الأديب السويدي المغامر في عالم الفكر والخيال أوغست يوهان ستريندبرغ


الأديب السويدي المغامر في عالم الفكر والخيال أوغست يوهان ستريندبرغ  :  “حياتي أشبه بمسرحية عليّ أن أعانيها وأكتبها في نفس الوقت”

مقدمة

في تراث كل أمة من الأمم عباقرة أفذاذ أصحاب الأسلوب السلس واللغة البليغة. ففي نظر الأغريق القدماء كان الشاعر هوميروس الذي كان ضريرا، وعاش في حوالي سنة 800 قبل الميلاد، كتب الألياذة والأوديسة اللتين تعدان من أروع الملاحم الحماسية في سير الأبطال في نظر كثير من الشعوب. وفي التراث العربي كان أمرؤ القيس ملك الشعراء في معلقته الخالدة من البحر الطويل، وهو يصور العصر الذي عاش فيه أجمل تصوير وما للحياة المادية من اضطراب بلغة بليغة ورائعة ومؤثرة. ويُقال أنه نظم تلك القصيدة في وصف واقعة جرت مع حبيبته وابنة عمه (عنيزة بنت شرحبيل).

   وعندنا أبو الطيب المتنبي ماليء الدنيا وشاغر الناس. وقد اشار طه حسين في كتابه (مع المتنبي) إلى شعره الذي قال في سيف الدولة، أنه “من أجمل الشعر العربي كله وأروعه وأحقه بالبقاء”. وكان أبو العلاء المعري الذي كان ضريرا مثل هوميروس شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء.

  وفي السويد يعتبر الأديب المغامر (أوغست يوهان سترينبرغ) أحد أولئك العظام الذين أغنوا التراث السويدي والعالمي بفكره ورواياته ومسرحياته الخالدة. فهو واحد من المبدعين الأفذاذ والمغامرين الكبار في حقل الفكر، في بلد صغير أسمه السويد.

طفولة ونشأة ستريندبرغ

 ولد سترينبرغ في 22 يناير/كنون الثاني عام 1849 في مدينة ستوكهولم، من عائلة فقيرة محافظة مولعة بالثقافة. كان أبوه (كارل أوسكار) موظفا، وأمه (أولريكا بيونورا) عاملة في مطعم ريفي. له سبعة أخوة، وحياته شقية بوهيمية مما أثرت على جميع أعماله الأدبية.

 كان سترينبرغ متقلبا ومضطربا وذو طبع غير مستقر،

محافظا يوما وراديكاليا يوما آخر، مصلحا يوما ومتمردا

يوما آخر. اعتبر نفسه أنه يناضل ضد العالم كله، ولكن في نفس الوقت من أجل العالم كله. وقد تخرج من المدرسة الثانوية في مدينة ستوكهولم، والتحق بجامعة أوبسالا القديمة والمحافظة، لكنه لم يواصل دراسته فيها بل تركها وبدأ يعمل في المكتبة الملكية السويدية بستوكهولم.

عاش سترينبرغ في بيئة مدينة ستوكهولم، بعد أن ترك دراسته الجامعية في مدينة أوبسالا. وكتب مسرحيته الأولى في شبابه عام 1872 بعنوان tjansteman (المعلم أولوف) .

 تُمثل هذه المسرحية نقدا للسلطة الزمنية ودفاعا عن البروتستانتية في السويد، وهو بذلك يظهر نفسه مصلحا. لكنه ينقد شخصه باعتباره قاسي القلب، وهو بذلك يظهر نفسه جلادا. هنا يتجلى الصراع بين الإصلاح والقساوة في تفس الكاتب.

أفكار ستريندبرغ      

كان كاتبا وممثلا ومصورا ورساما وشاعرا. عمل في المسرح وفي التعليم والصحافة، وأصاب بنجاحات واخفاقات، لكن اخفاقاته الكثيرة التي عايشها ساقته إلى الأدب وكتابة الروايات والشعر. ولعل أهمها درامياته الصغيرة ذات المواضيع التاريخية، بأسلوبه المتهكم وصراعه مع الأفكار السائدة في عصره من أفكار دينية وزمنية على السواء. ويمكن أن نجد تعليلا لهذه التقلبات الفكرية والإبداعات الدرامية ومواقفه المتباينة من الطبقة العليا والطبقة الدنيا، وشعوره أنه من طبقة أدنى من غيره من الأثرياء وأصحاب السلطة.

كان متعلقا بأمه الفقيرة، ومحبا لها، وهو يقارن نفسه بإسماعيل عليه السلام الذي كان ابن الجارية هاجر. وقد تحدث به في روايته (ابن الخادمة) في أربع مجلدات كتبها بين أعوام 1884-1887. فهو يصف نفسه عبدا بين قوى طاغية، ينبغي عليه محاربتها. أنه يكشف طبيعته ونفسيته في هذه الرواية، وكيف أن أباه كان يعامله بالجفاء، بينما كانت أمه تعامله بحنان، ولذلك فإنه كان يجد من الأم “المثل الأعلى” للمرأة في الأسرة. وهذا الموقف يعد فريدا تجاه المرأة، لأن نظرته كانت سلبية من المرأة بشكل عام، وهذا ما نبينه لاحقا حين نبحث بعض رواياته عن الزواج والسيدات.

عبَّر عن أفكاره المتناقضة في رواياته وأشعاره وكتاباته النثرية ومسرحياتـه ورسائلـه. فقد حلل تاريخ تطوره الشخصي بأسلوب متهور في مسرحيته   Tjanstekvinnans son (ابن الخادمـة)، حيث بنى المسرحيـة على الخبرة الذاتيـة. أما مسرحيته التي يمكن تسميتها بالمسرحية السوداء Froken Julie (الآنسة جولي 1888) فبُنيت على مباديء المذهب الطبيعي على عكس مسرحيته Till Damaskus  (الى دمشق 1898) المبنية على الأوهام ومعاداة المذهب الطبيعي. بينما نجده متأثرا بالفيلسوف الألماني فردريك نيتشة في روايتـه I havsbandet  (في الجزر) التي نشرت بين 1889-1890.

   كان ستريندبرغ متأثرا بشكسبير وفيكتور هوجو وشيللر أيضا. ولقد عبر الكاتب السويدي Ingmar Holm  والكاتب الفرنسي Magnus von Platen في كتابهما عن دوافع ممارسة (ستريندبرغ) الكتابة قائلا:

< الصراع بين جنسي الذكر والأنثى هو أحد الدوافع الكبرى في آثار (سترانبيرغ) [كذا]، في بدء ممارسته الكتابة رأيناه ينخرط في عمليات الإصلاح الاجتماعي، وفي نهاية الثمانينات هجر موقفه الديمقراطي، وفي مطلع القرن العشرين عاد الصراع الاجتماعي إلى التوقد، ورأينا مستعدا لتأييد الطبقات العاملة والتحيات التي تلقاها من عدد كبير من المنظمات البروليتارية أنعشت أيامه الأخيرة >.

وهنا نتساءل: لماذا الصراع بين جنسي الذكر والأنثى هو أحد الدوافع الكبرى في آثار ستريندبرغ؟

تزوج كاتبنا ثلاث مرات في حياته، وكانت النتيجة هي الطلاق في جميع الحالات. تشرح لنا دائرة المعارف السويدية FOCUS عن مأساة الحياة الزوجية لهذا الكاتب الذي يعتبره السويديون كاتبا عالميا معروفا. أنه تزوج في المرة الأولى بالممثلة السويدية الفنلندية Siri von Essen  (1850 – 1912) عام 1877، وعاش معها أطول فترة من حياته الزوجية إلى عام 1891. ويبدو أن حياته كانت أكثر استقرارا من السنوات اللاحقة، لكن مع ذلك أصبح الطلاق أمرا ممكنا. وبعد عامين من الوحدة تزوج بالفتاة النمساوية Frida Uhl (1872-1943) عام 1893، ثم طلقها بعد سنتين أي عام 1895. وبقي على هذا الحال بدون عائلة إلى عام 1901 وتزوج بالفتاة السويدية Harriet Bosse (1878-1961) ولم يدم الزواج سوى ثلاث سنين، حيث طلقها عام 1904.

وصف وتحليل بعض آثار ستريندبرغ

وصفت دائرة المعارف السويدية FOCUS  أن (ستريندبرغ) يعتبر أحد الكتاّب السويديين الذين يتمتعون بالموهبة والقدرة الأدبية المتعددة الجوانب، ولا سيما في مجال المسرحية التي أصبحت على مستوى الأداب العالمية المعروفة. ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى ما نشرته (صحيفة الشرق بتاريخ 29 أيار/مايو 2005 ).

جرى عرض مسرحية ستريندبرغ السوريالية (لعبة الحلم) على خشبة مسرح كوتيلو البريطانية في منتصف العام الماضي.                                                               

  ويعرض (علي كامل) في مقاله أن:

< هذه الرحلة السوريالية عبر أرض الأحلام، كتبها ستريندبرغ وهو تحت تأثير محموم بالديانة الهندوسية وهذه الدراما هي بمثابة أصداء لكلمة “الإله كريشنا” في الملحمة الهندية الشهيرة “مهيبهراتا”، حين يعلن أن “العالم هو مجرد وهم”. والأفكار الرئيسية التي عالجها العرض تمثلت في الطفولة، الخيانة الزوجية، الفقد، ومن ثم الموت >.

في روايته التي مثلت كمسرحية (الغرفة الحمراء) عام 1879 تتجلى سعادة ستريندبرغ الزوجية القصيرة مع زوجته الفنلندية الأولى التي تزوجها عام 1877، وكانت ممثلة بارعة مثلت أدوار هذه المسرحية، مما جعلت حياته أكثر اشراقا، في الوقت الذي كانت حياته الزوجية حياة تعيسة بصورة عامة، ولا سيما في الزواجين الثاني والثالث كما ذكرنا أعلاه. ومن هذا المنطلق كان الزواج عنده رباطا مقدسا، إلى درجة جعل المرأة في مرتبة عليا إذا كانت زوجة صالحة وأما حنونة. وهذا التطرف جعله يقف موقفا سلبيا من حرية المرأة، واعتبر المرأة غير المتزوجة في عمر الزواج إحرافا وتخلفا. وهنا تبدو التناقضات الفكرية في حياة ستريندبرغ، والتردد بين الفكر المتفتح تجاه المرأة في الزواج، والأم التي تعتني بأطفالها، إلى موقف رجعي متخلف من المرأة التي تعمل تاركة البيت والأطفال، فحالة غير صحية بالنسبة له. وتجلى تطرف ستريندبرغ وموقفه المعادي من حرية المرأة في كتابه من جزئين: الجزء الأول: (تزوج عام 1884) والجزء الثاني: (عام 1886) والتي تمثل قصص قصيرة معادية بوضوح لتحرر المرأة، مما أثار ضجة ضد أفكاره.

   ويمكننا أن نتساءل كيف يوفق ستريندبرغ بين تعلقه بأمه، وحبه لها، وهي المثل الإنساني السامي، وكذلك حبه لزوجته الفنلدية التي ذكرناها أعلاه، وبين عدائه للمرأة وحريتها؟ الجواب كان واضحا في فكر الكاتب، فهو مع الزواج، وأن مهمة المرأة عنده هي أن تكون زوجة صالحة ومربية جيدة للأولاد، وإذا لم تتقن المرأة مهنتها هذه، فهي غير صالحة. والسبب الآخر هو خوفه من المرأة أن تسيطر على مقاليد الحكم وتقود الرجل إذا تحررت، مما أدى إلى فشل زواجه مع زوجاته الثلاث. ولعل مسرحيته (الآنسة جولي) التي ظهرت عام 1888 تمثل احتقارا  للمراة، ولكن في نفس الوقت شرحا لمأساة ستريندبرغ في الحياة في ذلك الوقت.

يمكن أن نتساءل من جديد، كيف جمع الكاتب هذا الكم الهائل والمتناقض من الأفكار اليسارية والرجعية معا، وحب المرأة، والحقد عليها في آن واحد؟ كيف كان يتردد بين المذهب الطبيعي ومذهب القوة عند نيتشه. وأخيرا أفكاره الدينية ورجوعه إلى المسيحية من جديد في أواخر أيامه، حيث ظهرت أفكاره الدينية واضحة في روايته التي ظهرت عام 1898 عن يعقوب. وتوالت أشعاره ورواياته ومسرحياته وقصصه القصيرة إلى أن بلغت 55 مجلدا كان آخرها ثلاثة كتب عام 1912 وهي السنة التي توفي فيها:

Kinesiska sprakets härkomst           منشأ اللغة الصينية

Czarens kurir  رسول قيصر (يضم مجموعة من المقالات السياسية).

En extra bla bok  كتاب إضافي أزرق (سُجل الكتاب بأسم: كتاب أزرق).

كلمة أخيرة

ستريندبرغ أحد أشهر الكتاب السويديين في كل العصور، وهو ابن مدينة ستوكهولم الكبيرة نسبيا في ذلك الوقت، وكراهيته للمدينة جعلته من محبي الطبيعة ومن عشاق الجمال والاخضرار.  يقارنه السويديون عادة بالكاتبة السويدية الرائعة Selma Lagerlof   (سلمى لاغرلوف) المولودة عام 1858 والمعروفة في كتابة النثر. وهي كاتبة ملتزمة ذو أسلوب قصصي ملحمي مؤثر تتحدث عن مشاكل الحياة الزوجية وعذابات النساء. حازت على جائزة نوبل في الأدب عام 1909، من أشهر قصصها (القدس) عام 1901-1902 و (رحلة نيل هولجرسون الرائعة في السويد) عام 1906-1907.

   السؤال المطروح هو لماذا لم يحصل ستريندبرغ على جائزة نوبل بدلا عن (سلمى لاغرلوف) أو قبل أو بعد (سلمى لاغرلوف؟ لقد علق عليه أحد الكُتاب، وهو (إيلوكوفيتش) أنه “كان مرشحا معقولا لجائزة نوبل في الأدب، لكنه كان شخصية معقدة جداً، كما لم يكن على درجة كافية من الوقار”.

 قامت مجموعة من محبي الكاتب بتأسيس منظمة بأسم “رفاق ستريندبرغ” عام 1945، ويعود الفضل لهذه المنظمة في فتح أول متحف لآثار ولوحات وصور سترينبرغ بأسم  “متحف سترينبرغ” في شارع الملكة عام 1960. ولازال هذا المعرض قائما. ومن صوره النادرة الموجودة في هذا المتحف، هي الصورة التي بين أيدينا.

 توفي أوغست ستريندبرغ  في 14 أيار/مايو عام 1912 بمدينة ستوكهولم. وبعد وفاته قامت مؤسسة ألبرت بونيري السويدة للطباعة والنشر بستوكهولم بجمع آثاره وطبعها في خمسة وخمسين مجلدا، تضمنت رواياته وقصصه وفلسفته في الحياة، وحياته الفردية والعائلية ورحلاته. واستغرق جمع وطبع هذه الآثار ما يقارب العشر سنين، وبالتحديد بين 1912-1921.

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!