نيتشه والمعاناة… الفيلسوف “المجنون”!


سوزان أبو سعيد ضو

 

نمر جميعا بأوقات عصيبة ولحظات قاتمة في حياتنا، فكلنا نواجه صعوبات يبدو من المستحيل تجاوزها، كما نتعرض للعثرات والعقبات. وحين نواجه مثل هذه الحالة، نكون غالبا مدفوعين للإستسلام واليأس، وقد حاول أغلب الفلاسفة في بحثهم عن السعادة بالتقليل من حجم المعاناة التي نتكبدها، وقدموا نصائح لكيفية التخلص من الألم، ولكن ثمة فيلسوفا واحدا قدم تفسيرا استثنائيا حول الموضوع، إنه فريدريك نيتشه الذي آمن أنه يجب على كل إنسان يرغب بالسعادة، أن يتقبل ويرحب بكل أشكال المعاناة والفشل، وأن يعتبرها تحديات عليه تجاوزها، تماما كمتسلق الجبال الذي يجابه الصعوبات بهدف الوصول إلى القمة.

وحده بين الفلاسفة، انفرد نيتشه بهذه المقاربة للألم، واعتقد بالفائدة أن يعيش الإنسان النكسات في حياته، وكان الباحث في مجال الفلسفة والكاتب آلان دي بوتون Alain de Botton الذي قدم سلسلة وثائقية حول الفلاسفة، تحت عنوان “الطريق إلى السعادة” Path to happiness، قد خصص حلقة خص بها نيتشه، وقال في الوثائقي مقتبسا من نيتشه “إلى كل الأشخاص الذين يهمني أمرهم، أتمنى لهم العذاب والكآبة، سوء المعاملة والإهانات، احتقار الذات العميق، وعذاب الشك في النفس”، ولفهم ما قصده نيتشه بهذا القول، فمن المهم زيارة أحد قمم جبال الألب المفضلة لديه، Piz Corvatsch، ومع الهدوء الموجود في هذه القمة، وتحتها الغابات والقرى، ومن هذا المكان في القمة، نفهم لم وضع نيتشه هذه الأهمية على قمم الجبال، ففي القمة، تجد أجمل المناظر، إلا أنه من الصعوبة بمكان الوصول إليها، وهذا شرح لمنظوره للأمور، فمن اجل الوصول لأمر ذي قيمة وهام، على الإنسان أن يتكبد جهدا استثنائيا.

ومن المؤكد أن نيتشه عرف الكثير عن المعاناة، سواء جسديا أو عقليا، فقد كانت حياته معاناة مستمرة، فقد صارع المرض باستمرار، دوار الرأس، الصرع، التقيؤ، وقد تكون نتيجة للسفلس الذي التقطه من بيت دعارة وهو لا يزال طالبا، وكان بالتالي مرغما على القيام برحلة حول أوروبا، ليجد مكانا بمناخ يتناسب مع حالته الصحية، حتى وجد مكانا في منطقة سلس ماريا Sils Maria في أعالي جبال جنوب شرق سويسرا.

وصل نيتشه هناك لأول مرة في حزيران (يونيو) 1879 ووقع في غرام ذلك المكان، وكتب “لدي أروع وأفضل هواء لأتنفسه في أوروبا… وطبيعته قريبة لطبيعتي”، قضى ثمانية فصول صيف في غرفة شبه خاوية استأجرها من مزارع في هذه المنطقة، وفي تلك الغرفة، عمل على أهم أعماله ومنها “هكذا تكلم زرادشت”، “ما وراء الخير والشر” و”أفول الأصنام”، إلا أن عمله لم يلق الكثير من النجاح في حياته. وعلى الرغم من تعيينه برتبة بروفسور في عمر 24 عاما، فقد كان على خلاف دائم مع زملائه، ما دفع به إلى التقاعد بعمر 35 عاما، وكانت أحواله المالية في بقية حياته سيئة للغاية، ولم تحقق الكتب التي كتبها العدد الكافي من القراء، وعاش حياة روتينية، فقد كان يستيقظ عند الساعة الخامسة صباحا، ويشتغل بالكتابة حتى منتصف النهار، ثم يذهب نزهات طويلة في الجبال المحيطة بالقرية، ولم يعش في تلك القرية لمجرد المناظر والهواء العليل فحسب، بل إن المشهد الذي كان يراه أمامه، مس أعمق مشاعره، مؤثرا على أعماله.

الفلسفة كما قال “هي حياة اختيارية في الثلج وعلى قمم الجبال”، وكانت حياة نيتشه العاطفية كارثية كحياته العملية، وذهبت كل محاولاته لإغراء النساء عبثا، فالعديد منهن كان يخيفهن شاربه الكث، واعترف بشعور مروع بالوحدة، وكتب لصديق متزوج “وضعك أفضل بمئة مرة مني، فلديكما معا، عش، بينما لدي في أفضل الأحوال… كهف”.

ورغم غمر نفسه بالفلسفة، فقد وئدت حياته العملية بشكل قاس، بعد انهاء حياته باتهامه بالجنون، بإثارته جدلا وانهياره وعناقه لحصان كان صاحبه يجلده قرب تورين في أيطاليا، عام 1889، كما عاد إلى مدرسته الداخلية، فرقص عاريا، وفكر في قتل “القيصر” وظن نفسه بين شخصيات تاريخية هامة، “يسوع المسيح”، “نابليون”، “بوذا”، “فيكتور” ملك إيطاليا، و”الإسكندر المقدوني”، واقتيد مكبلا ليعاد إلى ألمانيا ويودع في مصح لتعتني به أمه وأخته ويموت بعد 11 سنة وبعمر 56 سنة، في الخامس والعشرين من آب (أغسطس) في العام 1900 .

أحد أهم دروس حياة نيتشه، هي عن المعاناة، وقال أن ” أي إنجاز ذو شأن هو ناتج عن كفاح مستمر وعمل مجتهد”، وقد نفترض أن النجاح يأتي سهلا ومفاجئا لبعض الأشخاص، بينما بالنسبة لـنيتشه ما من طريق مستقيم نحو القمة، وكتب “لا تتحدثوا عن الموهبة والفطرة، يمكن للمرء ذكر العديد من العظماء الذين لم يكونوا موهوبين، لقد اكتسبوا العظمة، لقد أصبحوا عباقرة، وقاموا بهذا بتجاوزهم للصعاب”.

وقال أيضا أن “أهم انجازات ومشاريع الإنسان تعتبر جزء الا يتجزأ من درجة من العذاب، ومصادر أعظم أفراحنا نجدها قريبة بشكل غريب من أعظم آلامنا”.

في قلب فلسفة نيتشه فكرة بسيطة “أن العسر، أمر عادي، يجب ألا نهلع أو نستسلم عند حصوله، وشعورنا بالألم، لأننا نرى دوما الفرق بين ما نحن عليه، والصورة المثالية التي نريدها لأنفسنا، إن حجم العذاب الذي نمر به، هو انعكاس لعدم قدرتنا على التمكن من الحصول على عناصر السعادة على الفور”، وأشار نيتشه إلى أنه “ليس كافيا المعاناة، فإن كانت المعاناة هي ما نحتاجه للشعور بالإنجاز، فجميع الناس سعداء، التحدي هو بردود الفعل بشكل صحيح إزاءها، وربما باستخدامها لخلق أمر جميل”، وأضاف “نحن من الثقافات التي تفضل عدم الحديث عن الفشل، على اعتبار أن الفشل هو شيء شاذ يحصل لفئة قليلة على عكس الحديث عن النجاح، وبشكل ما لا يجتمعان معا، ولكن في كل حياة، حتى لو كانت ناجحة، فلا بد أن تشتمل على شكل من أشكال الفشل، على مستوى ما”، فبرأي نيتشه أن “في حياة كل شخص فشل ما، ولكن ما يجعل الحياة لدى البعض أكثر رضى هو أسلوبهم في التعامل مع الفشل”.

 

نيتشه البستاني

 

وثمة حقيقة مفاجئة حول نيتشه، أنه كثيرا ما فكر بترك حياة الكتب، والعمل كبستاني محترف، ورغم أن خطته هذه لم تتم، لكن زراعة النباتات علمته درسا مهما، فقد اعتقد أن علينا النظر إلى مشاكلنا كالمزارعين، يمر المزارع بنباتات ذات جذور قبيحة للغاية، ولكن المزارع يتمكن من أن يبتكر شيئا جميلا ورائعا من شيء قبيح، وفكر نيتشه أن هذا تشبيها لما علينا فعله في حياتنا، وهو أن نتخذ مواقف قد تبدو مخيفة، وقاتمة في البداية، ولكن نزرع منها أشياء جميلة.

وفي نظرة نيتشه “المتعلقة بالبستنة” ما يرفع المعنويات، حتى أكثر مشاعرنا السلبية والقبيحة والسوداوية، قد يتم تهذيبها وتشذيبها لتصبح “مثمرة”، ولكن حدوث هذا عائد إلينا بالكامل، الحسد على سبيل المثال قد لا يقود إلا إلى المرارة، ولكن إذا استخدم بشكل جيد، فقد يدفع للتنافس مع الأقران، والإتيان بأمر جميل للغاية، القلق من جهة ثانية قد يصيبنا بالهلع، أو قد يقودنا إلى تحليل إيجابي في البحث عن الخطأ، وبالتالي إلى صفاء الذهن، ولذا تمنى نيتشه المعاناة لأصدقائه لأنه أمل أن المرور بالمصاعب، فإن أصدقائه سيتمتعون بالحذاقة الكافية لإنتاج أمور رائعة وجميلة.

 

نيتشه والكحول

 

زار نيتشه نابولي، وفيها قال، “حتى تحصد السعادة العظيمة في الحياة، فعلى الناس العيش بخطر”، ونصح أهل نابولي ببناء بيوتهم على سفح جبل فيزوف البركاني، وهو أمر خطر، لكن بالمقابل سيحظون بإطلالة رائعة، فهذه هي فكرته، الحياة دون خطر ليست حياة، ولا كسب دون ألم، وأشاد نيتشه بردود الفعل الإيجابية على المشاكل، وكذلك انتقد ردود الفعل الكارثية، وأحد أسوأ ردود الفعل هذه هو التوجه إلى الحانة، فأحد الحقائق المدهشة حول نيتشه أنه كان يكره شرب الكحول، وكان هذا أكثر من مجرد ذوق فردي، فقد اعتقد أن على كل شخص يبحث عن أقل مظاهر السعادة أن يجتنب الكحول تماما، وقال “من الطبيعة الروحانية، الابتعاد تماما عن الكحول، الماء دائما أفضل”، الماء هو المشروب “النيتشي” المميز، كان يرافقه دائما، وكان يشرب الماء المقطر دوما.

واعتبر نيتشه في محاولة الهروب من مشاكلنا باحتساء الكحول، سوء فهم خاطئ تماما، فبتحليل نيتشه حول العلاقة بين الألم والسعادة، فالسعادة لا تأتي بالهروب من المشاكل، بل بتهذيبها، وتغيير اتجاهها نحو مصلحة، أبعد شيء ينصح به نيتشه في مواجهة مشاكلنا وأحزاننا هو إغراقها في الكحول، بل أن نتمسك بالقلق الحيوي، الذي يدفعنا إلى الشعور بأن هناك خطأ ما، وأن علينا تغييره.

 

نيتشه والكنيسة

 

وكانت أول مواجهة لنيتشه مع الألم بعمر 4 سنوات، حين توفي والده الكاهن اللوثري الذي كان يعبده، وأول ما فعله بعد كسبه قضية ضد ناشر، هو شراء شاهد لقبر والده، وطلب أن ينقش عليه جملة من العهد الجديد وهي “الحب لا يفنى أبدا”، ورغم دفنه في كنيسة مسيحية وقرب والده، إلا أنه كان لديه بعض التحفظات حول مقاربة المسيحية للألم والمعاناة، ورغم عيشه في بيئة متدينة للغاية، فقد كان المفاجئ ما قاله عن المسيحية بعد بلوغه سن الرشد، فبنظره أن الذهاب إلى الكنيسة يسكّن الألم، بنفس الطريقة التي يسكّن فيها السكر نتيجة الكحول الألم، وعلى المدى الطويل، تضمحل الطاقة التي يمنحها الألم، وتمنعنا من مواجهة مشاكلنا، وبالتالي الوصول إلى سعادة حقيقية، ورغم الإختلافات بين الكحول والكنيسة، إلا أن نيتشه اعتقد أن ثمة تشابها بينهما.

ومن هذه الأمثلة يثني الإنجيل على الشخص الخجول والضعيف “طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض”، كما يقول لمن ليس لديه أصدقاء “طوباكم إذا أبغضكم الناس، وإذا أفرزوكم وعيروكم”، أما للفقير الحاسد للأغنياء فيهدّئه الإنجيل بالقول “دخول جمل في ثقب إبرة، أسهل من دخول غني إلى ملكوت الله”، فقد نظر نيتشه إلى هذه الجمل في الإنجيل وغيرها على أنها كارثية، فالعزاء المسيحي يسكّن الألم، مثل الكحول، وليس ذلك فحسب، بل يهدئ الطاقة اللازمة للبحث عن حل للسبب الأساسي للألم، ونصح نيتشه الأشخاص بالكف عن الادعاء بعدم رغبتهم بالحصول على الأشياء صعبة المنال، فقد واجه نيتشه الكثير من الصعوبات، فكان وحيدا مريضا وفقيرا، ولكنه لم يتصرف بالسلوك الذي اتهم أتباع الكنيسة به، فنيتشه لم يدَّعِ أن الصحة والحب والغنى هي أشياء سيئة، بل تقبل حقيقة أنه لا يملكها، أحيانا باختياره وأحيانا بسبب ظروفه، ولكنه لم ينكر أمانيه، ولا آلامه، ولا نتعجب إن وجدنا بجانب اسمه في سجلات المقبرة حيث دفن قرب والده المحبوب جملة تعريفية، بأنه شخص “معروف بأنه ضد المسيحية، ودجال”.

على الرغم من صعوبة حياته، فلا يجب أن نظن أن نيتشه كان حزينا معظم الوقت، فعلى العكس كان يواظب في الكلام عن الإنجازات، خصوصا حين تواجده في الجبال، ولكنه حين يتحدث عن الإنجاز فلا يعني هذا أنه تحدث عن “العيش المريح”، وهاجم من يتبعون “دين الراحة”، ونعتهم بالسفلة الصغار المختبئين في الغابات كالغزلان الجبناء، ولكن من يتجرأ الصعود فوق خط الأشجار سيشهد الإطلالات والمناظر الرائعة، ويتنفس الهواء النقي، حينها نعلم فوائد التخلي عن الراحة، لنشهد الإنجاز الحقيقي، وقال نيتشه إن “النظر إلى المعاناة على أنها شر أمر يجب إبطاله، وهو غباء أشد خطورة”، كما عبر يوما في مقولته المشهورة “ذلك الذي لا يقتلني، يقويني”.

 

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!