“نقابة الصحفيين المصريين”.. “قلعة الاحتجاجات” من التأسيس حتى “الأحد الأسود”


67 عاما منذ انتقال “نقابة الصحفيين” المصريين إلى مقرها الحالي بوسط القاهرة، وحتى اليوم، سجلت محطات فارقة في نضال الصحفيين في الدفاع عن قضاياهم وحرية الصحافة في مصر، التي تراوح مداها بين الارتفاع والانخفاض، خلال فترات حكم رؤساء البلاد.

ورغم حرص كثير من أنظمة الحكم المتعاقبة، على السيطرة على هذه النقابة، عبر الدفع بنقباء مقربين منها، أو على الأقل الاحتفاظ بعلاقة طيبة معها، سجل اقتحام قوات الأمن لمقرها، الأحد الماضي، من أجل القبض على اثنين من الصحفيين، وللمرة الأولى في تاريخها، علامة فارقة في العلاقة بين النقابة والسلطات؛ حتى أن البعض وصف هذا اليوم بـ”الأحد الأسود”، وعد اقتحام الأمن لمقر نقابة الصحفيين دليلا أن حرية الصحافة في مصر تمر بـ”أسوأ” مرحلة في تاريخها.

وعبر سنوات طويلة، ظلت النقابة، أيضا، مقرا للاحتجاجات؛ سواء تلك التي تعلقت بقضايا الصحافة والصحفيين، أو التي طالبت بالإصلاح السياسي، فضلا عن الاحتجاجات الفئوية؛ الأمر الذي دفع البعض إلى تسميتها بـ”قلعة الاحتجاجات” في مصر.

في السطور التالية  تاريخ نقابة الصحفيين في مصر، وعلاقة السلطات بها، منذ تأسيسها وحتة اقتحام قوات الأمن لها، الأحد الماضي، استنادا لمصادر عدة، بينها شهادات حية لمن عايشوا تلك الفترات التاريخية.

أولا: الفترة الملكية (نسبة لفترة ما قبل إعلان الجمهورية في مصر في 18 يونيو/حزيران 1953)

تأسست نقابة الصحفيين وفق مرسم ملكي في مارس/آذار 1941، وتواجدت في البداية في شقة بـ”عمارة الإيموبيليا”، وهي مبنى سكني شهير بوسط العاصمة المصرية؛ حيث يتميز بأن معظم قاطنيه من الفنانين والسياسيين.

وفي العام 1944، انتقلت النقابة إلى ‏مبنى‏ ‏من‏ ‏طابق‏ ‏واحد‏ في شارع‏ ‏قصر‏ ‏النيل‏ بوسط العاصمة.

أما اختيار المقر الحالي للنقابة، فيعود الفضل فيه إلى محمود‏ ‏أبو‏ ‏الفتح، أول نقيب للصحفيين في مصر.

ففي عام 1942، اختار ‏أبو‏ ‏الفتح‏ قطعة أرض فضاء بوسط العاصمة، وطلب من السلطات المصرية تخصيصها مقرا لنقابة الصحفيين.

وفي عام 1944، صدر قرار من مصطفى النحاس، رئيس وزراء مصر، وقتها، بتخصيص تلك الأرض للنقابة.

وفي أول‏ ‏يونيو‏/حزيران 1947‏، وضع‏ ‏النقيب‏ ‏أبو‏ ‏الفتح‏ ‏حجر‏ ‏الأساس‏ المقر الحالي لنقابة الصحفيين، ‏وتم‏ ‏افتتاحه‏ ‏رسميا‏ ‏في‏ 31 ‏مارس‏/آذار 1949.

ثانيا: فترة الجمهورية (بدأت عام 1953)

1 – عهد جمال عبد الناصر (23 يونيو/حزيران 1958 – 28 سبتمبر/ أيلول 1970)

في هذه الفترة، كان مقر نقابة الصحفيين بسيطًا وصغيرًا، حسب حسين عبد الرازق، الكاتب الصحفي اليساري، وأحد أعضاء النقابة في فترة الستينيات.

ويضيف عبد الرازق لـ”الأناضول” أن الطابق الأول للنقابة في ذلك الوقت كان يضم قاعة اجتماعات تسع لنحو 400 صحفي، فضلا عن حديقة كبيرة تحيط المقر، يستخدمها الصحفيون وأسرهم كمكان للاستجمام، وكمقر للاحتجاج للتعبير عن مطالبهم.

وتابع: “في فترة الخمسينيات من القرن العشرين، كان التأميم (تملك الدولة كل شيء) يشمل حتي الصحافة، التي كانت تصدر عن الجهات الحكومية فقط، لكن في الستينيات، كنت شاهدا على دور كبير لمقر نقابة الصحفيين؛ والذي شهد معارك للدفاع عن الصحفيين، ودعا لإلغاء الرقابة علي الصحف، واستمر في الدفاع عن الزملاء المحبوسين في هذا العهد، حتي ولو كان حبسهم على خلفية سياسية”.

وأشار إلي أن المقر كان محط أنشطة عديدة، وواجه تأميم الصحف بمقتضى القانون رقم 156 لسنة 1960 المسمى بقانون “تنظيم الصحافة”؛ حيث كان هناك رقيب من الدولة يتحكم في كل شيء تنشره الصحف.

وحول هذه الفترة يقول أستاذ الإعلام، حسين أمين، في بحث بعنوان “وضع الإعلام في مصر”: “في سنة 1954، حلّ مجلس قيادة الثورة (تجمع من الضباط كان يسير أوضاع البلاد بعد ما يعرف بـ”ثورة 23 يوليو/تموز 1952) مجلس نقابة الصحفيين، وفوّض وزير الإرشاد القومي، صلاح سالم، تشكيل لجنة تحّل محلّ هذا المجلس بإدارة ضبّاط من مجلس قيادة الثورة.

وفي عام 1960، أمّم الرئيس جمال عبد الناصر الصحافة، لتصبح الأخيرة أداة دعائية في يد النظام الحاكم تمجّد إنجازات الرئيس، ونجاحات النظام الاشتراكي.

2- عهد أنور السادات (25 ديسمبر/كانون أول 1970- 6 أكتوبر/تشرين أول 1981)

في هذه الفترة، شهد مقر نقابة الصحفيين احتجاجات مناهضة لمخططات السادات الرامية إلى تحويل النقابة إلى مجرد نادي اجتماعي للصحفيين، حسب عبد الرزاق.

وأوضح أن السادات تبنى هذا المخطط ردا على موقف النقابة الحاد ضد التطبيع مع إسرائيل عقب توقيع مصر “اتفاقية كامب ديفيد” للسلام مع إسرائيل عام 1979؛ “فشهد المقر احتجاجات كبيرة برئاسة نقيب الصحفيين، في حينها، كامل زهيري؛ ما جعل السادات يتراجع عن موقفه”.

وساردا جانبا من مساعي النقابة للتحرر من قبضة السلطة، في فترة السبعينيات من القرن الماضي، يضيف: “في عامي 1971 و1972، قرر السادات إسقاط عضوية 101 صحفيًا من النقابة، وكنت واحدا منهم؛ لأننا لم نكن مشتركين في هيئة تتبعه، وخضنا في مقر النقابة معركة الانتخابات بنقيب هو عبد المنعم الصاوي أمام مرشح الحكومة، وقتها، حافظ أحمد، ونجح مرشحنا؛ وهو ما استفز السادات”.

حسين أمين، الأكاديمي المصري، يلخص من جانبه، عبر بحثه السابق، وضع الصحافة في عهد السادات؛ حيث يقول إن الأخير “اعتمد توّجهاً أكثر انفتاحاً مع الصحافة، إلا أن سياسته مع الإعلام شابها التناقض؛ فقد رفع بعض مظاهر الرقابة، وأبقى على سيطرة الحكومة على الإعلام”.

3 – عهد حسني مبارك (14 أكتوبر/تشرين أول 1981- 11 فبراير/شباط 2011)

يرصد العضو السابق في “المجلس الأعلى للصحافة” (هيئة حكومية تنظم عمل الصحافة)، “قطب العربي”، تاريخ مقر نقابة الصحفيين في عهد مبارك قائلا: “عايشت 3 مقرات لنقابة الصحفيين؛ اﻷول في نفس المكان الحالي، وكان أهم ما يميزه وجود حديقة واسعة كانت هي التي تحتضن الفعاليات الجماهيرية، وكان هناك عدد من رواد النقابة يسمون حزب الحديقة لكثرة ترددهم ولقاءاتهم فيها، وكان حزبا أو مجموعة مؤطرة بالفعل”.

ويضيف لـ”لأناضول”: “كان في النقابة قاعة رئيسية هي قاعة محمود عزمي، التي تحتضن المؤتمرات والجمعيات العمومية، وأشهرها الجمعية العمومية الطارئة ضد قانون الصحافة سيء السمعه رقم 93 لسنة 1995، والذي أصدره البرلمان، ووقعه مبارك رسميا، ونُشر في الجريدة الرسمية، لكن الصحفيون هاجوا ضده، وتمكنوا من إسقاطه في واقعة فريدة من نوعها؛ تم سن قانون جديد بدلا منه هو القانون 96 لسنة 1996، وأتشرف أنني كنت ضمن اللجنة التنظيمية لتلك الجمعية العمومية التي أسقطت ذلك القانون”.

وكان القانون رقم 93 لسنة 1995، أقر تغليظا للعقوبات فى جرائم الرأى والنشر، وخلق جرائم جديدة لم تكن موجودة من قبل، كما ألغى الضمانة المقررة للصحفيين بعدم جواز حبسهم احتياطياً.

أما المقر الثاني للنقابة، في عهد حسنى مبارك، وفق “العربي”، فكان يقع “خلف قسم شرطة اﻷزبكية (وسط القاهرة)، وكان عبارة عن مبنى تابع لاتحاد المهن الطبية (جهة نقابية) استأجرته النقابة مؤقتا الى حين انتهاء مبناها الجديد (الحالي) بعد هدم القديم”.

ويشير إلى أن مقر النقابة ظل في ذلك المبنى المؤقت لمدة 3 سنوات تقريبا، وكان أبرز حدث شهده هو اعتصام صحفيي “جريدة الشعب”، الناطقة بلسان “حزب العمل”، ذو التوجه الإسلامي، عقب إغلاق الجريدة في 20 مايو/آيار 2000؛ إثر صدور قرار “لجنة شؤون الأحزاب” (جهة حكومية مختصة بمنع التراخيص لإنشاء الأحزاب) بتجميد نشاط الحزب.

وساردا مزيدا من التفاصيل بشأن ذلك الاعتصام، يقول “العربي”: “تطور الاعتصام إلى إضراب عن الطعام لبعض الصحفيين، وكنت واحدا منهم؛ وهو الإضراب الذي نجح في إلزام الحكومة بدفع رواتب صحفيي جريدة الشعب حتى اليوم”.

ويتحدث “العربي” عن المقر الثالث لنقابة الصحفيين في عهد مبارك، وهو المقر الحالي، لافتا إلى أنه تم بناءه في عهد النقيب السابق، إبراهيم نافع، بديلا عن المقر القديم؛ حيث تم الانتقال إليه في يوليو/تموز 2002.

ويشير إلى أن “أبرز ما يميز هذه المقر هو سلالمه (الدرج) التي حلت محل الحديقة؛ حيث صارت هذه السلالم مقرا للوقفات الاحتجاجية، والتي لم تعد مقتصرة على الصحفيين، بل شملت المظلومين من كل الفئات”.

ورغم أن عهد مبارك شهد مساع من السلطات للسيطرة على نقابة الصحفيين عبر الدفع باختيار نقباء مقربين من النظام، إلا أن النقابة كانت لها في تلك الفترة مواقف قوية في مواجهة الأمن.

ويذكر الكاتب الصحفي المصري، محمود سلطان، في مقال نشره عبر صحيفة المصريون (خاصة) يوم 26 أبريل/ نيسان الماضي، أحد هذه المواقف.

ويقول إنه “في التسعينيات حدثت أزمة بين الصحفيين ووزير الداخلية وقتها، اللواء زكى بدر، حيث قرر الوزير مصالحة الصحفيين، والاعتذار لهم داخل نقابتهم، وحينها رفض نقيب الصحفيين، آنذاك، مكرم محمد أحمد، أن يدخل زكى بدر مقر النقابة، بسلاحه الشخصي، وقال: هذه نقابة رأى ولا يدخلها جنرال بسلاحه أبدًا”.

ويضيف: “كادت تحدث أزمة كبيرة، وفى النهاية نزل وزير الداخلية عند طلب النقيب، وترك سلاحه مع حراسه خارج مبنى نقابة الصحفيين”.

من جانبه، يتذكر أبو السعود محمد، عضو مجلس نقابة الصحفيين، الكثير من الاحتجاجات التي شهدها مقر النقابة إبان عهد مبارك دفاعا عن الصحافة ورفض حبس الصحفيين.

ويقول لـ”الأناضول” إن المقر، كان في هذه الفترة، “قلعة للاحتجاجات تدافع عن الحريات، وترفض أي تجاوز على حق الشعب في العدالة والحرية، وكان له دور كبير في ثورة يناير/ كانون ثان 2011”.

وكانت أبرز المشاهد، التي سجلتها عدسات الصحفيين، إبان ثورة يناير، مشهد سحل رجال الشرطة للصحفى، محمد عبد القدوس، رئيس لجنة الحريات في نقابة الصحفيين، أثناء مشاركته في احتجاجات عارمة ضد نظام مبارك أمام مقر نقابة الصحفيين في 26 يناير/كانون الثاني 2011.

4- في عهد محمد مرسي (انتخب في يونيو/حزيران 2012، وأطيح به من قبل قيادات الجيش في 3 يوليو/ تموز2013)

شهدت فترة حكم مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديموقراطيا في تاريخ البلاد، أزهى عصور حرية الصحافة في تاريخ مصر، حسب معارضين له.

ففي تقرير نشرته صحيفة “الأهرام” في مطلع أبريل/نيسان 2013، قال عمرو موسي، أحد معارضي مرسي، أننا “لا ننكر أو نتجاهل أنه توجد مساحات حرية كبيرة بالإعلام، فالرئيس والحكومة يتم انتقادهما في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بالإضافة للفيسبوك وتويتر، ومن غير الموضوعية القول بأنه لا توجد حرية تعبير بالشارع فالمظاهرات تنطلق في كل أرجاء مصر، والكل يعبر عن رأيه بحرية”.

كما نقل التقرير عن الكاتب الصحفي المصري الراحل، محمد حسنين هيكل، وهو أحد معارضي مرسي أيضا، نفيه ما يتردد عن تقييد حرية الإعلام والإعلاميين في عهد مرسي.

وقال هيكل: “مصر تعيش الآن أزهى عصور حرية الإعلام والصحافة بعهد الرئيس محمد مرسي؛ فالرئيس يُنتقد بشكل عنيف كل يوم بالفضائيات، وهو ما لم نعتده بعصور سابقة”.

وكان مقر نقابة الصحفيين، إبان عهد مرسي، مقرا رئيسيا لاحتجاجات معارضة له، كما شهد تدشين حركة “تمرد”، التي دعت لعزله في ذكري مرور عام على حكمه.

5 – في عهد عدلي منصور (يوليو/تموز 2013، يونيو/ حزيران 2014)

شهدت سلالم نقابة الصحفيين، إبان عهد منصور، مظاهرات معارضة ومؤيدة للنظام، وأخرى عمالية رفعت مطالب فئوية.

6- في عهد عبد الفتاح السيسي (يونيو/ حزيران 2014 وحتى الآن)

شهد مقر نقابة الصحفيين في عهد السيسي مظاهرات ضد حبس الصحفيين وتقييد الحريات.

وفي 15 أبريل/نيسان الماضي، شهدت النقابة احتجاجا حاشدا ضد ما تعتبره قوى سياسية “تنازل” من مصر عن جزيرتي “تيران” و”صنافير” في البحر الأحمر” إلى السعودية، واعتبر علامة فارقة على انتهاء الوئام بين النظام والقوى التي خرجت في “مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013″، التي اتخذها قادة الجيش مبررا للإطاحة بمرسي.

وفي 25 أبريل/نيسان الماضي، حاصرت قوات الشرطة المصرية مقر نقابة الصحفيين، وحالت دون تنظيم احتجاجات كانت مقررة أمام المقر في هذا اليوم ، على خلفية أزمة جزيرتي “تيران” و”صنافير”.

ويوم الأحد 1 مايو/آيار 2016، قامت قوات الشرطة بمنع العمال من التظاهر صباحا من التظاهر علي درج النقابة، بالتزامن مع يوم العمال العالمي، وفي المساء اقتحمت مقر النقابة؛ لإلقاء القبض على اثنين من الصحفيين هما “عمرو بدر”، و”محمود السقا”، اللذان كانا معتصمين هناك؛ احتجاجا على مداهمة قوات الأمن لمنزليهما بعد إصدار نيابة أمن الدولة العليا قرارا بضبطهما وإحضارهما، بتهمة “التحريض على التظاهر” في الاحتجاجات المتعلقة بجزيرتي “تيران” وصنافير”.

اقتحام الأمن لمقر النقابة، كان سابقة تحدث للمرة الأولى منذ إنشائها؛ ما تسبب في موجة غضب عارمة في أوساط الصحفييين؛ خاصة أنه وقع قبل يومين فقط من “اليوم العالمي لحرية الصحافة”، الذي احتفل به العالم، أول أمس الثلاثاء.

وردا على هذا الاقتحام، أعلنت نقابة الصحفيين المصرية بدء اعتصام مفتوح لأعضائها في مقرها؛ لحين إقالة وزير الداخلية، اللواء مجدي عبدالغفار، ولا يزال الاعتصام مستمرا.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!