كيف يمكن فهم تشابكات الأزمة الليبية


كرر الرئيس الأمريكي باراك أوباما إعترافه بأنه لا يزال يعتبر التدخل العسكري في ليبيا واحداً من أكبر أخطائه في الشئون الخارجية, عندما تحدث يوم 1 يونيو في إلخارت, إنديانا. مع ذلك, في هذه المرة ذكر نقص المعلومات بينما في السابق كان يرى خطأه في الفشل في إقامة حكومة مستقرة وليس في دوره في الإطاحة بالقذافي. قال الرئيس الأمريكي إنه في بعض الأحيان يكون على الرئيس إتخاذ قرارات “مبنية على الإفتراضات فقط” وليس على معلومات دقيقة.

إن الرئيس الأمريكي تائه في أدلته في أكثر الأحيان. في الواقع, كان واضحاً أن سبب الإطاحة بالقذافي لم يكن ولعه بطرق الحكم الديكتاتورية, كما ذُكر, ولم يكن بسبب قمعه للثوار في إقليم طرابلس (الولايات المتحدة لديها حلفاء كثيرين لا يلبون المعايير الأساسية للديموقراطية), ولكنه كان المسار المستقل لسياسته الخارجية ومحاولاته لتحرير القارة الأفريقية بأكملها من سيطرة واشنطن, وهو ما ظهر بوضوح في خطته لإنشاء الدينار الذهبي الأفريقي. في نفس الوقت, استهلكت البنوك الغربية ودائعها في حساباتها في ليبيا.

لقد كانت سيادة وإستقلالية قرارات نظام صدام حسين هي ما أدت بالولايات المتحدة إلى قيادة هجوم مباشر عليه, والآن الرئيس السوري بشار الأسد هو هدف الولايات المتحدة وحلفاءها, وخاصة تركيا وقطر حيث يحاولان إسقاطه بأي طريقة ممكنة.

إن سياسة الإدارة الحالية بخصوص ليبيا تخدم كإثبات على إحتيال أوباما. بالتأكيد, الولايات المتحدة لا تقصف ليبيا مباشرة. إنهم يحاولون, بإستخدام وكلاء, أن يتمموا المهمة التي أخفقت واشنطن في إتمامها في 2011, ألا وهي, إقامة حكومة موالية للغرب في ليبيا والتي ستوفر للشركات الأمريكية حق الحصول على الموارد النفطية والثروات التي لا تعد ولا تحصى في خزانة القذافي (حوالي 2 تريليون دولار أمريكي) في صورة ودائع في دول مختلفة والتي حكوماتها مستعدة لتحويل الأموال فقط إلى حكومة شرعية. 

الآن, الغاية ليست إنجاز هذا الهدف بإستخدام الأسلحة, وإنما بإستخدام نظام علاقات الحلفاء مع الدول الأوروبية الغربية والدول التي تحيط بليبيا: وبالتحديد, المغرب والسعودية, تحت ستار تفويض من الأمم المتحدة.

أوكلت هذه المهمة إلى أمريكا من الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة والدبلوماسي الألماني, مارتن كوبلر.

بمساعدة المغرب, نجح في الوصول إلى ما يُدعى بإتفاقية الصخيرات في 17 ديسمبر. تنظر الوثيقة في تأييد رئيس حكومة الوفاق الوطني الدمية الغربية فايز السراج, وتضمن المجلس مواطنين من المغرب, وتركيا, والمملكة المتحدة, وفرنسا وإيطاليا, أو العملاء الغربيين ذوي النفوذ, وخاصة من الإخوان المسلمين.

ظهرت التعقيدات لاحقاً. رفض مجلس النواب الليبي الشرعي تحت قيادة عقيلة صالح في طبرق الموافقة على تشكيل الحكومة الليبية التي تم الإتفاق عليها في الصخيرات. أحد الأسباب هو حقيقة أن هذه الحكومة لم تشمل اللواء خليفة حفتر, أحد المقاتلين الرئيسيين ضد المتطرفين الإسلاميين ويسيطر على إقليم طرابلس بالكامل, بما في ذلك حقول النفط الرئيسية به.

هنا بدأ الضغط الأكبر على أعضاء مجلس النواب. بدون الحصول على تفويض, انتقل فايز السراج وحكومته إلى طرابلس في 30 مارس بمساعدة الغرب وأقام قاعدة عسكرية. منذ ذلك الحين فصاعداً, بدأت عملية شراء دعم النواب. والأكثر من ذلك, سارع السراج بإعلان تشكيل الحكومة بدون مشاركة من مؤيدي حفتر.

اليوم, 98 نائب برلماني يدعمون السراج, و67 يدعمون حفتر. من أجل كسر مقاومة مؤيدي حفتر, يحتاج السراج لربح 134 صوت برلماني, لكنه لم ينجح في فعل ذلك حتى الآن. بالتالي, اتخذ إجراءات بائسة: الخداع الصريح, مؤكداً للجميع (ببعض النجاح) إنه يحظى بالدعم اللازم ونتيجة لهذا حصل (بدعم من السعودية) على موافقة جامعة الدول العربية على حكومته في أواخر شهر مايو. حتى مصر, التي تعتبر اللواء حفتر شخصية قوية والقائد المستقبلي لليبيا وتمنحه دعمها النشط, كان عليها الإستسلام للضغوط.

في الواقع, لكي تحصل الحكومة على السلطة الشرعية, يجب أن يتبنى البرلمان قرار نقل السلطة إليها, ثم تأكيدها كسلطة تنفيذية شرعية. مع ذلك, حتى الآن لم يحصل السراج على أصوات كافية.

مع هذا, توجد محاولات مستمرة وراء الكواليس من الغرب وحلفاءه الإقليميين لإمالة اللواء حفتر إلى جانبهم, عن طريق الموافقة (رسمياً) على شرطه بتعيينه رئيساً للقوات المسلحة الليبية. توجد خيارات أخرى قيد الدراسة, والتي تتضمن نقل منصب رئيس الدولة إلى عقيلة صالح (لكن بدون السلطة اللازمة). من الغريب إنه حتى وقت قريب جعل الإعلام الغربي حياته بائسة, حيث صوره على إنه “مُفسد” عملية السلام في ليبيا وحاول فصله عن النواب الآخرين في مجلس النواب في طبرق. على الرغم من هذا, كانت هذه المناورات تهدف بشكل واضح إلى إخضاع اللواء ومؤيديه الذين يدعمون ظاهرياً ليبيا موالية للعلمانية وذات سيادة وفقاً لإرادة القوى الغربية.

بسبب فهمهم للوضع العسكري القوي الذي يحظى به حفتر, كانوا – وخاصة الولايات المتحدة – يدفعون حلفاءهم في الرياض في الأسابيع الأخيرة لإتخاذ موقف الوسيط وضمان التوصل لتسوية بين فايز السراج وعقيلة صالح, الحليف الرئيسي للواء. في 25-27 مايو, كان رئيس الحكومة ورئيس البرلمان في جدة حيث شاركا في المحادثات مع القيادة السعودية.

الآن, حتى الفرنسيون, الذين كانوا في السابق ضمن من أعلنوا أن حفتر يفسد عملية التنظيم السياسي, يتقربون منه.

في ظل هذه الظروف, ماذا يبنغي على روسيا أن تفعل بصفتها مؤيد رسمي لإتفاقيات الصخيرات؟ – على ما يبدو, تساعد حفتر في الإنضمام للحكومة بشروط مناسبة لما تسمح به نجاحاته العسكرية. إن مؤيدي السراج ليس لديهم مكان يذهبوا إليه. حفتر فقط يمكنه أن ينافس وباء داعش الذي ينتشر مثل السرطان من سرت, حيث حظى بموطئ قدم بفضل دعم أردوغان وقطر. في 5 مايو, استولى الجهاديون على أبو قرين, الواقعة 130 كيلومتر غرب سرت.

من المهم أن نفهم أن إنتصار اللواء حفتر ومؤيديه في اللعبة السياسية الكبرى سيكون إنتصاراً لروسيا لأن هذه الشخصية الوطنية العلمانية هي من يمكنها أن تكون عقبة رئيسية في طريق داعش, وأيضاً خطط البيت الأبيض لإستغلال موارد ليبيا لمنفعة واشنطن, وبالتالي تستخدم النفط الليبي لمساعدة تحرير روسيا من قبضة سوق الهيدروكربون الأوروبية.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!