صراع على النفوذ ينذر بانقسام الحزب الحاكم في تركيا


تناولت وسائل اعلام تركية ، أن رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو يفكر جديا في الاستقالة من منصبه على ضوء ما استجد من خلافات بينه وبين الرئيس رجب طيب أردوغان في سيناريو يبدو مشابها لما حدث مع القيادي البارز في حزب العدالة والتنمية عبدالله غل الذي تولى رئاسة تركيا في الفترة من 2007 الى 2014.
ولم يتضح الى حدّ الآن ما اذا كان اوغلو سيقدم استقالته لأردوغان في اجتماع جرى تقديم موعده الأسبوعي، إلا أن الثابت أن الرئيس التركي بات يخشى من شعبية رئيس حكومته فبادر بسحب عدد من الصلاحيات منه لتحجيم دوره تماما كما جرى مع سلفه عبدالله غول.
وذكرت صحيفتا “حرييت” و”جمهوريت” أن داود أوغلو قال إنه لم يتخذ قرارا بعد بهذا الشأن. وسلطت الخلافات التي يحرص حزب العدالة والتنمية الاسلامي المحافظ على التكتم عليها حتى لا يظهر الحزب الحاكم منذ 2002 وكأنه تمزقه صراعات مصالح بين اقطابه، الضوء على ممارسات أردوغان الذي يسعى لإزاحة كل من يعتقد أنه يهدد طموحاته.
و يمسك اردوغان واوغلو بزمام الامور في تركيا التي تشهد اوضاعا صعبة لكن الانقسامات بدأت تظهر في صفوف هذا الثنائي الذي يبدو ان مستقبله بات غير مؤكد.
وعندما انتخب رئيسا للبلاد في اغسطس/اب 2014 بعد ثلاث ولايات رئيسا للوزراء، عين أردوغان خلفا له المواظب داود اوغلو وزير الخارجية السابق، ما دفع بكثيرين الى الرهان على سلاسة انقياده.

لكن هذا الاكاديمي اكتسب تدريجيا مكانة على الساحة السياسية التركية وتحول الى خطيب مفوه ومفاوض في الاسابيع الاخيرة على اتفاق مع بروكسل حول المهاجرين ينبغي ان يحقق لتركيا مكسبا تاريخيا يعفي مواطنيها من تأشيرة دخول الى فضاء شنغن.
سحب صلاحيات
والاسبوع الماضي قررت قيادة حزب العدالة والتنمية ان تسحب من رئيسها داود اوغلو صلاحيات تعيين مسؤولي الحزب في المحافظات والمناطق. وينظر الى هذا القرار باعتباره اول ضربة في حملة هدفها تجريده من سلطاته.
وداود اوغلو الرئيس الرسمي لحزب العدالة والتنمية، لكن اردوغان الذي من المفترض ان يكون فوق اي طرف كرئيس للدولة، لديه الكثير من الاتباع في هذا الحزب الذي اسسه في العام 2001.
وقال التر توران استاذ العلوم السياسية في جامعة بيلجي في اسطنبول “هناك احتمالات تصادم قد تكون بدأت فعلا”، مضيفا “من الواضح انهما سياسيان طموحان. وبالتالي فإن هناك سببا كافيا للاعتقاد بوجود صراع كبير على السلطة داخل الحزب الحاكم”.
وهناك كثير من الخلفاء المحتملين لداود اوغلو بينهم اسمان تذكرهما الصحافة بشكل منتظم هما بينالي يلديريم الرفيق القديم لاردوغان ووزير النقل حاليا وبيرات البيرق وزير الطاقة وصهر رئيس الدولة.
ويشكل قرار تقليص صلاحيات داود اوغلو الذي اتخذته اللجنة التنفيذية في حزب العدالة والتنمية في 29 ابريل/نيسان بالنسبة للعديد من المراقبين، نقطة تحول في تاريخ الحزب الذي يتباهى بتماسكه ووحدته منذ وصوله الى السلطة في 2002.

وتابع توران ان “الحزب نجح حتى الآن في عدم السماح لخلافات داخلية ان تتحول الى صراع على السلطة”، مشيرا الى ان لتركيا تاريخ طويل من الصراع بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء منذ رئاسة تورغوت اوزال عام 1989.
ومن الممكن ان تؤدي زعزعة حزب العدالة والتنمية الذي يحكم دون شريك منذ عام 2002، الى عواقب اوسع نطاقا في تركيا التي تواجه عدة ازمات مثل تهديدات الجهاديين واستئناف النزاع الكردي والحرب في سوريا وتدفق اللاجئين.
وكتب عبدالقادر سيلوي الخبير في شؤون حزب العدالة والتنمية في صحيفة حرييت ان “التطورات داخل حزب العدالة والتنمية تؤثر بشكل مؤكد في مستقبل البلاد”.
لكن مسؤولين اتراكا يرفضون الحديث حتى الان عن اي توتر بين أردوغان وداود اوغلو. ونفى المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية عمر جيليك ان تكون هناك “ازمة”، مؤكدا ان قرار اللجنة التنفيذية هو خطوة “تقنية” بموافقة رئيس الحكومة.
ومنذ انتخابه رئيسا للبلاد في اغسطس/اب 2014، لا يخفي أردوغان طموحه لتغيير الدستور لاستحداث نظام رئاسي. ويؤيد داود اوغلو المشروع علنا، لكنه لا يبدو مستعجلا لتنفيذه.
والثلاثاء، قال داود اوغلو للمرة الاولى ردا على مزاعم حول توتر بين الرجلين “مهما كان الشقاق الذي يحاول البعض بثه وبغض النظر عما يكتبه البعض، فأنا لا اخاف سوى الله”.

ومن المتوقع ان يستقبل رئيس الدولة رئيس الحكومة الاربعاء، وهو موعد اسبوعي عادة ما يكون الخميس.
وكتب سيلوي في “حرييت” الاربعاء “اما سيتم التغلب على المصاعب التي تمهد الطريق امام المشاكل بين الرئيس ورئيس الوزراء واقامة علاقة مبنية على الثقة، او سيتم اتخاذ اللازم”.
وكان اسماعيل كهرمان رئيس البرلمان المقرب من أردوغان، قال مؤخرا ان “سيارة يقودها سائقان لا يمكن ان تتحرك الى الامام من دون اصطدام. سيقع الحادث حتما”
خلافات
وداود أوغلو هو الزعيم الرسمي للحزب، لكنه يتوارى تحت نفوذ إردوغان، ويبذل هذه الفترة جهدا لترسيخ وضعه في العدالة والتنمية لكن نزع صلاحياته لتعيين مسؤولي الأقاليم الذين يشكلون نواة الحزب سيضعف موقفه على نحو متزايد.
ويختلف الرجلان في عدد من القضايا الكبرى وخاصة الملف الكردي والأزمة السورية والنظام الجديد للدستور الذي يريده اردوغان رئاسيا بينما يعارض رئيس الوزراء الأمر تعلة رفض الناخبين لهذا الشكل السياسي الذي يصر عليه الرئيس بهدف زيادة دعم نفوذه السياسي.
خسائر اقتصادية
وقد سجل المؤشر الرئيسي للاسهم التركية الثلاثاء أكبر هبوط في اكثر من خمسة اشهر بفعل توترات سياسية في البلاد ومبيعات في الاسواق الناشئة وهو ما غطى على بيانات إيجابية بشأن التضخم.

وقال متعاملون إن أنباء عن سحب حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا سلطة تعيين مسؤولي الحزب في الاقاليم من رئيس الوزراء أحمد داود اوغلو أثارت قلق المستثمرين ووصفوا ذلك بأنه انقسام في الرأي بين رئيس الحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان.
وتضررت الليرة التركية ايضا مع تراجعها إلى 2.8447 مقابل الدولار من أقل من 2.80 الاثنين. وكانت العملة التركية سجلت مستوى قياسيا منخفضا عند 3.0750 مقابل الدولار في 24 سبتمبر/ايلول 2015.
ومن ناحية اخرى أظهرت بيانات تركية أن التضخم الشهري تباطأ إلى 0.78 بالمئة في أبريل/نيسان وهو أقل من متوسط التوقعات البالغ 1 بالمئة إلى جانب بيانات ضعيفة لمديري المشتريات وهو ما يعزز التوقعات لتخفيضات في أسعار الفائدة.
والهبوط الحاد في البورصة التركية واحد من نتائج التوترات السياسية التي تشهدها البلاد بما فيها داخل الحزب الحاكم الاسلامي المحافظ.
وليست هذه المرة الأولى التي تؤثر فيها سياسة أردوغان الطامع والطامح للتفرد بالسلطة في شؤون اقتصادية، فقد سبق أن خاض معركة في 2015 للسيطرة على البنك المركزي وتطويعه وإخضاع قراراته البنك لسلطة حزبه وأجنداته الأيديولوجية من خلال مطالبته مرارا بمواصلة خفض أسعار الفائدة، وهو ما عارضه حينها البنك المركزي والخبراء الذين يقولون إن ذلك يمكن أن يسبب أضرارا جسيمة للاقتصاد التركي.
وألقت سياسة الرئيس التركي بظلال ثقيلة على مختلف القطاعات فيما أصبحت طاردة للاستثمارات الأجنبية مع تصاعد مخاوف المستثمرين من جهود الاسلاميين لتطويع الاقتصاد لأجندتهم.

كما تسبب احتضان الحزب الحاكم لجماعات الاسلام السياسي وتدخل أردوغان في الشؤون الداخلية لدول اقليمية وعربية في ضرر كبير للسوق التركية.
وفي الوقت ذاته يشهد قطاع السياحة تراجعا كبيرا في الايرادات بفعل موجة العنف في جنوب شرق البلاد حيث تسكن غالبية كردية بعد انهيار هدنة هشة بين حزب العمال الكردستاني والنظام التركي.
ويتمسك الرئيس التركي بالتصعيد متجاهلا كل الدعوات للتهدئة والجنوح للسلم بل إنه وصف الداعين للسلام بالخونة، فيما بدأ القضاء في سلسلة ملاحقات لمن دعوه لفتح الحوار مع الأكراد وانهاء الحرب.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!