آليات إدارة “أزمات النفايات” في المنطقة العربية


باتت مسألة ضبط العلاقة بين قطاعات المجتمع من جانب، ومؤسسات وهيئات الدولة من جانب آخر، واحدة من أصعب الملفات عقب الحراك الثوري في المنطقة العربية، لا سيما بعد إدراك قطاعات واسعة من الشعوب أن كثيرًا من مطالبها لم يتحقق، فضلا عن عدم قدرة بعض الحكومات على التعامل مع ملفات تتعلق بقضايا البيئة، مثل أزمة تراكم القمامة وإدارة النفايات في شوارع العواصم الكبرى والمركزية في المنطقة، مما أدى لتصاعد الاحتجاجات في مواجهة الحكومات لعجزها في التعامل معها، وتحولها، في بعض الحالات، إلى محور للخلافات بين القوى السياسية المختلفة.

فقد أصبحت ظاهرة سوء إدارة النفايات -وخاصة الصلبة منها- واسعة الانتشار في عدة دول عربية مثل لبنان التي تحولت فيها تلك الظاهرة إلى أزمة سياسية حادة بين الأطراف السياسية المختلفة، إلى جانب العراق، وتونس، والسودان، واليمن، وبدرجة أقل مصر، وهو ما دفع الدول والمجتمعات الأهلية للبحث عن آليات جديدة لمواجهة تفاقمها، وأبرزها: الخطط والبرامج الحكومية العاجلة، وجهود وبرامج المنظمات الدولية، والمبادرات الأهلية والشخصية، والمنح والمعونات الدولية، علاوة على الاعتماد على نمط “خلايا الأزمات”. ولعل اجتماع وزراء البيئة الأفارقة مؤخرًا، يعبر عن إدراك الحكومات، حتى في القارة الأفريقية، للترابط الوثيق بين البيئة والتنمية.

وعلى الرغم من ذلك، تظل أزمة تفاقم القمامة وسوء إدارة النفايات حاضرة من حين لآخر في الدول العربية، لحزمة من الأسباب، والتي تتمثل في السلوكيات المجتمعية غير المبالية بقضايا البيئة، وقصور التشريعات البيئية، وغياب مشاركة القطاع الخاص في إدارة المشكلة مع الحكومة والمجتمع المدني، وعدم كفاية المصادر التمويلية، وغياب أحزب الخضر عن دوائر السلطة والحكم.

ظاهرة واسعة:

تفاقمت بشكل ملفت للانتباه في السنوات الماضية أزمة تراكم أكوام القمامة والنفايات في العديد من الدول العربية، واكتسب بعضها أبعادًا ذات طبيعة سياسية، ويأتي في مقدمتها تفاقم أزمة النفايات في لبنان، حيث أدى تراكم القمامة في كافة مناطق العاصمة اللبنانية بيروت وعدم قدرة الحكومة على التعامل معها إلى تنظيم تظاهرات واحتجاجات واسعة النطاق اتخذت شعار “طلعت ريحتكم” أدت إلى نشوب مواجهات مع الشرطة أسفرت عن سقوط قتيل وإصابة اثني عشر شرطيًّا علاوة على 400 مدني.

كما امتدت الظاهرة أيضًا إلى تونس؛ خاصة في العاصمة وبعض المدن الساحلية مثل سوسة والحمامات، حيث بلغ الأمر ذروته حينما تراكمت القمامة في إحدى أهم الجزر السياحية التونسية وهي جزيرة “جربه” في يوليو 2014، مما أدى إلى انطلاق احتجاجات طالبت الحكومة بسرعة التدخل ورفع القمامة. والجدير بالذكر أن السبب الرئيسي في تراكم القمامة بتونس يرجع للإضرابات المستمرة التي يقوم بها عمال النظافة بهدف الضغط على الحكومة لتحسين ظروفهم وأوضاعهم المعيشية، وهو ما أضفي عليها طابعًا سياسيًا واقتصاديًا في المقام الأول.

كذلك، شهدت العديد من المدن العراقية أزمة انتشار أكوام النفايات والقمامة في الشوارع، خاصة في المناطق المختلفة في بغداد وميسان والنجف وكربلاء، مما أدى لانتشار الأمراض والأوبئة بشكل ملفت للانتباه. وبدأت بعض القوى السياسية في استغلال تلك المشكلة لتوجيه اتهامات قوية للحكومة العراقية، بعدم منح الأولوية لتنمية المناطق الفقيرة في بعض المحافظات مثل ميسان.

وتمتد الظاهرة أيضًا إلى السودان، ليس فقط في مناطق جنوب وشرق الخرطوم، وإنما أيضًا في السوق الشعبية بأم درمان، حيث تتراكم أكياس القمامة والأوراق أمام المحلات التجارية والأسواق، علاوة على تراكمها في محطات المواصلات العامة، وهو ما أدى لانتشار الأمراض المعدية بين المواطنين. ويتكرر السيناريو ذاته بشكل أقل نسبيًّا في الحالة المصرية، خاصة في بعض المناطق المزدحمة بالسكان في العاصمة المصرية القاهرة. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، تنتج مدينة القاهرة نحو 15 ألف طن من النفايات يوميًّا.

آليات متعددة:

undefined
  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

تعددت آليات إدارة أزمة النفايات في دول المنطقة، منها ما يعتمد بالأساس على الجهود الحكومية، ومنها ما يعتمد على مبادرات للمنظمات الدولية والإقليمية، علاوة على الجهود الشخصية والمبادرات الأهلية. وفي هذا الإطار يمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:

1-الخطط والبرامج الحكومية العاجلة: مع تفاقم أزمة القمامة واتخاذها أبعادًا سياسية لا سيما في لبنان، بدأت الحكومة اللبنانية في إقرار خطة عاجلة لمواجهة الأزمة بناء على اقتراح كان قد تقدم به أكرم شهيب وزير الزراعة تضمنت عدة إجراءات، تتمثل في وضع عمليات إعادة تدوير النفايات تحت رقابة الوزارات المعنية، فضلا عن فتح مكتبين جديدين لطمر النفايات في منطقة سرار بعكار شمال البلاد، ومنطقة المصنع في سلسلة جبال لبنان الشرقية، علاوة على العمل بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار على تأهيل مكب رأس العين، ونقل نفايات بيروت وجبل لبنان إلى مكب الناعمة لمدة سبعة أيام، وذلك في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة المتفاقمة.

2- جهود وبرامج المنظمات الدولية: تؤدي برامج الأمم المتحدة دورًا إيجابيًّا في مواجهة أزمة تراكم القمامة والنفايات في بعض الدول، لا سيما العراق، حيث نفذ برنامج الأمم المتحدة للبيئة عملية مسح شامل حول إدارة النفايات الصلبة في كافة المحافظات العراقية -خاصة الجنوبية- بغرض الوقوف على تطبيقات ومميزات إدارة النفايات الصلبة، وتم تنفيذ البرنامج تحت إشراف المركز الدولي لنفايات البيئة وبالتعاون مع وزارة البلديات، حيث شمل المسح العديد من المواقع منها الناصرية وسوق الشيوخ والنصر في محافظة ذي قار، فضلا عن عدد من مناطق محافظة البصرة لا سيما مركز مدينة البصرة والدير والزبير، ومركز مدينة ميسان وقلعة صالح والميمونة.

3- المبادرات الأهلية والشخصية: ظهرت في بعض دول المنطقة مبادرات أهلية وشخصية للتخفيف من حدة هذه الأزمة، خاصة في العراق، وتونس، ومصر. فقد شهدت العراق في فبراير 2016 حملة أطلقتها شعبة التبليغ الديني التابعة لقسم الشئون الدينية في العتبة الحسينية، للمشاركة بحملات تنظيف الأحياء والشوارع عبر رفع القمامة منها، وشارك فيها نحو مائتي رجل دين على رأسهم وكيل المرجعية العليا في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي لتنظيف شوارع المحافظة.

وتكرر الأمر نفسه في تونس، حيث أطلقت شابة تونسية تدعى حذامي البرجي حملة بعنوان “تونس تنظف” بهدف حشد آلاف الشباب من كل ولايات الجمهورية عبر شبكات التواصل الاجتماعي لتنظيف كافة شوارع الدولة التونسية وليس العاصمة فقط، علاوة على نشر ثقافة النظافة وتوعية الشباب التونسي بدورهم في حماية البيئة. ومع تصاعد أزمة تراكم القمامة في شوارع مصر، أطلقت بعض القوى الشبابية مبادرات مشابهة بهدف تنظيف الشوارع، من أبرزها ما يطلق عليه حملة “شباب الخانكة” التي لعبت دورًا ملحوظًا في تنظيف المنطقة.

4- المعونات الدولية: بدأت دول مختلفة من العالم في تقديم مساعدات في شكل معدات لبعض دول المنطقة لمساعدتها في رفع أكوام القمامة المتراكمة فيها، وفي مقدمتها اليابان التي قدمت منحة قدرها 15 مليون دولار لصالح مشروعات إدارة النفايات بولاية الخرطوم السودانية، حيث شملت المنحة ما يقارب 80 شاحنة لنقل النفايات، علاوة على ثلاث جرافات، وحفارين آليين، فضلا عن عدد من الورش المجهزة لتدوير النفايات.

5- تشكيل “خلايا أزمات”: دفع انتشار القمامة في البلاد الحكومة التونسية إلى تكوين ما يُطلق “خلية أزمة” لمواجهة الظاهرة في بداية عام 2014، حيث اجتمعت بدورها مع لجنة مواجهة الكوارث، لتكون مهمتها الرئيسية البحث عن الإجراءات المستعجلة للحد من آثارها، والتي تمثلت في الاتصال بالبلديات المجاورة ومنظمات المجتمع المدني للمشاركة في حملة النظافة، علاوة على التواصل مع شركات خاصة بهدف عقد صفقات فورية لإنهاء الوضع البيئي المتردي والصحي في العاصمة.

تحديات مختلفة:

  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

تواجه عملية إدارة النفايات في المنطقة العربية جملة من التحديات، يمكن تناولها على النحو التالي:

1- قصور التشريعات البيئية: تفتقر كثير من دول المنطقة لوجود بناء تشريعي صلب ومحكم، لا سيما فيما يخص قضايا حماية البيئة والمحافظة عليها، خاصة بعد تركيز الدول بعد الثورات على صياغة أطر إصلاحية أوسع مثل الدساتير الجديدة، وقوانين العدالة الانتقالية، وهو ما جاء على حساب القوانين والتشريعات الأخرى وفي مقدمتها التشريعات البيئية. ذلك فضلا عن ضعف قدرة مؤسسات الدول على إحكام عمليات الرقابة وتشديد إجراءات رد المخالفين خاصة بعد الثورات، حيث فقدت بعض السلطات المركزية في عدد من الدول القدرة على السيطرة الكاملة.

2- عدم كفاية المصادر التمويلية: يتطلب تحجيم ظاهرة انتشار القمامة والنفايات، سواء عبر الهيئات والمؤسسات المملوكة للدولة أو من خلال إبرام عقود مع شركات القطاع الخاص، توفير اعتمادات ومخصصات مالية، وهو ما يعد أمرًا صعبًا، خاصة مع حالة التراجع الاقتصادي التي تشهدها عدة دول، لا سيما تلك التي تُعاني من عجز كبير في موازنتها العامة مثل تونس التي بلغت فيها نسبة العجز في الموازنة ما يقارب 4,4%، ولبنان التي وصل فيها عجز الموازنة إلى 28%، وهو ما يعد عائقًا حقيقيًّا أمام توفير مصادر التمويل.

3- غياب أحزاب الخضر عن دوائر السلطة والحكم: وهى الأحزاب التي تتبنى قضايا البيئة والمحافظة عليها في التجارب الأوروبية، حيث تستطيع بدخولها للبرلمانات أن تضع قضايا حماية البيئة على أجندتها. ويبدو أن الغياب النسبي لهذا النوع من الأحزاب عن البرلمانات ودوائر الحكم في دول المنطقة يمثل أحد عوائق صياغة التشريعات البيئية الهامة، والتي من شأنها الحيلولة دون انتشار ظاهرة تراكم القمامة والنفايات في دول المنطقة. ورغم وجود أحزاب الخضر في بعض الدول مثل السودان ولبنان،  فإنها تبقى غير فعالة وخارج دوائر السلطة.

4- ضعف الثقافة التشاركية لمواجهة الظاهرة: رغم التواجد الملحوظ لشركات القطاع الخاص سواء المحلية أو الأجنبية المتخصصة في عمليات جمع القمامة في مختلف الدول، إلا أن ذلك لم يساهم في تفعيل عملية تشاركية تهدف إلى حماية البيئة والمحافظة عليها ضد الأخطار المختلفة.

5- السلوكيات المجتمعية غير المبالية: انعكست حالة الانفلات العامة في بعض الدول بشكل واضح في انتشار نمط السلوكيات غير المسئولة وغير المبالية من جانب بعض المواطنين، وهو ما يُعد أحد أبرز المعوقات التي تحول دون نجاح جهود مكافحة وتحجيم تلك الظاهرة.

خلاصة القول، تتطلب مواجهة انتشار أزمة القمامة والنفايات، التي اتخذت طابعًا سياسيًا واقتصاديًا في عدد من الدول العربية، وضع استراتيجية متكاملة لمكافحتها تتضمن حزمة من الإجراءات، يتمثل أهمها في رفع مستوى الوعي البيئي عبر مقررات تعليمية وبرامج ثقافية ودورات تأهيلية للعاملين في الإعلام البيئي، وتفعيل أنشطة مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز قدرتها على تكوين علاقات مع المنظمات الدولية المعنية بإعادة تدوير النفايات، والحفاظ على السلامة الصحية للمجتمعات، والاهتمام بالبرامج البيئية لأحزاب الخضر، وإنشاء مشروعات واسعة لتدوير القمامة، وإشراك المستفيدين منها في عملية اتخاذ القرار بشأن القضايا المرتبطة بها، علاوة على ضرورة تشديد العقوبات على المخالفين.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!