجرة غير مسبوقة الى الغرب، امراض ،وجهاديون من مختلف الجنسيات .. سقط مفهوم الحريات والعدالة والاخوة ، اليوم منطق اخر للتاريخ : الموت في كل الاماكن ، والعنصرية تفح روائحها في كل العواصم .

الخفي في السياسة بشكل عام وخصوصا في الشرق الأوسط قد يكون أكبر وأخطر من المُعلن، وخصوصا إن تعلق الأمر بسياسات الدول الكبرى في المنطقة، لأن السياسة تقوم على المصالح، والمصالح متضاربة ولا تؤسَس دائما على الحق والأخلاق، ولأنه في الشرق الأوسط يتداخل الدين مع السياسة مع الاقتصاد، والماضي مع الحاضر، والحقائق مع الأساطير، والجهل والتخلف مع حداثة مشوهة…لذا فإن أي محلل سياسي لما يجري في المنطقة عليه ألا يعتمد على التقارير والتصريحات الرسمية المًعلنة فقط، بل عليه تحليل الوقائع والأحداث واستحضار التاريخ وقراءة ما بين السطور والربط ما بين الأمور حتى وإن بدت بالنسبة للإنسان العادي غير مترابطة؟

في “مؤتمر حول المخابرات” نظمته جامعة جورج واشنطن في 27 أكتوبر العام 2015 تحدث كل من مدير المخابرات الفرنسية برنار باجوليه ومدير الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان عما يجري في الشرق الأوسط وتوصلا لنتيجة أن الشرق الأوسط لن يعود كما كان، وان دولا ستتفكك ويتم إعادة بنائها من جديد.

مدير المخابرات الفرنسية قال إن شرق أوسط جديداً يتشكل ستكون حدوده “مختلفة عن تلك التي رسمت بعد الحرب العالمية الثانية”، نفس الفكرة أكد عليها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية قائلاً: إن “الشرق الأوسط الذي نعرفه انتهى وأشكُّ بأن يعود مجدداً”.

أليست هذه الحصيلة والنتيجة هي جوهر مشروع الشرق الأوسط الجديد وسياسة الفوضى الخلاقة التي بشرت بها كونداليزا رايس منذ عام 2004 وقبل أن يبدأ ما أطلقت عليه واشنطن اسم “الربيع العربي”؟

هل يعني ذلك أن أميركا وأوروبا بحاجة لدم يسيل في شوارعها ونواديها حتى تعرف خطر “داعش”؟ في السياسة، نعم! وفي السياسة، أيضاً، أميركا كانت قادرة على القضاء على التنظيم باكراً. كن، في السياسة، أمريكا وأوروبا لا تريدان ذلك.

هي بحاجة لداعش وأمثاله، كما هي بحاجة لنسبة من البطالة في اقتصادها، رغم قدرتها على تحقيق التشغيل الكامل لليد العاملة فيها.

لا شك ان المجزرة التي نفذها مؤخرا مسلح داخل ملهى للمثليين، وأدت إلى مقتل أكثر من 50 شخصا في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا تساؤلا حول ما ينبغي فعله حيال الهجمات التي على هذه الشاكلة. لكن قبل ذلك لا بد من الإجابة على سؤال أساسي أهم: أكان هذا عملا إجراميًّا أم عملا من أعمال الحرب؟ الإجابة على هذا السؤال هي السبيل إلى تحديد الاستجابة الملائمة.

فبعد الهجوم في مدينة أورلاندو الأمريكية، وقع عمل إرهابي في باريس. وعلى خلفية هذه الفوضى، يحاول الديمقراطيون تمرير مشروع قانون في الكونغرس بشأن الرقابة على بيع الأسلحة. في حين أن المرشح الجمهوري دونالد ترامب دعا من جديد إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وهو بذلك يضع الحطب في موقد رهاب الإسلام.

تفيد وكالة رويترز، بأن نتائج استطلاع أجراه “pew Research Center” في عشرة بلدان أوروبية، أظهرت أن “داعش” برأي سكان هذه البلدان يشكل الخطر الأساس عليهم. وأن أزمة المهاجرين وعدم الاستقرار الاقتصادي ومشكلة التغيرات المناخية تراجعت إلى المرتبة الثانية. وقد نشرت نتائج هذا الاستطلاع بعد مضي يوم على مأساة مدينة أورلاندو،  على يد عمر متين (الأمريكي من أصل أفغاني)، الذي أعلن ولاءه لـ “داعش”.

 

في هذا السياق، يرى المحلل الاستراتيجي الأميركي والخبير في شؤون التحليلات الجيوسياسية والاستخباراتية جورج فريدمان، في تحليل له نشرته مؤسسة “جيوبوليتيكال فيوتشرز” الأميركية، أنه عند التصدي للإرهاب، يجب على الولايات المتحدة أن تُقرر ما إذا كانت في حالة حرب أم لا، وإن كانت في حرب فمَن العدو؟.

يرى فريدمان في تحليله أنه لو كانت هذه أعمالا إجرامية، فلا بد إذن من معاقبة المجرمين على أفعالهم، ولو كانت هذه أعمال حرب، فلا بد من العثور على قوات العدو وتدميرها، لا استنادًا إلى ما فعلوه أو لم يفعلوه، بل من أجل تدمير العدو قبل أن يتمكن من توجيه ضربته من جديد.

وماذا بعد ؟ على واشنطن واوروبا ان تعيدا صياغة علاقاتهما مع الدول ومع المجتمعات والاستحقاقات التاريخية والانسانية والا : المزيد من الدم وهذا ما يعدنا به ورثة ” الفسطاطين”.

 

 

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!