“الاختفاء الغامض” و”الرومانسية” و”علبة مياه غازية” تدمّر السياحة المصرية


“علبة مياه غازية”، و”مغامرة رومانسية” و”اختفاء غامض”، ثلاثة أحداث متتالية خلال أقل من عام، قضت على آمال انتشال القطاع السياحي في مصر، من كبوة أصابته عقب أحداث ثورة 25 يناير/كاون ثان 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.

وبينما تُعوّل الحكومة المصرية كثيرًا على قطاع السياحة، لتوفير العملة الصعبة (الدولار) بالبلاد، أعلنت على مدار العام المنقضي عن إجراءات عديدة لانتشال القطاع من كبوته، قضت عليها أحداث الطائرات الثلاث التي جلبت انتقادات حادة لحالة الأمن والسلامة في مصر كمقصد سياحي.

وكالة “الأناضول” ترصد محطات ثلاثة، دمّرت مساعي الحكومة المصرية لانتشال القطاع من الحالة المتردية التي يعيش فيها، على النحو التالي:

*علبة مياه غازية تقتل السياحة و224 شخصا:

نهاية أكتوبر/تشرين أول الماضي، أصيب قطاع السياحة المصري، بضربة قاصمة، إثر تحطم طائرة ركاب روسية “إيرباص321″، قرب مدينة العريش شمال شرقي مصر، وعلى متنها 217 راكبًا معظمهم من الروس، إضافة إلى 7 هم أفراد الطاقم، لقوا مصرعهم جميعًا.

الطائرة التي أقلعت من منتجع “شرم الشيخ” السياحي على السواحل الشرقية لمصر، إلى مدينة “سان بطرسبرغ” الروسية، عُثر على حطامها بمنطقة “الحسنة” وسط سيناء، المكتظة بالجماعات المسلحة، وسرعان ما أعلنت في أعقابها 10 شركات طيران عربية وأوروبية، عن تجنب تحليق طائراتها فوق شبه جزيرة سيناء، قبل أن تبدأ دول أوروبية وعربية إجلاء رعاياها من شرم الشيخ.

ولم تمر 24 ساعة حتى أعلن تنظيم “ولاية سيناء” الفرع المصري لتنظيم (داعش) الإرهابي، مسؤوليته عن الحادث، ونشرت مجلة “دابق” الناطقة باسم التنظيم، صورة لعلبة مياه غازية، قالت إنها احتوت على عبوة ناسفة تم تثبيتها على جسم الطائرة قبل إقلاعها من المطار.

إعلان التنظيم الإرهابي السابق، دفع العديد من شركات السياحة العالمية إلى إلغاء حجوزاتها بالفنادق المصرية، وباتت شرم الشيخ، تفتش عن زائرين، خاصة أن الزوار الروس، كانوا يمثلون حوالي 90% من السياح الأجانب الوافدين، التي تُعول عليهم الحكومة المصرية كثيرًا كمصدر هام للعملة الصعبة.

وبينما لا تزال مصر متمسكة بتحقيقات جارية بشأن الحادث، تطابقت تصريحات روسية وأمنية مصرية مسربة تؤكد أن دوافع الحادث “إرهابية”.

وجاء أول اعتراف مصري رسمي بكون الحادث مدبرا على لسان رئيسها عبد الفتاح السيسي، عندما قال في 24 فبراير/شباط الماضي، إن “طائرة الركاب الروسية التي تحطمت في شبه جزيرة سيناء تم إسقاطها بهدف ضرب العلاقات مع روسيا”.

الاعتراف السابق ضاعف من معاناة قطاع السياحة المصري، حيث جاء عام 2015 أسوأ الأعوام على القطاع، منذ ثورة يناير، وقالت وزارة السياحة، إن إيرادات البلاد من السياحة انخفضت بنحو 15% عام 2015، لتصل إلى 6.1 مليار دولار، وأن عدد السائحين الوافدين إلى البلد الأكثر سكانا في العالم العربي، تراجع بنحو 6% إلى 9.3 مليون سائح.

وقال وزير السياحة المصري السابق “هشام زعزوع”، إن بلاده تخسر 280 مليون دولار شهرياً، جراء قرار تعليق بريطانيا وروسيا الرحلات الجوية إليها بعد حادثة سقوط الطائرة الروسية.

*مغامرة رومانسية تحول مسار 81 شخصًا من القاهرة لقبرص:

في 29 مارس/آزار الماضي، جسّد سيف الدين مصطفى، شخصية البطل في عمل اعتبره رومانسيا، فيما كانت عواقبه على السياحة المصرية تراجيدية، عندما استقل طائرة “مصر للطيران”(حكومية) أثناء قيامها برحلة داخلية من مطار برج العرب بالإسكندرية (شمال) إلى العاصمة القاهرة.

سيف الدين مصطفى (59 عامًا) أجبر الطائرة المصرية، على تغيير مسارها لتهبط في مطار لارنكا بجزيرة قبرص الرومية، بعد تهديده لطاقمها بوجود حزام ناسف بحوزته، قبل أن يتم تحرير جميع الركاب والقبض على المتورط دون وقوع أية خسائر في الأرواح.

وبالتزامن مع تحويل مسار 81 شخصًا من القاهرة إلى قبرص، تحول القطاع السياحي إلى انحدار أكثر.

هذا بينما لم تكشف جهات التحقيق عن الدوافع الحقيقة وراء الحادث، لكنّ الأحاديث التي تواترت أثناء عملية تحرير الرهائن على متن الطائرة، ذكرت أن دوافع الخاطف، “ربما تكون شخصية”، حيث يريد لقاء زوجة سابقة له في قبرص، ترفض لقاءه، طالبًا من السلطات القبرصية إحضارها إلى المطار.

صاحبت الحادث لقطات كوميدية لصور “سيلفي” للخاطف مع المخطوفين لكنها لم تقلل من مأساوية التداعيات للحادث الذي تزامن مع تصريحات حكومية متواترة حول تحسين منظومة الأمن بالمطارات المصرية، لتضرب موعدًا آخر مع انتكاسة لقطاع السياحة المتداعي، قضى على ما تبقى من آمال في إقالته من عثرته المستمرة منذ سنوات.

*اختفاء غامض ومصير ما زال مجهولاً لـ66 ضحية جديدة

لم تفق الحكومة المصرية من كابوس الحادثين السابقين، حتى استيقظت، صباح اليوم الخميس، على ثالث، مع فقدان طائرة ركاب، كانت قادمة من باريس إلى القاهرة، بعد دخولها الأجواء المصرية بعشرة أميال، وعلى متنها 66 شخصاً، نفت السلطات المصرية أن تكون قد توصلت إلى ملابسات الحادث حتى الآن (9:30.تغ).

وكانت شركة “مصر للطيران”، قد أعلنت في بيانٍ اليوم، أن الرحلة رقم MS804، التى أقلعت من مطار باريس شارل ديجول إلى مطار القاهرة فى الساعة 23.09 بتوقيت باريس (20.09 ت.غ)، وعلى متنها 56 راكبًا و10 من أفراد طاقمها، اختفت من على شاشات الرادار، في ساعة مبكرة من فجر اليوم.

وبينما قال المتحدث باسم الجيش المصري، محمد سمير، في وقت سابق، إن القوات المسلحة المصرية لم تتلق أية رسائل استغاثة من الطائرة المفقودة في البحر المتوسط، خلافا لما ذكرته “مصر للطيران”، رجّح مراقبون ومسؤولون مصريون أن تكون الطائرة قد سقطت في البحر، بحسب ما نقلت عنهم تقارير إعلامية.

وفيما بعد أعلنت وزارة الخارجية المصرية، سقوط الطائرة، رغم تمسك وزارتي الطيران المدني والدفاع، بأنها لا تزال مفقودة، وأنه لم يتم التوصل حتى (الساعة 10:30 ت.غ.) إلى أسباب “اختفائها”.

كما رفضت مصر للطيران في أحدث بياناتها هذه التكهنات مطالبة الإعلام بالالتزام بما يصدر عنها من بيانات في هذا الشأن.

وأعلنت الشركة المالكة للطائرة، أن جنسيات الركاب على النحو التالي: 30 مصريا، 15 فرنسياً، وعراقيان، بريطاني واحد، بلجيكي واحد، وكويتي واحد، وسعودي، وسوداني، وتشادي، وبرتغالي، وجزائري، وكندي”.

ولا شك أن الحادث أصاب شركات السياحة والمتابعون بأزمة إحباط، في الوقت الذي لا يزال الجميع يحاول تدارك سلبيات الحوادث السابقة.

*محاولات بائسة

وفي 23 من فبراير/شباط الماضي، أعلنت مصر تخصيص مبلغ 32 مليون دولار أمريكي، كموازنة إضافية لوزارة السياحة، بهدف تعزيز الإجراءات الأمنية في المطارات، والتي تشمل تركيب كاميرات مراقبة إضافية، وتعزيز النقاط الأمنية، وذلك في مسعى إلى استعادة ثقة السائح الأجنبي، بالتأكيد على أمنه وسلامته، سواء في المطارات أو المرافق السياحية، وتوفير تجربة آمنة وممتعة، ترسخ مكانة مصر كمقصد سياحي قوي.

وانخفضت أعداد السياح الوافدين إلى مصر، بنسبة 6% خلال العام الماضي، مقارنة بعام 2014، فيما بلغ إجمالي السياح الوافدين، 9.3 ملايين سائح خلال 2015، مقابل 9.9 ملايين سائح عام 2014، وفقاً لإحصاءات وزارة السياحة المصرية.

وفي العام المالي 2010/2011، بلغ السائحين الوافدين إلى مصر 11.931 مليون، بإيرادات بلغت 10.588 مليار دولار.

وبلغت إيرادات مصر من صناعة السياحة، 6.1 مليارات دولار في العام الماضي، مقابل 7.3 مليارات دولار عام 2014، وفقا لبيانات الوزارة المصرية.

ويُعاني قطاع السياحة المصرية، الذي يعتبر من ركائز الاقتصاد كمصدر للنقد الأجنبي، منذ سنوات تحت وطأة الاضطرابات السياسية التي أعقبت ثورة يناير.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، اعتمد مجلس الوزراء المصري، محاور التحرك العاجلة لاستعادة الحركة السياحية الوافدة إلى مصر، والتي تهدف إلى جذب 10 ملايين سائح بنهاية عام 2017 من الأسواق السياحية المستهدفة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!