كيف توظف تركيا الصراع السوري لدعم مكاسبها الاقتصادية؟


فرض المواجهات المسلحة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني المستمرة منذ أشهر متاعبَ جديدة للاقتصاد التركي، ليطال تأثيرها ليس فقط قطاعي السياحة والعقارات وإنما البنية التحتية بجنوب شرق البلاد. علاوة على ذلك يعاني الاقتصاد التركي في الأساس من خسائر ليست هينة جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها روسيا على تركيا بنهاية نوفمبر 2015. ورغم المتاعب والمخاطر المتعددة التي باتت تهدد الاقتصاد التركي، إلا أن ذلك لا ينفي أنه يملك بدائل أخرى قد تُؤسس لتحقيق نموٍّ اقتصادي معتدل في الفترة المقبلة، ويأتي على رأسها المستثمرون السوريون. فقد تمكنت السلطات التركية من استغلال الصراع السوري في استقطاب استثمارات رجال الأعمال السوريين بما يعود إيجابيًّا على اقتصاد البلاد. بجانب ذلك، يرتب الاتفاق الذي أُبرم بين تركيا وأوروبا حول اللاجئين في مارس 2016، من دون شك، لمكاسب اقتصادية مباشرة وغير مباشرة لتركيا.

تهديدات متزايدة:

بات الاقتصاد التركي يواجه تهديدات متزايدة، يتمثل أهمها في:

1- تصاعد نشاط تنظيم “داعش”: أثرت العمليات التي قام بها تنظيم “داعش”  بشكل مباشر على تعاملات القطاع الخارجي للاقتصاد التركي، بالتزامن مع ارتفاع التكلفة التي تتحملها تركيا جراء إيواء اللاجئين الفارين من مناطق الصراع. وفي هذا الصدد، يقدر البنك الدولي أن تجارة تركيا مع دول الجوار تكبدت خسائر بنحو 1.6 مليار دولار منذ تمدد “داعش” في الأراضي السورية والعراقية.

2- العقوبات الروسية: تُعتبر روسيا أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لتركيا، ومن ثمّ فإن أي تهديد يُصيب هذه العلاقة، سيكبد الاقتصاد التركي خسائر لا تبدو هينة. وفي ضوء ذلك، من المتوقع أن تتسبب العقوبات الاقتصادية التي فرضتها روسيا على تركيا منذ نوفمبر 2015 عقب إسقاط تركيا طائرةً حربية روسية، في خسائر قوية لقطاعات السياحة والتجارة الخارجية، وفي توقّف عددٍ من المشروعات المشتركة بين الجانبين، وهو ما قد يُكلف الاقتصاد التركي خسائر تقدر بـ9 مليارات دولار على أقل تقدير.

3- الصراع مع حزب العمال الكردستاني: يستدعي العنف المتصاعد في جنوب شرق البلاد جراء استمرار الصراع المسلح بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، علاوة على ما شهدته العاصمة ومدن تركية من عمليات إرهابية، خسائر إضافية للاقتصاد التركي، لا سيما بالمدن الواقعة في مناطق الصراع. وعلى وجه الأخص، تواجه مدينة ديار بكر مأزقًا اقتصاديًّا صعبًا جراء المواجهات المستمرة بين الطرفين، وطبقًا لغرفة الصناعة والتجارة لمحافظة ديار بكر، فإن حوالي 3000 مؤسسة أعمال من المسجلة رسميًّا، و6000 من غير المسجلة، قد خسرت أعمالها جراء هذه المواجهات. وقد توقع اتحاد أصحاب الفنادق التركية انخفاض إيرادات القطاع السياحي بنحو 5 مليارات دولار في غضون عام 2015.

undefined
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

المصدر: إعداد وحدة الدراسات الاقتصادية بناء على بيانات معهد الإحصاءات التركي

رافعة اللاجئين:

على الرغم من التهديدات السابقة التي تعرقل من دون شك النمو الاقتصادي للبلاد، تبقى ورقة اللاجئين أحد أهم عناصر النمو الاقتصادي في الوقت الراهن. فقد ساهمت السياسة التركية المنفتحة على استقبال اللاجئين السوريين في أن تصبح تركيا أكبر دولة مستوعبة للاجئين السوريين في منطقة الشرق الأوسط، حيث يبلغ عدد اللاجئين بها قرابة 2.7 مليون شخص في أوائل شهر مارس 2016، طبقًا لمفوضية الأمم المتحدة للاجئين. ولا خلاف في أن الأعداد الكبيرة السابقة ألقت أعباء جديدة على الاقتصاد التركي، حيث تحملت الموازنة التركية لإيواء اللاجئين بحسب التقديرات الرسمية حتى الآن 7.6 مليارات دولار.

ولكن في ضوء الأزمة السورية، ينبغي التمييز بين فئتين هما: اللاجئون السوريون، والمستثمرون السوريون. ومن المؤكد أن الفئة الأخيرة مثلت إضافة كبيرة للاقتصاد التركي. وفي هذا الصدد تذكر رئاسة هيئة الطوارئ والكوارث الطبيعية (آفاد) التابعة لرئاسة الحكومة التركية أنه في عام 2014 احتلت رؤوس الأموال والشركات السورية التي تم تأسيسها المرتبة الأولى بين المستثمرين الأجانب في البلاد بما نسبته 22.3% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في البلاد في هذا العام. وبخلاف السابق، ووفقًا لأرقام إجمالية، فقد استقبلت تركيا ما يزيد على 10 مليارات دولار من الاستثمارات السورية منذ عام 2011، وتتركز بشكل رئيسي في الأقاليم الجنوبية المتاخمة للحدود السورية.

وعلاوة على ذلك، يُتيح الاتفاق الأخير الذي أبرم بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول اللاجئين في مارس 2016 للأولى مزيدًا من جني المكاسب الاقتصادية. ويقضي الاتفاق بشكل ضمني بمنع تدفق اللاجئين من تركيا للجزر اليونانية، وفي مقابل ذلك سيسارع الاتحاد الأوروبي إلى تقديم تعهداته السابقة المخصصة للاجئين بنحو 3.4 مليارات دولار للاجئين، علاوة على مبلغ مماثل حتى نهاية عام 2018 عند تنفيذ الاتفاق.

محصلة النمو الاقتصادي:

من دون شك فإن المتاعب التي يُعاني منها الاقتصاد التركي في الوقت الحالي، قد تسبب ضغوطًا عديدة على غرار إضعاف أداء القطاع الخارجي، ومن ثم قوة العملة التركية (الليرة التركية) أمام الدولار، علاوة على أنها تؤثر على زخم النمو الاقتصادي. إلا أن معادلة الاقتصاد التركي ستبقى متزنة إلى حد بعيد، وذلك وفقًا للمكاسب الاقتصادية التي تجنيها البلاد من وراء ملف اللاجئين السوريين، علاوةً على ذلك من المعلوم أن تركيا تتمتع بتنافسية عالية في مختلف القطاعات الاقتصادية وقاعدة صناعية عريضة، وهو ما قد يُترجم في استمرار النمو الاقتصادي على معدلات أقل من السنوات السابقة ولكنها مقبولة لدرجة كبيرة في ظل الظروف غير المواتية حاليًّا. ولذلك لم يكن مستغربًا أن ينمو الاقتصاد التركي بمعدل نمو 5.7% في الربع الأخير من عام 2015، مقارنة مع 3.9% في الربع السابق، محققًا بذلك نموًّا في المتوسط قدره 4% خلال العام نفسه، ليخالف بذلك كثيرًا من التوقعات المتشائمة.

شكل (2): مكاسب وخسائر الاقتصاد التركي في ضوء التوترات الجيوسياسية

  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

كما تظل توقعات المنظمات الدولية متفائلة نوعًا ما بخصوص الاقتصاد التركي في العامين المقبلين، وفي هذا الصدد تتوقع مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني أن ينمو الاقتصاد التركي في حدود 3.5% في عامي 2016 و2017، وستأتي معدلات النمو مدفوعة بانتعاش الاستهلاك المحلي، وانخفاض أسعار النفط، علاوةً على أن تركيا ربما تتمكن من تدارك العقوبات الروسية تدريجيًّا عبر تعزيز علاقتها الاقتصادية مع إيران ومنطقة اليورو.

وفي النهاية، يمكن القول إن مكاسب الاقتصاد التركي قد تفوق أو تُعادل الخسائر التي تكبدها في الفترة الماضية جراء التوترات السياسية، بما قد يسمح باستقراره، والحفاظ على مستوى نموه على الأقل في الأجل القصير.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!