العملاق “إيكاردا” يُنهب في حرب حلب


فادي نصار

تعمل الامم المتطورة على بذل جهود جبارة في سبيل جلب استثمارات في القطاعين العام والخاص وعلى المستويات المحلية والاقليمية والدولية، وحتى على مستوى منظمات الأمم المتحدة، وذلك سعيا منها لتحسين ظروف الحياة ومكافحة الأمراض وتطوير ثرواتها وبيئاتها المختلفة، ومثال على ذلك ما استشرفته سوريا في مجال قطاعاتها الانتاجية ولا سيما الزراعية منها، خصوصا لجهة تنمية الريف وتطوير القطاع الزراعي.

إلا أن ما بنته سوريا في سنوات، دمره الجهل من قبل من استباحوا سوريا وتعرضوا لأهم المراكز الدولية العاملة على مكافحة التصحر وتطوير الزراعات، وتأمين آلاف فرص العمل لأبناء الريف، ولا سيما منها المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة وتعرف اختزال بـ “إيكاردا”. ICARDA.

في عام  1977باشر المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “ايكاردا”International Center for Agricultural Research in Dry Areas – ICARDA  نشاطاته  كواحدٍ من ستة عشر مركز تابعة للمجموعة الإستشارية للبحوث الزراعية الدولية، في تل حديا (قرية في منطقة جبل سمعان جنوب مدينة حلب) .

تهتم هذه المجموعة والمراكز الدولية التابعة لها بدعم البحوث الزراعية والاهتمام بالعوامل البيئية والتقنية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الزراعية النامية، فضلا عن تنمية الزراعة المستدامة وتطويرها للحد من وطأة الفقر والجوع، وتحقيق الأمن الغذائي في البلدان النامية

 رغم الحرب

خلال الصراع الدائر في مدينة حلب بين قوات الجيش السوري والمجموعات الاسلامية المتطرفة ، تعرض مركز “إيكاردا” للسطو والنهب أكثر من مرة، وتمكن العابثون بمستقبل سوريا من سرقة العديد من الآليات والممتلكات المكتبية.

ويعمل موظفو المركز في ظروف بالغة الصعوبة، فلم يعد هناك موقع آمن في حلب، ذلك أن طبيعة عملهم تختصر في أن “هناك أجزاء من مزرعة المركز في تل حديا التي تسيطر عليها المعارضة مزروعة بزراعات يشرف عليها عدد محدود من الباحثين، يرسلون نتائج أبحاثهم إلى المقر الإداري للتواصل مع المقرات الأخرى بشأن هذه النتائج”، بحسب الموظف عينه.

والمزرعة البحثية في حلب مساحتها 948 هكتارا (من الأراضي الزراعية)، يزرعها فلاحون سوريون من ريف حلب، إستمرت النشاطات الزراعية حتى السنة الخامسة للحرب السورية دون توقف .

ويؤكد المسؤلون في منظمة الزراعة والاغذية الدولية (الفاو)، بأن “مقر المركز في حلب يحوي ثروة تاريخية لا تقدر بثمن، وهي بنك الجينات الخاص بالنباتات”، والذي أتم المركز نقل نسخ من الأصول الوراثية لنباتاته إلى أماكن آمنة.

واستكمل في آذار (مارس) 2014 نقل نسخة من معظم المصادر الوراثية النباتية المحفوظة في مركزه في حلب إلى قبو البذور العالمي في النرويج، بغية الحفاظ عليها في ظل النزاع الدائر في سوريا.

أكثر من 80 بالمئة من الموارد الوراثية للمحاصيل الزراعية، المخزونة في “بنك المصادر الوراثية” التابع للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا” في مدينة حلب السورية، تم نقل نسخة منها بأمان إلى قبو البذور العالمي في مدينة سفالبارد بالنريوج، وبذلك تسلم قبو البذور العالمي من ما مجموعه 116.484 مادة وراثية نباتية.

سلالات قديمة

يخزن بنك “إيكاردا” للمصادر الوراثية أكبر مجموعة عالمية من محاصيل الشعير والفول والعدس، إضافة إلى أنواع أصلية من القمح القاسي والقمح الطري. وهو يحوي ما يقارب 150 ألف عينة، 65 بالمئة منها سلالات محلية فريدة وبرية من الحبوب والبقول والأعلاف، تم جمعها من مناطق عرفت أقدم ممارسات تدجين المحاصيل في الحضارات البشرية، مثل الهلال الخصيب في غرب آسيا، المرتفعات الحبشية في إثــيوبيا، وادي النـيل ومراكز تنوع أخرى في شمال أفريقيا وآسيا الوسطى والقوقاز.

وقد اكتسبت المحاصيل في هذه المناطق منذ آلاف السنين مورثات متأقلمة طبيعياً مع الإجهادات البيئية.

إ العملاق”إيكاردا” يُنهب

عملت “إيكاردا” على تطوير الواقع الزراعي وتحسين المستوى المعيشي للسكان، وذلك من خلال جهودها في مجال العمل على تحليل التربة وإصلاحها وتطويرها ومعالجة الملوحة في تربة البادية وغيرها، وإدخال النظم الحاسوبية في العمل الزراعي، أضف اليها تطوير أصناف مختلفة من النبات ، وخصوصا القمح، وتطوير أدوية لمكافحة أمراض المزروعات والحصول على أصناف جديدة مقاومة للأمراض، وقد قامت بإكثار ما يزيد على 150 ألف نوع من البذور، نقلتها كلها موثقة الى قبو البذور العالمي في النرويج، ويعود إلى منظمة “إيكاردا” الفضل في تحسين إنتاجية القمح السوري بنسبة وصلت في بعض الأحيان إلى 70 بالمئة، وطورت انواعاً من الخضار المقاومة للجفاف، وأنواعاً من الاعشاب الطبية والعلفية، وعملت “إيكاردا” من أجل الحفاظ على الانواع البلدية للخضار والفواكه المهددة بالانجراف، في ما يسمى التهجين، أضف الى كل ذلك، فقد بدأت “إيكاردا” مشروعاً إقليمياً بيئياً بعنوان “الرعاية الشاملة للمياه على مستوى ثمانية بلدان من ضمنها سوريا، وذلك في عام 1996 لتحفيز إدماج حصادالمياه في النظم الزراعية في المناطق ذات البيئات الاكثر جفافا.

عدا عن ذلك فقد أمّنت “إيكاردا” من خلال مشاريعها الضخمة آلاف فرص العمل لأبناء الريف السوري وخصوصا الحلبي.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: ماذا قدم أهالي ريف حلب الى “إيكاردا” التي أعطتهم كل ذلك؟ لقد جند البعض منهم أبناءهم في عصابات سطت على مركز “إيكاردا” العملاق، ونهبت كل شيء فيه، حتى المكيفات، الكمبيوترات وأجهزة الرصد والتحليل.

وأخيرا لا يسعنا إلا أن نوجه تحية إلى هؤلاء الجنود المحهولين في “إيكاردا” وهم يعملون لمستقبل الناس في أقطار العالم، فيما ثمة من يدمر هذا المستقبل ويقوض دعائمه.

Author: Faddi Nassar

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!