التشهير والأكاذيب والأموال الوفيرة .. الوجه الحقيقي للديموقراطية الأميركية


حتى الآن لم تكن الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 إلا عبارة عن مهزلة حقيقية زاخرة بالتشهير والأكاذيب والأموال الوفيرة.

وليس من المستغرب أن يكون الرئيس الأمريكي القادم إما المرشح الجمهوري المفترض دونالد ترامب أو المرشحة الديمقراطية الأوفر حظا هيلاري كلينتون.

وفاز ترامب في الانتخابات التمهيدية الحاسمة للحزب الجمهوري التي جرت يوم الثلاثاء في ولاية أنديانا بغرب وسط الولايات المتحدة، تلا ذلك إعلان منافسيه في سباق الحصول على بطاقة الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأمريكية، تيد كروز وجون كاسيتش، إنهاء حملتيهما الانتخابية.

وقد حولت كلينتون، التي قطعت أكثر من 90 في المئة من المسافة للحصول على ترشيح الحزب الديمقراطي، انتباهها نحو الانتخابات العامة.

— التشهير

لسنوات عديدة، أصبحت الحملات الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة عبارة عن عملية يقوم فيها المرشحون بالتشهير بسمعة بعضهم البعض، وكشف فضائح منافسيهم، بل وحتى القيام بنشر شائعات.

وخلال القيام بالدعاية الانتخابية في ولاية أنديانا هذا الأسبوع، انخرط ترامب وكروز في تصعيد لفظي ضد بعضيهما.

وبدأ الأمر عندما ردد الملياردير النيويوركي مزاعم نشرتها صحيفة “ناشيونال إنكوايرر” المحلية، والتي ربطت بين والد كروز، رافائيل كروز وهو مهاجر كوبي، بقاتل الرئيس الأمريكي الأسبق جون أف كينيدي، لي هارفي أوزولد.

وقال كروز إن “الرجل لا يستطيع قول الحقيقة لكنه يجمعها مع كونه نرجسي”، مضيفا أنها “نرجسية تصل إلى مستوى لا أعتقد أن هذه البلاد قد شهدتها من قبل على الإطلاق”.

ووصف عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس ترامب بأنه “زير نساء متسلسل” — ومن المرجح أنها جزء من إستراتيجيته في محاولة كسب تأييد الناخبين الإنجيليين.

وفي رده على ذلك، قال ترامب إن كروز قد أصبح “مختلا أكثر وأكثر”.

وفي وقت سابق، كان ترامب وكروز قد بدأا ما وصفه بعض الناخبين بأنه شجار قذر، حيث قاما بالتعرض لزوجتي كل منهما.

وفي شهر مارس الماضي، نشرت “لجنة العمل السياسي” المناهضة لترامب إعلانا يظهر صورة فاضحة لزوجته ميلانيا، وهي عارضة أزياء سابقة، وكانت قد اُلتقطت لها في جلسة تصوير لمجلة “جي كيو”، حيث كُتب عليها “إليكم ميلانيا ترامب، السيدة الأولى القادمة. أو بإمكانكم دعم تيد كروز يوم الثلاثاء”.

وحمّل ترامب حملة كروز الانتخابية المسؤولية عن الإعلان ، وكتب على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي “تويتر” محذرا: “كن حذرا أيها الكذاب تيد، وإلا سوف أقوم بفضح زوجتك”.

وإلى جانب ذلك، قام بإعادة نشر تغريدات تتضمن صورا لزوجة كروز، هايدي كروز، وهي بمظهر غير جذاب، وأخرى لزوجته ميلانيا، لكن بوضعية فاتنة، وأرفقها بكتابة عبارات مثل “لا حاجة للقيام بفضائح”، و”الصور تساوي ألف كلمة”.

فضلا عن ذلك، بثت وسائل إعلام أمريكية تقاريرا ذكرت أن كروز كان قد أقام سلسلة من العلاقات خارج نطاق الزواج، وأن زوجته هايدي عانت نوبات من الاكتئاب، الأمر الذي نفاه الاثنان.

وفي الواقع، فقد تم تشكل صيغة كلينتون مقابل ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية منذ منتصف إبريل، عندما بدأ الجانبان بإطلاق تصريحات نارية ضد بعضهما بشكل متزايد، حيث وصف كل منهما الآخر بأنه “كارثة”.

وفي يوم الأربعاء، نشرت حملة كلينتون مقطع فيديو على شبكة الانترنت ينتقد ترامب، وتضمن المقطع تجميعا لكل التصريحات القاسية التي قالها زملاء ترامب الجمهوريين بحقه خلال حملة ترشيح الحزب.

من جانبه، دأب ترامب على انتقاد كلينتون للعب ببطاقة المرأة.

وقال لقناة “فوكس نيوز” يوم الأحد “لقد قامت بعمل رديء في كثير من النواحي وحتى النساء لا يفضلونها”، مضيفا “لكن هذه بطاقة المرأة وهي تلعب بها، وسأدعكم تعرفون بعد نحو ستة أشهر فيما إذا كانت تلعب بها بشكل جيد، لكنني لا أعتقد أنها ستتمكن من اللعب بها جيدا”.

وأضاف “لو لم تكن امرأة لما استطاعت أن تكون في هذه الانتخابات”.

— هذيان وأكاذيب

خلال الانتخابات التمهيدية في هذا العام، قطع بعض المرشحين وعودا تبدو أنها عظيمة ولكن يصعب تحقيقها.

على سبيل المثال، يعتبر ترامب مشهورا بتصريحاته الفظة أو النارية في بعض الأحيان.

وقال قطب العقارات في خطاب إعلان ترشحه لانتخابات الرئاسة إن المكسيك كانت ترسل “مغتصبين” وتجار مخدرات إلى الولايات المتحدة, كما تعهد مرارا بأنه، في حال انتخابه رئيسا، سيقوم بترحيل 11 مليون مهاجر غير شرعي متواجودين في البلاد.

وفي نوبة انفعال أخرى، دعا ترامب إلى فرض حظر “تام وكامل” على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة في أعقاب الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس العام الماضي.

كما وجه ترامب انتقادات شديدة لاتفاقيات تجارة حرة أبرمتها الولايات المتحدة مع دول أجنبية.

فيما استندت حملة الديمقراطي الاشتراكي، بيرني ساندرز، وهو عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية فيرمونت، حول تعهد بتقديم رعاية صحية شاملة وتعليم جامعي مجاني.

وكتب ريتشارد ريفز، وهو باحث بارز في معهد بروكينغز، في مقالة نُشرت في مارس الماضي إن “أفكار ترامب حمقاء — لكن بالمقابل أفكار ساندرز ضعيفة”.

وتابع “حاليا، يبدو أن قوة الوصفات السياسية للمرشح غير مرتبطة بقوة الدعم السياسي الممنوح له، أو في حال كان هناك علاقة بينهما، فإنها معكوسة. إذ أن ترامب يقدم المثال الأكثر وضوحا عن انفصال السياسي عن السياسات”.

بدوره قال بول غروغمان، الخبير الاقتصادي البارز والحائز على جائزة نوبل، في مقاله لشهر إبريل بصحيفة “نيويورك تايمز” إنه “بشأن العديد من القضايا — بما في ذلك قضايا رئيسية في حملته، وخاصة الإصلاح المالي — فقد بدا (ساندرز) أنه اختار التوجه نحو شعارات سهلة بدلا من التفكير الجاد، وأن نظريته السياسية للتغيير، التي تتجاوز الحدود، بدت غير واقعية نهائيا”.

وتعد ثقافة إطلاق الأكاذيب المتجذرة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية هي وراء كل هذه الوعود الكبيرة.

في حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2012، يقال أن المرشح الجمهوري ميت رومني قد قال 533 كذبة خلال 30 أسبوعا.

كما أقرت كلينتون، التي رفضت مرارا الاعتذار عن استخدامها بريدها الإلكتروني الخاص عندما كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية، أقرت لاحقا بأن الإجراء كان خاطئا وأنها “أسفة” لذلك.

وقالت كلينتون في مقابلة مع شبكة أخبار “أيه بي سي” في سبتمبر عام 2015 “حاليا عندما أنظر إلى الوراء، على الرغم من أنه كان مسموحا، إلا أنه كان ينبغي علي استخدام حسابين مختلفين، لقد كانت غلطة، وأنا أسفة إزاء ذلك، أنا أتحمل المسؤولية”.

وعلقت “هافينغتون بوست” في إحدى افتتاحياتها بشأن مثل تلك الظواهر بالقول إنه ربما من ضمن المعايير الجديدة لتولي منصب رئيس الولايات المتحدة ألا يكون المرشح صريحا بل يقوم بإطلاق الأكاذيب.

— المال الوفير

وقال جيسي أونروه، وهو سياسي ديمقراطي ورئيس سابق لبرلمان ولاية كاليفورنيا، ذات مرة، إن “الأموال هي حليب الأم بالنسبة للسياسة”. ويبدو أن هذه الجملة تعبر بدقة عن الوضع في حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

في الولايات المتحدة، المال بالتأكيد لا يكفي للوصول إلى منصب الرئيس، ولكن من الاستحالة مطلقا أن تصل إلى البيت الأبيض في حال لم تكن غنيا.

وفي انتخابات هذا العام، فإن ترامب “غني حقا” كما قال في خطاب إعلان مشاركته في الانتخابات، في حين ينشغل المرشحون الآخرون في جمع الأموال.

ونشرت صحيفة ((واشنطن بوست)) تقريرا في 15إبريل ذكرت فيه أن شركات وأغنياء في الولايات المتحدة قد تبرعوا بـ 600 مليون دولار أمريكي للجان العمل السياسية الكبرى، حتى نهاية فبراير الماضي، حيث جاء 41 في المائة من هذه الأموال من 50 عائلة فاحشة الثراء في البلاد.

وفي إبريل 2014، قررت المحكمة العليا في الولايات المتحدة أن القيود المفروضة على المبلغ الإجمالي للأموال التي يمكن للأفراد أن يقدموها لمرشحين أو أحزاب سياسية أو لجان عمل سياسية تعتبر غير دستورية، الأمر الذي فتح الباب لتدفق أموال وفيرة في مجال السياسة.

وقال بينجامين بايج، الأستاذ في جامعة نورث ويستيرن الأمريكية إن “لتدفق الأموال، المستوفية للناحية القانونية تماما، والتي تسود السياسات الأمريكية، تأثيرات مفسدة بصورة أساسية”.

كما نقلت وسائل إعلام تصريحات للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر قالها في سبتمبر الفائت بكلمات صادقة، “لقد أصبح يحكمنا الآن القلة (الأوليغارشية)، بدلا من حكم الديمقراطية”.

وأضاف أن “(الأموال الوفيرة) تخالف جوهر ما جعل الولايات المتحدة بلدا عظيما من حيث نظامها السياسي. والآن إنها مجرد حكم قلة مع انتشار رشوة سياسية غير محدودة كونها جوهر الحصول على الترشح للرئاسة أو انتخاب الرئيس. وينطبق ذات الشيء على انتخاب حكام الولايات وأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب”.

وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق في انتخابات هذا العام سوف يتخطى 5 مليارات دولار أمريكي، محطما بذلك الرقم القياسي السابق وهو 2 مليار دولار، والذي تم تسجيله في انتخابات عام 2012، ما جعلها الأعلى إنفاقا في تاريخ الولايات المتحدة.

وفي سبيل استعادة “ديمقراطيتهم المفقودة”، تجمع الآلاف من النشطاء ونظموا اعتصامات خارج كابيتول هيل مطلع شهر إبريل الحالي احتجاجا على تدفق أموال وفيرة في السياسة وضد العوائق التي تحول دون المشاركة بالتصويت، ولكن الاحتجاجات التي استمرت على مدى أسبوع انتهت باعتقال أكثر من400 متظاهر.

وفي الختام، إن ما يسمى بالديمقراطية الأمريكية حاليا ما هي في الواقع إلا حكم قلة (أوليغارشية) بقناع رديء ، ويعاني من تفشي عمليات التشهير وإطلاق الأكاذيب وتدفق الأموال الوفيرة فيه.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!