سُمِّيَ شارعٌ باسمها… عيشة العبد المرأة القُدوَة


زينة ناصر

كثيراً ما نسمع عن “مثال أعلى” يحتذى به/بها، فيغمرنا الحماس للقاء ذاك الشخص ومعرفة الصفات التي تميّزه عن غيره. سأعرّفكم على امرأة أصبحت مثالاً أعلى للكثيرين من حولها، ولم تمنعها العقبات من تحقيق بعضاً من أحلامها الصغيرة.

من المعروف ان المرأة في المجتمعات الشرقية عادة مستضعفة. هي لا تقدَّرُ كما يقدّر الرجل، والكثير من إنجازاتها تذهب هباء، فقط لأنها امرأة. إلا ان الوضع مع عيشة العبد مغاير تماما.

تسبق عيشة في الحديث معك ابتسامتها المضيئة. سيدة في العقد الثامن من عمرها يلجأ إليها الكثيرون من سكان بلدة برجا في منطقة اقليم الخروب (لبنان).

في دكان صغير لا تزال تبيع فيه السكاكر للأولاد ومواد غذائية أخرى للكبار، تجلس المرأة “القدوة”، تحدّثك عن أحوال البلد والناس، وعن التغيير الذي طرأ على برجا في السنوات الماضية.

خارج الدكان لافتة معلقة في اعلى عمود… كتب عليها “شارع عيشة العبد”.

لِمَ الشارع باسمِك؟ نسألها. فيأتي ردّها الممزوج بالفرحة: “رئيس البلدية أصرّ ان يسمي الشارع على اسمي. بدّك أحلى من هيك؟”، يقاطع عيشة شقيق رئيس بلدية برجا: “لا بل انت تستحقّين أكثر من ذلك بكثير”.

يجتمع أولاد “السيدة القدوة” في مساحة صغيرة قرب دكانها وبيتها، ويصغون اليها وهي تتحدث عن شتى الأمور.

تسمع مدى تقدير الناس لها، وتشعر بالأحرف تصل قلبك فوراً في كلماتهم العفوية عنها:

–  “عيشة تعرف كل ما يجري في برجا. نحن نستشيرها”.

–  “عاشت لسنوات طويلة بحبّ للجميع وقاومت في بلدتها. هي تستحق كل ما هو جميل”.

–  “ماما الكلّ يحبها”.

– “هي تيتا. كيف ما بدي حبّها؟”، يقول حفيدها.

أما عيشة فتتحدث عن الامور كلها بحياة. لا تنكفئ تعبّر عن الامور الواقعية، حتى لو كانت بشعة، ببعض الجمال.

هي مسرورة بتسمية الشارع على اسمها: “كلما مرّ رئيس البلدية من هنا، ينزل من سيارته ليأخذ صورة معي”.

نقول لها انه على حق، “فمن لا يريد ان يتصوّر مع عيشة العبد أو ان يقابلها؟”، فتبتسم مجددا ًبحبّ.

يخبرنا أهالي البلدة عن عيشة التي عاشت على “خط تماس” إبان الحرب الأهلية اللبنانية، ولم يكن في ذلك القسم من برجا غير بيت واحد. هو بيت عيشة العبد. وكان المتحاربون في ذلك الوقت يستخدمون هذه التسمية، من دون ان يكون هناك اي شارع باسمها وقذاك.

“كنت أقفل أبواب المنزل وأجلس مع أولادي أيام الحرب”… كلامها يشعرك بغصة. تكمل عيشة “كنت لوحدي وكانت كل هذا الاراضي في البلدة لي”. فماذا حصل؟ تبدّلت الأحوال و”لم أعد ملاّكة كما كنت من قبل”.

يأخذ الناس برأي تلك السيدة التي تركها زوجها مع اولادهما وهرب الى مصر في الحرب. لم يعد. وهي لم تستسلم. اختارت ان تكون “مثالاً أعلى” و”قدوة”. وفعلاً هذا ما حصل.

كل سنوات الحرب لم تخفِ ابتسامتها. ربما عاشت الوحدة والخوف، فهي لوحدها حاولت ان تجد طريقة للعيش. كل الاماكن كانت بعيدة عن بيتها. “كنا نسمع الواوية في الليل، فأغمر أولادي الى حضني وأقفل الابواب”. “لا تخافوا، أقول لهم”.

تعاني العبد من مرض الربو الآن، كمعظم سكان البلدة المتضررين من معمل الجية الحراري. تخبرنا كيف تغيّرت برجا وكيف كانت حالها أفضل أيام الحرب.

“لم لا تترشحين على المخترة في بلدتك؟” سأنافس صهري لو زعّلني او زعّل ابنتي، تقول بابتسامة من أعماق قلبها. يخاف ان اترشّح ضدّه، لأنني سأربح.

“أريد ان أتصوّر معك”، اقول لها. فتضحك “هلقد انا مهضومة لتتصوري معي؟” انت كذلك وأكثر. “صوّرونا قرب اللافتة المكتوب عليها شارع عيشة العبد”.

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!