محاولات تدمير الليرة السورية… عودة مشروع الفوضى الخلاقة من بوابة الاقتصاد


فادي نصار

 

 

المستعمر الذي نهب ثروات أميركا اللاتينية والكاريبي، وتسبب بالمجاعات في أفريقيا وغيرها من مناطق العالم، هو ذاته وان كان بقناع جديد، واسمه “صندوق النقد الدولي”، وبأدوات عربية ومحلية أكثر خبثاً وقوةً من سابقاتها، وبوصفات أكثر دموية (ذات الوصفات كانت قد أُعدت للبرازيل، ورفضها الرئيس لولا دا سيلفا، الذي وصل باقتصاد بلاده إلى سادس إقتصاد في العالم، بعد أربع سنوات فقط من محاولة تدخل صندوق النقد، واليوم تكرر المحاولة في البرازيل عبر جلب الرئيس ميشيل تامر بانقلاب ممول أميركياً).

خلال خمس سنوات مضت، عملت معظم دول العالم، على إخضاع النظام السوري، سواء من خلال إرسال أعداد هائلة من الإرهابيين، أم من خلال الضخ المادي (أسلحة، عتاد، أموال….الخ)، والإعلامي (أعلن الكثير من قادة الدول، ومنهم الرئيس الأميركي باراك اوباما مراراً أن أيام الأسد معدودة) نهبوا المدن الصناعية، آبار البترول، مخازن الحبوب والقطن، وأحرقوا المحاصيل الزراعية، في محاولات منهم لإضعاف الاقتصاد السوري وتحويله إلى تابع، وإغراق البلد في فوضى لا تنتهي، كما حدث معهم خلال نشرهم للحرية في (العراق، ليبيا واليمن)، وقبلها في جمهوريات الموز والبلدان الافريقية المدمرة إقتصادياً (الصومال، مالي، السودان وزيمبابوي)،

محاولاتهم هذه أثرت على الإقتصاد السوري إلا أنها لم تدمره، أرهقت الليرة السورية ولكنها لم تكسرها، فلماذا؟ وكيف تدمر سوريا إقتصادياً؟

خطوات احترازية كانت مطلوبة

أثرت الحرب المندلعة على كامل مساحة الارض السورية، منذ 2011 بشكل بالغ السلبية على الاقتصاد السوري، الذي يعتبر من الإقتصادات النامية، التي تعتمد بنسبة عالية على الصادرات الزراعية، وعائدات السياحة، وبنسبة أقل على قطاع البترول، حيث بلغت نسبة الانكماش الاقتصادي حوالي 20 بالمئة. حاولت الحكومة السورية اتخاذ اجراءات وقرارت واصدار تشريعات جديدة للحد من تأثيرات الحرب على الليرة السورية، وفي هذا المجال يرى الخبير الاقتصادي المطلع على الشأن السوري في حديث لـ “الاعمار والاقتصاد” أنه “مثلما تلعب آليات وقوانين اقتصاد الحرب، دوراً أساسياً في الانهيار المالي لأي بلد، فهي يمكن أن تكون أيضاً عاملا مساعدا في الصمود”، وأضاف “هناك خطوات كانت ربما ستحد من الانهيار الحاصل اليوم في قيمة الليرة السورية: مثلا كان يمكن ان تطبع الدولة مع بداية الحرب أوراق نقدية جديدة، تضخها في السوق، وتتحكم بها طالما كانت تضع يدها على الاراضي السورية كلها، وتقوم بضبط عمليات المضاربة داخل وخارج سوريا، وذلك من خلال قوانين وتشريعات يصدرها مصرف سوريا المركزي، كما أنه كان بإمكان الدولة أن تستبدل الاموال بالاشياء المادية (تمنح بطاقات للناس يستبدلونها بمواد غذائية وغيرها)، وبالتالي تحد من تسرب قسم من العملة السورية”.

الدور التركي

فرضت دول الاتحاد الاوروبي، ومعها الولايات المتحدة وكندا واستراليا ودولاً أخرى، بما في ذلك جامعة الدول العربية، منذ بداية الأزمة السورية عقوبات شديدة على سوريا، في محاولات عديدة وحثيثة لإركاع النظام الرسمي السوري، وعملت بالتنسيق مع الميليشيات المعارضة على تدمير البنى التحتية في البلاد تدميراً ممنهجاً، وكانت تركيا في مقدمة تلك الدول، إذ وجهت حلفاءها إلى التعامل بالعملة التركية كبديل للعملة السورية في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وخصوصا في شمال سوريا، فقد استملك الاتراك كل المصانع التي فككها “داعش” الإرهابي، والتنظيمات المعارضة الأخرى، ووجدت المافيات السورية، واللصوص الذين نهبوا مخازن القمح والقطن والسكر وحتى حفارات آبار النفط، أسواقاً تركية مفتوحة أمامهم، واتبعوا سياسة دقيقة لتدمير الاقتصاد السوري كان مهندسها، الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وارتفع معدل التضخم في العام 2013 بشكل جنوني حتى وصل إلى 90 بالمئة، ما أدى لانخفاض حاد في القوة الشرائية لليرة السورية أمام الدولار، إذ ارتفع من خمسين ليرة (استمر هذا السعر يتراوح بين 48 إلى 51 ليرة خلال فترة عشرين عاما منذ بداية التسعينيات وحتى نهاية عام 2010) إلى أكثر من 300 ليرة لكل دولار، ليصل حالياً إلى أكثر من 600 ليرة للدولار الواحد.

رغم كل الحملات الدعائية والاخبار الكاذبة عن انهيار الاقتصاد السوري وقرب سقوط النظام، الا أن الليرة السورية قاومت لمدة عامين دون أن تحدث تغيرات واضحة على سعر الليرة (لم يتجاوز سعر صرف الدولار خلال أول عامين من الازمة الــ100 ليرة سورية)، ويعود الفضل في ثباتها إلى عدة اسباب اهمها، صمود التجار السوريين، وخصوصا في دمشق وحلب ، ورفضهم وقف استثماراتهم في البلاد، فضلا عن الاموال الآتية من الخارج، سواء من المغتربين السوريين ام من حكومات بلدان صديقة مثل (فنزويلا، الصين، ايران وغيرها).

مصرف سوريا المركزي

يسجل لــــ “مصرف سوريا المركزي” الثبات النسبي لقيمة الليرة السورية قبل بداية الحرب، عبر أدائه الذي تميز بالسعى إلى الوصول إلى توازن بين واردات سورية من القطع الأجنبي، عبر عائدات تصدير النفط وبعض المواد الأولية، وإيرادات قطاع السياحة، وصادرات القطاع الخاص، وتحويلات المقيمين في الخارج وغيرها، وبين القطع الأجنبي الخارج من البلد لتسديد قيمة كل ما يستورد من الخارج، سواء كان بتمويل من القطاع العام أو الخاص. فقد نجح المصرف ذاته وخلال ستة اعوام (2004 -2010)، في زيادة احتياط العملة الأجنبية ليقارب خمسة بلايين دولار عام 2010.

ومع انطلاق شرارة الحرب، أصبح المصرف المركزي والليرة السورية، في مرحلة الترنح، ومن ثم انتقل إلى مرحلة الخطر، وذلك يعود إلى اسباب عدة، اهمها:

التكاليف الباهظة للحرب الشرسة التي يشنها النظام على الفصائل الارهابية، الممولة من الخارج، والمنتشرة على كل الأراضي السورية، حيث صرفَ فيها النظام مليارات الدولارات، أضف إلى ذلك تعرض المصانع والمدن الصناعية للقصف والنهب (في حلب وحدها سجل سرقة 1300 معملا ومنشأة، كذلك تم نهب حفارات آبار البترول ومعدات الاستخراج ومصافي تكرير النفط وبيعها إلى تركيا)، ما أدى إلى توقف الإنتاج وتصدع العمود الفقري للاقتصاد السوري المتمثل بالصناعة واستخراج النفط، ولعب انخفاض ناتج الزراعة بسبب تقطع أوصال البلاد بين النظام و”داعش” والمعارضة، دوراً مهماً، ناهيك عن شلل قطاع السياحة بأكمله (عدا السياحة الدينية)، كنتيجة حتمية لفقدان الأمان وانتشار عمليات الاختطاف والسرقات العلنية، نعم ان انعدام الامن والامان، أديا إلى هروب رأس المال المحلي والأجنبي من البلاد وتراجع الاسثمارات الأجنبية. وكادت العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، ان توقف عمليات التصدير كلياً، حيث شحت واردات النفط (سيطرت التنظيمات المسلحة المعارضة على معظم

المتاطق التي توجد فيها معظم حقول الغاز والنفط)، على الرغم من أن الاقتصاديين توقعوا أن العقوبات النفطية على سوريا لن تضر بالاقتصاد السوري، ذلك أن الصين والهند يمكن أن تكونا السوق البديل للأسواق الأوروبية. وهما تملكان طاقة استيعابية لهذا النفط تفوق بعشرات المرات قدرة الأسواق الأوروبية، قضلا عن أن سورية تستقبل يوميا نحو 150000 برميل من النفط العراقي، في اشارة واضحة من العراقيين إلى ترابط العلاقات الاستراتيجية مع سوريا.

المستثمر التركي مستاء

استاء المستثمرون، ولاسيما الأتراك، الذين اعتبروا ان حكومتهم بسياستها الغبية ضد سوريا قد دمرت كل ما بنوه خلال السنوات الأخيرة وكبدتهم خسائر مادية هائلة، في ذلك يرى مرجع اقتصادي في حديث لـ “الاعمار والاقتصاد” أن “رجال الأعمال الأتراك، راحوا يتهمون حكومتهم بتدمير ما بنوه من مصالح مع سوريا ومن خلالها مع بقية العالم خلال سبع سنوات من الانفتاح، خصوصا بعد أن اعتقدوا أنه لا يوجد بديل عن استثماراتهم في سوريا، فتبين لهم أن الاستثمارات العراقية جاهزة بسهولة لكي تكون بديلا لاستثماراتهم ما يعني أن ورقة الضغط التركية على سوريا التي كان البعض يعوّل عليها في سلّم الضغوط على سوريا تبين أنها ورقة هشة وضعيفة، ولكن في ظل هذا الضغط المتواصل، تراجع دور “مصرف سوريا المركزي”، فبدأ التوازن الاقتصادي يختل، وانخفضت واردات الدولة من العملة الأجنبية بشكل كبير.

حياة “مدولرة”… وتستمر

استمر انهيار العملة الوطنية خلال سنوات الحرب الخمس، الامر الذي ادى إلى تفاقم الأزمة المعيشية، ففي السنة الرابعة للحرب أصبح الشعب السوري يقبض أوراقا نقدية لا قيمة لها، فيما يشتري كل شيء محسوبا باليورو أو الدولار. مظاهر الفقر الفاقع أصبحت لا تخفى في سوريا، فقد قدّرت الأمم المتحدة، أنه وبنتيجة الأزمة أصبح نصف السكان ضمن دائرة الفقر، في حين أن متوسط الرواتب يقل عن 30 ألف ليرة، أي 60 دولارا شهريا؟ مقابل انه يشتري ويبيع كل شيء بالدولار، في ظاهرة تعارف الناس عليها باسم “دولرة” السوق، وتغير مظهر الحياة، فعلى الرغم من أن القوة الشرائية للّيرة، قد تهاوت وخسر المواطن السوري كل مدخراته بالليرة السورية، إلا ان أسواق المدن الرئيسية السورية ما زالت تشهد نشاطاً اقتصادياً عادياً، وهذا ما أشارت اليه صحيفة “نيويورك تايمز” في عددها ما قبل الأخير، حين قالت: “رغم الوضع الأمني المتأزم في سوريا، فإن الأسواق في المدن السورية ما زالت تعج بالباحثين عن أحدث الأزياء”.

الدولة لاتزال قوية وسقوط المشروع المعادي

ل اأحد يعلم كمية القروض والمساعدات التي قدمتها الدول والهيئات المعادية لمشروع تفتيت سوريا، إلى الحكومة السورية، سواء من خلال اتفاقيات أو خطوط ائتمانية أو بشكل مباشر (الخطوط الائتمانية هي شكل من اشكال القروض التي تقدمها دول صديقة دون شروط سياسية او فوائد، بشرط أن يتم تسديد هذه القروض خلال مدد طويلة الامد)، ويذكر ان الخط الايراني قد تم تجديده في مجال النفط، وتم فتح خط ائتماني روسي، ومؤخراً تم توقيع الإتفاق الروسي – السوري للبحث عن النفط والغاز في الاراضي والمياه السورية، إضافة إلى مشروع اصلاح قطاع الكهرباء والمشاريع الموقعة مع حكومة الصين، كل هذا يدل على أن الدولة السورية

ما تزال قوية اقتصادياً، وعلى الرغم من كل ادعاءات صندوق النقد والدول المعادية لسوريا، الا ان الدولة ثابتة ومستمرة في الادارة المالية داخلياً وخارجياً، وقد أثبتت مصداقية في تعاملها مع الدول الصديقة، كما أنها مستمرة في سياستها مع موظفيها (طوال فترة الازمة لم يحرم موظف حكومي من معاشه، الامر الذي يعني أن لدى الحكومة مؤونة لا يعلم بها أحد).

لقد سقط المشروع المعادي، فالصورة اليوم مختلفة عما كانت عليه في عام 2012، حيث كان النظام محصوراً جغرافياً واقتصاديا في منطقة دمشق والساحل، فيما يعتبر اليوم اكثر ارتياحاً وتمدداً بعد الانتصارات الاخيرة في الميدان، وربما تكون كل التطورات الاقتصادية الأخيرة هي وراء اعلان صندوق النقد الدولي وبعض الدول التي كانت تطمح لاركاع سوريا، عن استعدادها للمشاركة في اعادة اعمار سوريا (أعلن مؤخراً صندوق النقد الدولي أنه مستعد للإشتراك في إعادة إعمار سوريا)، محاولة إركاع سوريا إقتصادياً، ربما أظهرت القوى المعادية لسياسة الاستعمار الجديد والقوى الصديقة للشعب السوري، وكذلك مصرف سوريا المركزي حكمة في ادارة الموقف، أدت إلى ثبات سعر الدولار خلال السنوات الاولى من الحرب، تلك الحرب التي قامت تحت شعار المطالبة بالحرية، والتي تبين منذ أولى ضحاياها أنها سنياريو جديد لمشروع الفوضى الخلاقة لصاحبته السيئة الصيت كوندليزا رايس.

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!