كيف يتعامل الأكراد مع التداعيات المحتملة للأزمة السورية؟


ربما يمكن القول إن إسقاط مروحية تركية من طراز “AH-1Cobra” بصاروخ “ايغلا” الروسي على يد مقاتلين تابعين لـ”حزب العمال الكردستانى”، فى منطقة جلى الجبلية جنوب شرق البلاد بمحاذاة الحدود العراقية فى 14 مايو 2016، لا يختلف عن مشهد إسقاط المقاتلة الروسية “SU-24” فى 24 نوفمبر 2015 فى منطقة جبل التركمان بريف اللاذقية شمال غربي سوريا.

ويبدو أن كلا المشهدين يعبران عن مدى اشتباك وتداخل حلقات “الصراعات المتوازية” التي مثلت إحدى تداعيات الأزمة السورية. ويتضح من تلك التطورات أن الميليشيات الكردية أصبحت تحظى باهتمام غير مسبوق من جانب القوى الدولية المعنية بتطورات الصراع السورى، والتي باتت تعتبر تلك الميليشيات طرفًا رئيسيًا في الحرب ضد تنظيم “داعش”، خاصة في ظل عزوفها عن التدخل البري الذي قد يفرض تداعيات لا تبدو هينة على مصالحها.

لكن اللافت في هذا السياق، هو أن ثمة اتجاهات عديدة باتت تشير إلى أن الأكراد لا يسعون إلى استثمار الاهتمام الدولي بدعمهم من أجل مواجهة “داعش” فحسب، بل، وربما يكون ذلك هو الأهم، بهدف تعزيز احتمالات تأسيس دولة كردية في مرحلة ما بعد تسوية الأزمة السورية.

أسباب متعددة

حصل الأكراد على دعم عسكرى بارز من القوى الغربية وروسيا خلال الفترة الماضية، فقد بدأ تنفيذ العديد من خطط التسليح والتدريب للأكراد عمليًا فى عام 2014 ببرنامج تدريب على الأسلحة الأمريكية والفرنسية والألمانية شارك فيه نحو 4000 من المقاتلين الأكراد.

وسمحت الحكومة العراقية بإمداد قوات “البشمركة” الكردية بالسلاح لمقاتلة تنظيم “داعش” خاصة أن القوات العراقية لم تنجح في البداية في وقف تقدم التنظيم في شمال العراق. كما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في العام نفسه عن التزام 8 دول هى ألبانيا وكندا وكرواتيا والدنمارك وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية بتقديم دعم عسكرى إلى قوات “البيشمركة” في العراق لمحاربة “داعش”، وانضمت بعدها دول أخرى مثل هولندا التي اعتبرت أن هذا الدعم يمثل آلية فعالة لوقف تقدم التنظيم في شمال العراق.

ووفقًا لاتجاهات عديدة، فقد حصل الأكراد على سلاح متطور فى الحرب يوازى ما حصل عليه “داعش” من أسلحة ثقيلة ومتوسطة، وهو ما مكن الأكراد، في النهاية، من تحقيق نتائج إيجابية في المواجهات المسلحة التي اندلعت مع التنظيم في الفترة الماضية.

ومن المتصور أن هذا الدعم تم توفيره للأكراد لتحقيق هدفين رئيسيين: أولهما، هدف عسكري ولوجستي، ويتمثل في تفعيل دور الأكراد في الحرب على “داعش”، حيث شكلوا القوات البرية الرئيسية التى يمكن الاعتماد عليها فى المواجهات مع التنظيم، فى الوقت الذى وفرت فيه الدول المركزية فى التحالف الدولى ضد “داعش” إمكانيات التسيلح والتدريب والغطاء الجوى فى التحركات العسكرية. وقد أثبت الأكراد كفاءة عالية فى مواجهة “داعش” فى أكثر من مواجهة منها كوبانى وآمرلي وسد الموصل.

وثانيهما، هدف سياسي خاص بأطراف الصراع فى سوريا، إذ سعت روسيا الى توظيف الأكراد فى ممارسة مزيد من الضغوط على تركيا بدلا من الدخول فى مواجهة مباشرة معها بسبب إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر 2015، وقد أشارت تقارير عديدة إلى أن روسيا قامت بتزويد الأكراد في العراق بأسلحة، في مارس 2016، تتضمن خمسة مدافع مضادة للطائرات و20 ألف قذيفة لتلك المدافع.

كما تعمدت روسيا إلقاء الضوء على المواجهات التي اندلعت بين القوات التركية و”حزب العمال الكردستاني” في الفترة الأخيرة، حيث اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، في مارس 2016، أن تركيا تعرقل معركة القوات الكردية مع تنظيم “داعش” وتستخدم شعار الحرب ضد الإرهاب لقمع الجماعات الكردية في سوريا وتركيا.

في حين تبدو الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على عدم التخلى عن طرف قوى فى المواجهة مع “داعش”، وهو ما تسبب في اتساع نطاق الخلاف مع تركيا، التي وجهت انتقادات عديدة للدعم الأمريكي للأكراد، وهو ما ردت عليه واشنطن بدعوة أنقرة إلى التوقف عن قصف المواقع التابعة لـ”الحزب الديمقراطي الكردي” في شمال سوريا، وذلك بهدف عدم التأثير سلبيًا على المواجهات مع تنظيم “داعش”.

ويبدو أن النظام السورى يسعى بدوره إلى توظيف هذا الدعم الدولي للأكراد لصالحه، سواء فيما يتعلق بتصعيد حدة الصراع بين الأكراد في سوريا وبعض قوى المعارضة المسلحة على غرار “الجيش السوري الحر”، أو فيما يرتبط بفرض مزيد من الضغوط على تركيا بهدف تقليص دعمها لقوى المعارضة السورية.

سيناريو محتمل

رغم أنه من المرجح أن يحصل الأكراد على دعم إضافي من جانب بعض القوى الدولية، إلا أن ذلك ربما لن يدفعهم إلى إعلان دولة جامعة للأكراد خلال المرحلة الحالية، خاصة في ظل عدم وجود تأييد إقليمي أو دولي لهذا السيناريو، بسبب انشغال معظم الأطراف بتطورات الأزمة السورية. وقد بدا ذلك جليًا في ردود الفعل التي أثارها إعلان أكراد سوريا، في 17 مارس 2016، عن تأسيس فيدرالية كردية في شمال سوريا، حيث رفضته العديد من القوى الدولية، على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، التي أكدت أن “أى إعلان سياسي من طرف أى جهة خارج مفاوضات جنيف لن تعترف به”.

ومع ذلك، فإن ثمة اتجاهات عديدة باتت تشير إلى أن الدعم الدولي الذي يحظى به الأكراد في الفترة الحالية ربما يعزز من احتمال اتجاههم في المستقبل نحو تفعيل عملية اندماج متكاملة، خاصة أن واشنطن التي رفضت الفيدرالية الكردية في شمال سوريا لم تستبعد احتمال تأسيس دولة كردية في المستقبل، حيث أشارت إلى أن ذلك ممكن في حالة اتفاق مختلف الأطراف عليه في نهاية المطاف، وهو ما يعني أن الدعم العسكري الدولي الذي حصل عليه الأكراد لن ينحصر فقط في مواجهة تنظيم “داعش” خلال المرحلة المقبلة، وإنما سيتم توظيفه لحماية المناطق الكردية ضد أية تهديدات قد تتعرض لها في المستقبل.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!