لماذا تصاعدت ظاهرة إغلاق القنوات الفضائية في بعض دول الإقليم؟


يبدو أن نمط إغلاق القنوات الفضائية بات سائدًا في دول عديدة بالإقليم، كوسيلة لضبط المحتوى الإعلامي في بعض القنوات الذي أثار أزمات عديدة داخلية وإقليمية في بعض الأحيان، أو لمواجهة عدم التزامها بالإجراءات القانونية المتمثلة في الحصول على التراخيص اللازمة لحقوق البث أو الوفاء بالالتزامات المالية للجهات المختصة. وقد تزايد اللجوء لهذا النمط من التعامل في ظل استقطاب سياسي وديني حاد تشهده المنطقة منذ اندلاع الثورات والاحتجاجات العربية عام 2011، فيما لم يقتصر ذلك النمط من التعامل مع وسائل الإعلام المرئية على دول الثورات العربية، بل انتقل إلى دول أخرى في الإقليم لم تشهد ثورات أو اضطرابات سياسية كبرى.

خطوات متعددة

خلال السنوات الخمس الماضية، بدأت الأجهزة الرسمية المعنية بمراقبة وسائل الإعلام في عدد من دول الإقليم، في تبني آليات عديدة للتعامل معها وتقنين أوضاعها ابتداء بالتهديد بإغلاق القنوات، وسحب التراخيص إن وجدت، مرورًا بوقف بعض البرامج، وحظر ظهور بعض الإعلاميين مؤقتًا أو بصفة دائمة، وانتهاءً بإغلاق القنوات الفضائية، أو التشويش عليها. وقد كان آخر هذه المحاولات ما شهده الإعلام الجزائري من جدل حول بدء السلطات الجزائرية، في مايو 2016، إغلاق مكاتب 50 قناة فضائية عاملة في البلاد بدعوى أنها لا تملك تصاريح للعمل، وذلك ضمن خطة لوزارة الإعلام تهدف إلى ما أسمته “تطهير وسائل الإعلام وإنهاء حالة الفوضى”.

كما اتخذت السلطات العراقية خطوة مماثلة بإغلاق 12 قناة تلفزيونية عراقية وعربية‏ في يناير 2015. وقامت السلطات المصرية، في يوليو 2013، بإغلاق بعض القنوات الدينية بسبب تحريضها على العنف. واتخذت هيئة الإعلام المرئي والمسموع الأردنية قرارًا بإغلاق 6 قنوات فضائية من بينها قناة “اليرموك” المقربة من جماعة الإخوان المسلمين في أغسطس 2015.

دلالات مختلفة

ويطرح هذا الاتجاه الذي بدأ يظهر خلال السنوات الأخيرة دلالات عديدة: تتمثل الأولى، في أن قرارات وقف بث أو إغلاق القنوات الفضائية لا تعود إلى اعتبارات سياسية فقط، وإنما تعود أيضًا إلى عوامل أخرى على غرار تقنين أوضاع واقع القنوات الفضائية في كثير من الدول، حيث تعمل عشرات القنوات من دون ترخيص، ولا تلتزم بسداد التزاماتها المالية تجاه الأجهزة المعنية في كل دولة، وهو ما يبدو جليًا من خلال إغلاق قنوات المسابقات التليفونية، والمنوعات والأغاني، والمسلسلات في عدد من الدول، مثل مصر والأردن، والجزائر.

ويتمثل أحد أبرز الاتهامات الموجهة للقنوات التي تم إغلاقها أو وقف بثها في إثارة الفتن، والحض على العنف، الذي يمثل أحد تداعيات حالة الاستقطاب السياسي والديني التي سادت في بعض دول المنطقة في أعقاب اندلاع الثورات والاحتجاجات العربية، فكانت الحالات الأبرز في سوريا ومصر وليبيا وتونس، غير أن ذلك لم يمنع إغلاق قنوات أخرى للسبب نفسه في كل من الأردن، والعراق، وإيران التي أقدمت على إغلاق عدد من القنوات الشيعية التي تبث من مدينة “قم”، على غرار قناة “أهل البيت” التي نقلت بثها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أكد المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، في تصريح له في أغسطس 2014، على أنها “تتسبب في الضرر بالوحدة الإسلامية وتعمل علي تأجيج الخلافات بين السنة والشيعة في إيران وحتى خارج البلاد”، وهو ما يتناقض مع الخطاب العام الذي تتبناه وسائل الإعلام الإيرانية، الرسمية وغير الرسمية، والتي تحولت إلى أطراف رئيسية في الحض على العنف والصراع الطائفي بسبب تناولها للأحداث والتطورات التي تشهدها المنطقة، بما يؤشر إلى أن هذه الخطوة لا تعكس السياسة التي تتبعها إيران في التعامل مع أزمات وتطورات المنطقة، وتستخدم وسائل الإعلام في التعبير عنها.

وتتعلق الثانية، برد فعل المؤسسات الحقوقية المعنية بحرية التعبير والصحافة، والتي تتبنى سياسة مناهضة للتفرقة بين إجراءات تقنين وسائل الإعلام، ومحاولات تقييدها. إذ أن إجراءات التقنين غالبًا ما تواجه بنقد واسع مماثل لذلك النقد الذي تواجهه محاولات التقييد، وهو ما من شأنه تعطيل عملية التقنين، في ظل فوضى إعلامية تسود المشهد الإعلامي في كثير من دول المنطقة خلال السنوات الماضية.

وتنصرف الثالثة، إلى غياب مواثيق الشرف الإعلامي في عدد من دول المنطقة، لا سيما التي تمر بمراحل انتقالية بعد الثورات وتلك التي لا تزال تعيش مرحلة الفوضى السياسية، وقد ساهم ذلك بشكل كبير في تراجع المحتوى الإعلامي واندلاع أزمات عديدة بسبب وسائل الإعلام، الأمر الذي تطلب، في كثير من الأحيان، تدخل الجهات الرقابية الرسمية لوقف برنامج ما أو إغلاق قناة بعينها، على غرار ما حدث مع برنامج “صبايا الخير” على قناة “النهار” المصرية، الذي تم وقفه في أكتوبر 2015، على خلفية أزمة اختلقتها مقدمة البرنامج بعرضها صور شخصية لإحدى الفتيات، قبل أن يعود بعد ذلك بستة أشهر، وكذلك برنامج “عندي ما نقلك” على قناة “التونسية”، الذي تم إيقافه لمدة شهر في مارس 2014، بسبب بث حلقة تتعلق بإثبات نسب.

وترتبط الرابعة، باتخاذ بعض محاولات تقييد القنوات الفضائية أبعادًا ترتبط باتجاهات السياسة الخارجية لبعض الدول، على غرار الإجراءات التي اتخذتها السلطات التركية بالتشويش على القنوات الموالية للنظام السوري، في مقابل دعمها لعدد من القنوات الخاصة بقوى المعارضة السورية، واستضافتها لعدد من القنوات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية على أراضيها لمواصلة نشاطها.

ويمكن القول في النهاية، إن الأزمات العديدة التي سببتها وسائل الإعلام في بعض دول المنطقة أكسبت الدعوة لضرورة وضع ميثاق شرف إعلامي لضبط المحتوى الإعلامي وتقنين أوضاع القنوات الفضائية تحديدًا، أهمية ووجاهة خاصة، بهدف تجنب تداعيات تلك الأزمات خلال المرحلة القادمة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!