مجلس العلاقات الخارجية| كيف يمكن فهم انخراط الصين اقتصاديا فى باكستان


إن الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان هو جزء من مخطط التنمية، وجزء من مناورة استراتيجية. وعلى الرغم من أن بكين وإسلام أباد شركاء على مدى عقود، إلا ان هذا الممر هو انعكاس لتكثيف التعاون الثنائي وتوسيعه في وقت يتزايد فيه الطموح الجيوسياسي الصيني واستمرار المخاوف بشأن الأمن والتنمية الباكستانية.

ويهدف هذا الممر لتعزيز الاتصال عبر باكستان من حلال شبكة من الطرق السريعة والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب مصحوبة بالطاقة والمشاريع الصناعية وغيرها من مشاريع تطوير البنية التحتية لمعالجة نقص الطاقة الأساسية اللازمة لدعم النمو الاقتصادي في باكستان. وفي نهاية المطاف، فإن الممر الاقتصادي يسهل أيضًا التجارة على طول الطريق البري الذي يربط الصين بالمحيط الهندي، والذي يمتد من مدينة كاشجر الصينية إلى ميناء جوادر الباكستاني.

أعلنت باكستان والصين خططً المشروع في أبريل 2015، عندما وقعت إحدى وخمسين اتفاقية ومذكرة تفاهم حول الاستثمارات الصينية، والتي بلغ مجموعها 46 مليار دولار على مدى عشر إلى خمس عشرة سنة القادمة. وبعض مشاريع يتم تنفيذها بالفعل، وتضم الطرق السريعة ومشاريع الطاقة والتي من المتوقع الانتهاء منها في نهاية عام 2016.

إن تطوير الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان هو جزء من مخطط صيني أكبر لربط الاقتصادي الإقليمي : (حزام واحد، طريق واحد) الذي دشنته اللجنة الوطنية الصينية للتنمية والإصلاح في مارس 2015. وتدعو الخطة الطموحة لإيجاد استثمارات جديدة تديرها الدولة في الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب والموانئ وشبكات المعلومات لتعميق التكامل الاقتصادي والاتصال عبر آسيا وإلى أفريقيا وأوروبا.

ولأن هذا المخطط يتكون من أوراسيا القارية ” حزام طريق الحرير الاقتصادي”، وجنوب شرق آسيا “طريق الحرير البحري”، فإن باكستان لديها القدرة لتكون بمثابة الرابط بين الطريقين، ومن جهتها تصف بكين  الممر الاقتصادي بأنه “المشروع الرئيسي” وعلى الرغم من بكين لم تفصح عن الدوافع الجيوستراتيجية، فقد لاحظ العديد من المعلقين أن على المدى الطويل، يمكن أن يساعد الرابط البري عبر باكستان إلى بحر العرب في التخفيف من “معضلة ملقا” وهي نقطة ضعف الصين نظرًا لحقيقة أن ما يقرب من 85 %  من وارداتها النفطية تمر من خلال مضيق ملقا وحده.

الأمن عبر التنمية

يتطلب فهم “الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان” تقديرًا لمخاوف الصين الأمنية ، وخاصة تلك الناجمة عن منطقة شينجيانغ الغربية المضطربة. فقد سعت بكين لتضييق الخناق على أقلية الإيغور في شينجيانغ وقابلت العنف السياسي بتواجد أمني موسع ودفعٍ لخطط التنمية الاقتصادية. وهذه الجهود تورط باكستان لأن جماعات الإيغور المتشددة، مثل حركة تركستان الشرقية الإسلامية، تلجأ إلى المناطق الحدودية بين باكستان وأفغانستان، حيث أقامت علاقات مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان وباكستان. ترى الصين أن حركة تركستان الشرقية الإسلامية تمثل تهديدًا مستمرًا، يستهدف الصين ويهاجم المصالح الصينية داخل باكستان.

في هذا السياق، يمثل الممر الاقتصادي امتدادًا دوليًّا لجهود الصين لتوفير الأمن من خلال التنمية الاقتصادية. وتهدف الاستثمارات في باكستان إلى خلق فرص عمل، والحد من معاداة الدولة، وتوليد موارد عامة من أجل إدخال تحسينات إضافية في القانون والنظام. ومن خلال معالجة تهديد التنظيمات الجهادية في باكستان المجاورة، تأمل الصين في توفير تأمين أفضل لأراضيها. ونتيجة لذلك، وبينما يصور الممر الاقتصادي – في الغالب – كممر للنقل، فإن المخاوف الأمنية من المرجح أن تفرض قيودًا على تدفق الأشخاص والبضائع عبر الحدود، على الأقل في المدى القصير والمتوسط.

يقدر القادة المدنيين والعسكريين في باكستان أيضًا الفرص الاقتصادية والأمنية والسياسية التي يتيحها الممر الاقتصادي. فباكستان تحتاج إلى الاستثمار المباشر لتحفيز نموها الاقتصادي، ولكن المستثمرين قد أحجموا على مدى العشر سنوات الماضية. وإذا تم تنفيذ هذا المشروع، فإن خطة الاستثمارات الصينية تمثل أكثر من ضعف إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في باكستان منذ عام 2008.

سياسيا، تعترف الحكومة المدنية في باكستان أنه من خلال تقديم مجموعة مشاريع “الحصاد المبكر”، فسيكون لديها فرصة أفضل للفوز في الانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها عام 2018. أما من المنظور الأمني، فيعتقد قادة الجيش الباكستاني أنه إذا تمكنت الاستثمارات الصينية من تحويل الوضع الاقتصادي المتراجع، فإنها أيضا ستعزز الدولة ضد منافسيها، سواء الخارجيين (الهند) أم المحليين (الجهاديين).

خطط وحقائق

في باكستان، تدير وزارة التخطيط والإصلاح والتنمية مشاريع الممر الاقتصادي وذلك بالشراكة مع اللجنة الصينية. وقد أنشأ الجانبان لجنة تعاون مشترك مع مجموعة العمل التي تركز على أربعة مجالات رئيسية هي: ميناء جوادر، والبنية التحتية للنقل، والطاقة، والتعاون الصناعي.

وتم تسليم العمليات في جوادر، وهي ميناء في بلوشستان بالقرب من مضيق هرمز، لشركة صينية مملوكة للدولة في نوفمبر عام 2015. فيما يظل يعمل ميناء جوادر، مع إجمالي حركة تجارة بنحو نصف مليون طن فقط في عام 2016، ولكن من المتوقع أن يتضاعف في عام 2017. ويقدر المخططون أنه في نهاية المطاف ستتعامل الميناء مع نحو 300 إلى 400 مليون طن سنويا، وسينمو سكان المدينة المحيطة بها من 80 ألف نسمة إلى مليوني نسمة.

يتكون “الممر” المادي للممر الاقتصادي من طريق سريع وسكك حديدية، ونظام خطوط أنابيب مترابط. وكشفت الحكومة الباكستانية – في مايو 2015 – عن ثلاثة طرق سريعة للمشروع: الطريق الغربي من خلال مقاطعتي بلوشستان وخيبر باختونخوا. والطريق الشرقي من خلال مقاطعتي السند والبنجاب. والطريق المركزي عبر البلاد. فيما يصل الطريق السريع الشمالي إلى كاشغر، عبر طريق كاراكورام السريع، والذي يعد في حد ذاته رمزا كبيرا على التعاون بين الصين وباكستان ورابطهم الأرضي الوحيد. بينما تشمل مشاريع النقل الأخرى بناء وتحسين السكك الحديدية الحالية، بما في ذلك مد أكثر من 1200 كيلو متر في مسار جديد ورفع مستوى 3100 كيلومتر أخرى.

 ومن المتوقع أن يذهب نصيب الأسد من الاستثمارات الصينية والذي يقدر بنحو  35 مليار دولار إلى مشاريع الطاقة، بما في ذلك الفحم والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية والغاز الطبيعي المسال، ونقل الطاقة الكهربائية. وإذا سارت الأمور وفقًا للخطة، فسيولد واحد وعشرين مشروعا جديدا ما يقرب من 17 ألف ميجاوات من الطاقة وما يقرب من ضعفي القدرة الباكستانية المشغلة حاليًّا. ومن هذه  المشاريع الإحدى وعشرين، تتوقع باكستان أربعة عشر مشروعًا ضمن “الحصاد المبكر” لإضافة 10.400 ميجاوات إلى الشبكة الوطنية خلال عام 2018. وللاستفادة من البنية التحتية الجديدة وقدرة الطاقة، حددت الحكومة أكثر من أربعين موقعا للمناطق الصناعية الجديدة والمناطق الاقتصادية الخاصة، وتهدف بذلك إلى تشجيع الاستثمار وتعزيز العمالة المحلية.

ويجري التفاوض بشأن مشاريع الممر الاقتصادي بين الحكومتين، وتقوم بتنفيذها شركات الصينية تختارها بكين. وتغطي تكاليف هذه المشاريع من خلال قروض منخفضة أو عديمة الفائدة تشمل تمويل من بنك التصدير والاستيراد الصيني وصندوق طريق الحرير. وحتى الآن، لم يحصل الشعب الباكستاني على تفاصيل هذه الإجراءات،  كما أن عملية تقديم العطاءات المغلقة تجعل من الصعب تقييم ما إذا كانت العقود تعكس التكاليف السوقية العادلة، وهو ما يمثل بيئة أمنية صعبة في باكستان.

وعلى عكس نظيراتها الباكستانية، ستستفيد محطات الطاقة الصينية من الحماية ضد  أزمة “الديون الدوارة” التي تعاني منها باكستان. وهو ما سيؤدي إلى أن يحتاج مشترو الطاقة الباكستانيون إلى تمويل حساب متجدد يغطي 22 % من التكاليف الشهرية، وسوف تدعم وزارة المالية الباكستانية تلك الأموال مع ضمانات سيادية لضمان الدفع دون انقطاع. وفي أوائل عام 2016، تم توسيع نطاق هذه الترتيبات من محطات الطاقة التي تعمل بالفحم إلى جميع مشاريع الطاقة التابعة للممر الاقتصادي.

التحديات

العقبة الرئيسية أمام تنفيذ الممر الاقتصادي الكامل هو الأمن. ولمعالجة المخاوف الصينية وضمان سلامة هذه المشاريع، أعلنت باكستان في أوائل عام 2016 إنشاء قوة الممر الاقتصادي والتي تم تخصيص عشرة آلاف فرد أمن لها، ولكن حتى قوة بهذا الحجم سيتم استنزافها عند تولي المهمة.

ففي الحدود الشمالية الغربية لباكستان، والتي من المقرر أن تمتد شبكات الطرق بقرب أو عبر أراض تنشط فيها حركة طالبان الباكستانية وغيرها من الجماعات المسلحة  والتي قد تهاجم عمال البناء وتعطل تدفق السلع. وقد ركز الجيش الباكستاني – في العمليات العسكرية الجارية التي تستهدف تلك الجماعات – على حركة تركستان الشرقية الإسلامية بسبب الضغوط الصينية التي يساورها القلق من أن الهجمات ربما تؤخر أو تعرقل الممر الاقتصادي. وفي أكتوبر 2015، زعم الجيش القضاء على حركة تركستان الشرقية الاسلامية في باكستان، ولكن لا يزال يوجد تهديد الجماعات الأخرى. وهاجمت جماعات إسلامية متشددة بالفعل أهداف صينية، بما في ذلك اختطاف عمال البناء، وألمحت تلك الجماعات إلى أن هجماتها يمكن أن تتوسع لتشمل استهداف مزيد من المصالح الصينية.

ويستعر التمرد المسلح منذ عشرات السنوات في بلوشستان، حيث يجري تنفيذ عدد من المشاريع الهامة ضمن مخطط الممر الاقتصادي. حيث هاجم المتمردون البلوش المشاريع والعمال الصينيين. ولحماية ميناء جوادر، يتضمن أحد الاقتراحات بناء سياج أمني يحيط لها مع وضع عدة نقاط تفتيش. إلا أن هذه المخططات تهدد بتفاقم عزلة المجتمعات المحلية.

كذلك يواجه الممر الاقتصادي معارضة سياسية داخلية في باكستان، في ظل الاقتتال الداخلي بين المحافظات والحكومة المركزية على تخصيص الاستثمارات. وقد وجهت أحزاب المعارضة اتهامات بالمعاملة التفضيلية في مشاريع الطريق الشرقي، زاعمة أن مقترحات الحكومة بتوزيع الخدمات والمناطق الصناعية والمناطق الاقتصادية الخاصة يمنع بعض المقاطعات من الحصول على فرص استثمارية فيما تستفيد مقاطعة البنجاب فقط. ومن ناحية أخرى تزيد انعدام الشفافية المحيطة بالصفقات التفاوضية المخاوف والشكوك حول استفادة عدد قليل فقط، إن وجد في باكستان، من تلك الاستثمارات.

وللتغلب على هذه المخاوف، يتطلب الأمر أكثر من قوات إضافي لحماية هذه المشاريع. وما لم تعمل الحكومة الفيدرالية الباكستانية مع السلطات الإقليمية والمحلية لإقناع المجتمعات أن هذه المشاريع في مصلحتهم، سيظل نجاح الممر الاقتصادي  موضع شك. كذلك من الصعب أن نتوقع تسامح الصين نفسها أمام هجمات تعدد المشروع، ولكن لأن الممر الاقتصادي هو نقطة انطلاق مبادرة (حزام واحد، طريق واحد) فإن الصين ربما تكون على استعداد لتحمل مزيد من العنف. وإذا كانت باكستان غير قادرة على توفير الأمن الكافي أو تخفيف مخاوف المعارضين المحليين، فإن المشاريع ستواجه صعوبة في تنفيذها، وستفشل في تشجيع دخول الاستثمارات أو تقديم نجاحات تجارية. 

التداعيات

في حال نجاحه، يمكن للممر الاقتصادي أن بوفر فوائد هامة للاقتصاد الباكستاني. فالنمو الاقتصادي أمر حيوي للاستقرار السياسي، وبالتالي ينبغي أن يعتبر المشروع تطورًا مُرحبًا به وبتشجيع من الولايات المتحدة.

ويمكن القول إن المبادرة تثير القلق أيضًا، خاصة الهند وغيرها من الدول المجاورة التي تشعر بقلق متزايد من الجرأة الصينية. ويشكك محللون هنود في الآثار المترتبة على الاستثمارات الصينية والقلق بشأن طموحات بكين في جنوب آسيا. وتنظر الهند إلى ميناء جوادر على أنه أقل من أن يصبح مركزًا اقتصاديًّا حيويًّا وأنه لن يكون بمثابة قاعدة بحرية لتوسيع الأسطول الصيني وعملياته في أنحاء المحيط الهندي. بالإضافة إلى ذلك، فقد بعث رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ومسئولين آخرين بشكاوى إلى بكين، احتجاجا على المشاريع الحالية والمقترحة لأنها تعمل من خلال الأراضي التي تطالب بها الهند. وللحد من احتمال أن تفاقم الأنشطة الصينية في باكستان من التوترات الإقليمية، بإمكان واشنطن أن ترفع قضية الحوارات الثنائية بين نيودلهي وبكين، أو حتى تستضيف محادثات ثلاثية.

كذلك لدى الولايات المتحدة مخاوف خاصة طويلة الأجل إزاء الممر الاقتصادي، فهو يمثل طليعة التوسع الصيني في أوراسيا ، والتأثير المحتمل لذلك في الداخل. ومع التقارب الباكستاني نحو الصين، ربما يكون هناك ميل في واشنطن للتنافس على النفوذ في إسلام أباد. إلا أن من الأفضل تجنب هذا التنافس، لأنه سيكون مكلفًا، ولا يمكن الفوز به، ويكاد يكون من المؤكد وجود نتائج عكسية على أهداف أمريكية أخرى في باكستان والمنطقة. وسيتوصل الباكستانيون إلى أفضل السبل لمواصلة العلاقات مع بكين وواشنطن، ويحتمل أن يستمروا في علاقات متميزة مع كلا الطرفين. يجب أن يستغل المسئولون الأمريكيون الفرصة التي يتيحها التركيز الباكستاني المكثف على الممر الاقتصادي لتعزيز أهدافها السياسية في باكستان، مع إيلاء اهتمام خاص للمخاوف الأمريكية تجاه الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية، والحرب في أفغانستان.

وأخيرًا، رغم أن المسئولين الصينيين والباكستانيين يشعرون بالقلق حيال المبادرات الأمريكية، يجب أن يكون الممر الاقتصادي موضع تقدير كفرصة للتعاون الثلاثي. ويمكن للولايات المتحدة توجيه جزء من أموال المساعدات المدنية الحالية في المشاريع التي تتماشى مع أهداف الممر الاقتصادي مثل التحسينات التقنية لشبكة الطاقة الوطنية الباكستانية والتي تساعد على خلق فرص العمل، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتوفير حوافز الاستثمار الخارجي الإضافي. وينبغي أن تستمر المساعدات الأمريكية في القيام بدور بناء في باكستان، ويمكن أن تعزز مزيدًا من الفعالية إذا ما تم التنسيق مع الجهود الصينية. وهذا يتطلب فتح حوار جديد تفصيلي مع المسئولين الباكستانيين والصينيين. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على المسئولين الأمريكيين – بما في ذلك من وزارة الخارجية وبنك التصدير والاستيراد – استخدام محادثاتهم مع نظرائهم الباكستانيين لضمان أن تطبق الحماية المتاحة للشركات والمستثمرين الصينيين أيضًا للشركات الأمريكية. وسيكون للممر الاقتصادي أفضل فرصة لتحويل التوقعات الاقتصادية في باكستان إذا انطلقت أيضًا موجة من الاستثمارات الأجنبية من الدول الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!