“الجبهة اللبنانية” لا تأخذ بنصائح “خبير استراتيجي”.. فتنطوي “صيغة 43” حرائق المنطقة “المرسومة” منذ 40 عاما: نهاية “داعش” أم يالطا جديدة؟


 

كتب المحرر السياسي:

يقول مسؤول أميركي لضيوفه العرب على هامش أحد المنتديات الدولية مؤخرا أنه غداة رحيل الزعيم العربي جمال عبد الناصر، شهدت دوائر القرار الأميركية مناقشات تمحورت حول كيفية القضاء على فكرة القومية العربية ومنع احيائها أو تجدد الظاهرة الناصرية.

التقت المناقشات عند نقطة مركزية وهي السعي لاخراج مصر من عروبتها أو من العالم العربي باعتبارها مركز الثقل ونقطة جذب المسلمين السنة في العالم العربي، النقطة الثانية، وهي متصلة بالأولى، وتقضي باضعاف دور مرجعية الأزهر وتكريس شرعية الاسلام الوهابي في المساجد والمناهج والجامعات على مــستوى العالم العربي..

النقطة الثالثة تتمثل باضعاف النجف بوصفها مرجعية الشيعة العرب وفي الوقت ذاته ولادة أفكار ثورية تتعلق بتغيير أوضاع هذه الفئة من دون التصادم مع الأنظمة القائمة، وصولا الى تصوير الشيعة العرب بأنهم جزء لا يتجزأ من مرجعية قم (في زمن شاه ايران محمد رضا بهلوي)، أي تغليب هويتهم الفارسية على هويتهم العربية.

النقطة الرابعة تتعلق بمستقبل باقي الأقليات في المنطقة من مسيحيين وعلويين ودروز وايزيديين وأكراد، ولم تفض المناقشات الى رسم صورة واحدة لمستقبل هؤلاء باستثناء تشجيع المسيحيين على هجرة بلدانهم العربية باتجاه الغرب وتشجيع العلويين على عدم التخلي عن السلطة في سوريا، خصوصا أنه لم يكن قد مضى وقت طويل على الحركة التصحيحية التي قادها الرئيس الراحل حافظ الأسد. الأمر نفسه كان يسري على تشجيع المارونية السياسية في لبنان على عدم تقديم تنازلات (الصلاحيات) لخصومها السياسيين، وخصوصا الاسلام السياسي السني.

واستحوذ موضوع منظمة التحرير الفلسطينية على حيز كبير من المناقشات، سعيا الى تغليب مراكز قوى في المنظمة على أخرى (تهميش التنظيمات المؤمنة بفكرة القومية العربية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين)، مع التركيز على أهمية تحجيم الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان، بعدما أدى النظام الأردني المطلوب منه بدفع أرتال من المقاتلين الفلسطينيين نحو سوريا ولبنان.

غداة حرب تشرين 1973، أخرج انور السادات مصر من العالم العربي ووقع اتفاقية كامب ديفيد مع الاسرائيليين.

الى هنا تنتهي الرواية التي قدمها مسؤول أميركي لضيوفه العرب، لتبدأ رواية لبنانية مكملة لها:

بعد فترة وجيزة من هبوط طائرة أنور السادات في مطار بن غوريون عام 1977 ، تعقد “الجبهة اللبنانية” (من اركانها: بيار الجميل وكميل شمعون وبشير الجميل وسليمان فرنجية الجد)، خلوة في دير سيدة البير في بلدة بقنايا المتنية. كان قد مضى حوالي السنة ونيف على مقررات المؤتمر الأول لسيدة البير. كانت “الجبهة” مهتمة بسماع آراء “خبراء استراتيجيين”، وأحدهم قائد سلاح المدفعية في الجيش اللبناني، وهو في منتصف العقد الرابع من العمر. طرحت مداخلات عن مرحلة ما بعد زيارة السادات الى تل ابيب والقائه خطابه الشهير أمام الكنيست الاسرائيلي وتأثير ذلك على مستقبل المنطقة وخصوصا لبنان.

قدم قائد سلاح المدفعية، وهو برتبة عميد، مداخلة، توقف فيها عند زيارة السادات والعلاقة بين المسيحيين والدروز، غداة استشهاد كمال جنبلاط وما أعقب ذلك من مذابح في الجبل. قال الضابط ان الدروز هم أكثر طائفة يمكن للمسيحيين أن يتعايشوا معها. “فهم الاقرب الينا في العادات والتقاليد ولا يشكلون مصدر خطر علينا لا بالديموغرافيا ولا بالجغرافيا، لذلك المطلوب منا ترييحهم، ومهما طلبوا علينا ان نعطيهم بالزائد وليس بالناقص”.

بدا الضابط نفسه حذرا في قراءة زيارة السادات الى اسرائيل. قال لأركان “الجبهة اللبنانية”: عليكم أن تحذروا من ملامح قرار دولي يقضي بتصفية القضية الفلسطينية.. لذلك اياكم وأن تكونوا مطية لمن يريد الباسها للمسيحيين في لبنان ومن ثم ندفع الثمن توطينا للفلسطينيين في لبنان”، محذرا من أن الدور والوجود المسيحي في لبنان مهددان.

قال هذا الضابط كلمته ومشى، لكن “الجبهة اللبنانية” رفضت تقديم أية تنازلات، وذلك دفاعا عن صيغة العام 1943 (الجمهورية الأولى). هذا الرفض كان جزءا من مسار يرسم للبنان بما كان يمثل من ساحة تتلاقى وتتصادم فيها عناصر الاشتباك الدولي والاقليمي.

انهيار “الجمهورية الأولى” وولادة “الثانية”

كان القاصي والداني يعرف أن اسرائيل ستجتاح لبنان منذ العام 1979، وأنها تضع سلة أهداف، لكن سلوك “منظمة التحرير” و”الحركة الوطنية” و”الجبهة اللبنانية”، وغيرهم من اللاعبين، وفّر الأرضية المناسبة، فكان الاجتياح أشبه بنزهة حتى العاصمة.. ولاحقا بدأت تتحقق الأهداف، الواحد تلو الآخر.

عمليا، توّج الاسرائيليون اجتياحهم للبنان في حزيران 1982، وبدعم أميركي واضح،  خروجا لـ”منظمة التحرير الفلسطينية” بالسفن الحربية من مرفأ بيروت الى تونس. كان مقدرا أميركيا ان يكون لبنان هو الحلقة الثانية بعد كامب ديفيد. طلبت واشنطن من بشير الجميل ان يبرم اتفاقا مع اسرائيل فرفض الخروج من العرب، فقتل على الفور. ابرم أمين الجميل اتفاق 17 ايار، فكانت مرحلة جديدة (أندروبوف ـ الأسد) أفضت الى تغيير المعادلة الشرق اوسطية في تلك المرحلة.

ولم تكد “الحرب الباردة” تنطوي فصولها دوليا مع انهيار الاتحاد السوفياتي، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، حتى كانت المارونية السياسية في لبنان، تدفع أثمان رفضها تقديم أية تنازلات داخلية، فكانت ولادة اتفاق الطائف، بكل ما أفرزه من معادلات جديدة لبنانيا ومن دفن لـ”جمهورية 1943″.

لعل القيمة الأكبر للطائف وحاضنته الاقليمية (تفاهم المثلث السعودي ـ المصري ـ السوري)، أنه وفر استقرارا مستديما للبنان لمدة 15 سنة. غير أن مجموعة عوامل لا بد من أخذها في الحسبان، ابرزها “انتفاخ” الظاهرة الحريرية السياسية في لبنان وتحولها الى ظاهرة اقليمية تملك ركائز في مفاصل اقليمية أبرزها سوريا. النقطة الثانية، تتمثل في انجاز التحرير في العام 2000. لقد قالها السيد حسن نصرالله ان الحفاظ على الانجاز سيكون أصعب من الانجاز نفسه، اذ لن يكون مسموحا لثلة من المقاتلين أن يحرروا أرض بلدهم من الاحتلال دون قيد أو شرط. هذا النموذج اذا ترسخ، سيحفّز خصوصا الفلسطينيين على تحرير أرضهم بالطريقة ذاتها لا عن طريق المفاوضات.

عندما يدفع الأسد ثمن “اللاءات”

لم يأت الاحتلال الأميركي للعراق الا في سياق ما كان يرسم للمنطقة. ذريعة أسلحة الدمار الشامل لم تستوجب حتى مجرد اعتذار. سقط العراق. رفض بشار الأسد في ربيع العام 2003 لائحة كولين باول: الانفكاك عن ايران و”حزب الله”، طرد “حماس” و”الجهاد الاسلامي”. كان ذلك كافيا للمضي في الخيار نفسه، لكن هذه المرة عبر تقليم أظافر سوريا في لبنان ولجم التمدد الايراني في ساحات المنطقة.

السيرة واحدة، من غزو العراق الى الحرب الدائرة في سوريا منذ خمس سنوات مرورا باستصدار القرار 1559. هل نجحت دوائر القرار الأميركي في تنفيذ ما تصبو اليه منذ مطلع السبعينيات حتى يومنا هذا على صعيد المنطقة ولبنان، وماذا عن القراءة الاستراتيجية المضادة التي قدمها ضابط لبناني ل”الجبهة اللبنانية” كان اسمه الجنرال ميشال عون؟

من يرصد الحرائق المشتعلة في المنطقة، من اليمن الى ليبيا، مرورا بسوريا والعراق يرصد الآتي:

  • انفلات تكفيري لا مثيل له بمسميات كثيرة (“قاعدة”، “داعش”، “النصرة”).
  • احتقان مذهبي سني ـ شيعي على صعيد المنطقة كلها.
  • فتح أبواب السفارت الغربية امام طوابير اللاجئين المسيحيين.
  • تراجع دور الجيوش.. لمصلحة تشكيلات قتالية أخرى.
  • حدود المشاركة في السلطة هي القاسم المشترك في معظم الأزمات.
  • انحسار دور مصر ومعها الأزهر وتقدم أدوار دول ومؤسسات أخرى وخصوصا السعودية والمؤسسة الوهابية.
  • تحول القضية الفلسطينية الى “قضية عقارية” تخص الفلسطينيين وحدهم.
  • لم تعد اسرائيل عدوا لكل العرب بل لجزء قليل منهم، خصوصا في ظل اتساع ظاهرة التطبيع وفتح قنوات سياسية وأمنية وعسكرية وتجارية معها.
  • اظهار ايران (الفارسية) بوصفها “العدو” لكل العرب، وحليفها “حزب الله” بوصفه “تنظيما ارهابيا” ونزع صفة المقاومة عنه.
  • تقدم دور مرجعية قم (ولاية الفقيه) على مرجعية النجف.
  • تدمير ممنهج للامكانات الاقتصادية والثروات الطبيعية في العالم العربي(نموذج الفساد في العراق وتدمير اقتصاد سوريا الدولة العربية الوحيدة التي كانت متحررة من الديون وتؤمن اكتفاء اقتصاديا ذاتيا).

هل حقّق الأميركيون ما يبتغونه؟

للاسف، يمكن القول أن معظم الأهداف الأميركية والاسرائيلية قد تحققت في المنطقة، وها هو العماد ميشال عون الذي كان يمتلك “نظرة استثنائية” قبل أربعين سنة، يجد نفسه في موقع المدافع عن حقوق المسيحيين لا عن حقوق باقي الطوائف، وعندما يقرع الأبواب ولا أحد يجيبه، يذهب الى “القانون الأرثوذكسي”، لكأنه بذلك، يلاقي مشهدية المنطقة التي تضع المسيحيين أمام حدين لا ثالث لهما: اما الهجرة أو أن يصبحوا أهل ذمة ورعايا في دويلات “داعش” وأخواتها من ذوي اللحى أو “الكرافتات” الأنيقة.

وها هو العماد عون يتحول رأس حربة في مواجهة ليس خطر التوطين الفلسطيني الذي بات أمرا واقعا، بل في مواجهة احتمال توطين كتلة مليونية سورية في لبنان بقرار دولي.

في ايلول 2015، حضر “القيصر الروسي” فلاديمير بوتين الى نيويورك، ليذكّر العالم باتفاقية يالطا التي وقعها كل من ستالين وتشرشل وروزفلت في مدينة يالطا الواقعة على سواحل البحر الأسود قبل سبعين سنة، وهي الاتفاقية التي مهدت لولادة الأمم المتحدة بديلا عن “عصبة الأمم”.

قالها بوتين بالحرف الواحد من على منبر الدورة السبعين للأمم المتحدة “المطلوب قيام تحالف دولي وفق إستراتيجية محددة لمكافحة الإرهاب دوليا على غرار الحلف الذي قام بمواجهة ألمانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، وصولا إلى إعادة هيكلة الدول المهددة بالتفكك بسبب الإرهاب الذي تمثله “داعش” وأخواتها بما فيها من يسميها الغرب معارضة سورية “معتدلة” انضمت مع أسلحتها إلى “الدولة الإسلامية” على حد تعبير بوتين.

ثمة خرائط جديدة تُرسم بالدم في المنطقة، ولعل البداية من السؤال المركزي: هل هناك قرار بانهاء “دولة داعش” أم أنها ستصبح أمرا واقعا؟

لننتظر مجريات معركة الرقة في الشهرين المقبلين. هناك سيتم اختبار مصداقية الأميركيين، فهل كان السيد حسن نصرالله يعني ما يقوله في خطاب التحرير السادس عشر عن بدء العد العكسي لنهاية تنظيم “داعش”.. قريبا؟

 

 

Author: Rayan M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!