إنشاء جيش أوروبي موحد…مناورة تكتيكية أم هدف استراتيجي


أفاق قادة الاتحاد الأوروبي ربما – متأخرين – على متغيرات ومستجدات أمنية وعسكرية أفرزتها أحداث أوكرانيا، وباتت في اعتقادهم تنكأ جراح ماض خلفتها حرب باردة بين كتلتي الناتو التي تمثل الغرب الأوروبي الأمريكي و وارسو التي كانت تمثل الشرق “سوفيتي وأوروبي سابق” والتي يبدو أنها لم تندمل تماما، أو لم تستطع إزالة عقد الخوف والشكوك المتبادلة بين جناحي القوة في شرق العالم وغربه.
فما أقدمت عليه روسيا الاتحادية من ضم لشبه جزيرة القرم، ومن ثم دعم ومساندة الداعين إلى تقسيم أوكرانيا وفقا لاعتبارات عرقية أو “ولائية” دفع قادة دول الاتحاد خاصة العسكريين منهم إلى إعادة فتح ملف العلاقات بين الاتحاد، ممثلا بذراعه العسكري الناتو، وبين روسيا ممثلة بقوتها المتعاظمة وقيادتها الطامحة لتجديد عهد القوة السوفيتية السابق، وذلك تمهيدا لإعادة الحسابات وجدولة موازين القوة بين الطرفين تحسبا لما قد يستجد على إثر تلك الأزمة الأوكرانية وتنامي مفاعيل القوة الروسية.
وفي سياق الصحوة الأوروبية هذه جاءت دعوة رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إلى إنشاء جيش أوروبي موحد من أجل إقناع روسيا بأن الاتحاد الأوروبي جاد في الدفاع عن قيمه، حيث رأى يونكر أن العمليات العسكرية لروسيا في أوكرانيا جعلت من إنشاء جيش أوروبي مسألة أكثر إلحاحاً وأن تشكيله هذا الجيش سيؤدي إلى ترشيد الإنفاق العسكري وتعزيز اندماج الدول الأعضاء.
يونكر وغيره من قادة دول الاتحاد سياسيون وعسكريون اعتبروا أن تشكيل هذا الجيش سيساعد على وضع سياسة خارجية وأمنية مشتركة للاتحاد، لافتين إلى أن حلف شمال الأطلسي الناتو ليس كافياً لأن بعض الأعضاء المهمين فيه ليسوا أعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وقد تباينت ردود الفعل الأوروبية حيال هذه الدعوة إذ قال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن موقف بلاده هو أن الدفاع يُعدّ مسؤولية وطنية وليس من مسؤولية الاتحاد الأوروبي، وأنه لا توجد خطة لتغيير هذا المبدأ، أو لقيام جيش أوروبي، في المقابل رحبت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون دير ليين بدعوة يونكر.. قائلة “إن مستقبلنا كأوروبيين سيكون في مرحلة ما مع وجود جيش أوروبي”.
وكانت سياسة الأمن والدفاع الأوروبية المشتركة قد تم تدشينها مع إطلاق معاهدة ماسترخت يومي التاسع والعاشر من ديسمبر 1991 والتي جرى التوقيع عليها في السابع من فبراير من العام التالي حيث كان هدفها تطبيق سياسة خارجية وأمنية مشتركة، كذلك جرى في العام 2004 تأسيس وكالة الدفاع الأوروبية بهدف تطوير كافة المجالات المتعلقة بالقوات المسلحة الوطنية للدول الأعضاء وإقامة المشروعات المشتركة بين القوات المسلحة للاتحاد الأوروبي.
ورغم ذلك استمر الإنفاق العسكري ضعيفاً في أوروبا الأمر الذي ألقى مزيداً من الشكوك حول قدرة الاتحاد الأوروبي على تنفيذ خططه الأمنية التي يتطلع من خلالها للنهوض بالتزامات كونية الطابع…وفي الفترة بين عامي 2008-2012 جرى خفض الإنفاق العسكري في بريطانيا بنسبة 5.2 بالمائة، وفي فرنسا بنسبة 3.8 بالمائة، في حين زادت ألمانيا فعلياً إنفاقها بنسبة 2.6 بالمائة، كذلك انخفض الإنفاق العسكري في أوروبا الغربية والوسطى عامة بنسبة 1.6 بالمائة بين عامي 2011 و2012.
الجدير بالذكر،أن للاتحاد الأوروبي حالياً مجموعات قتالية يتم إمدادها بالجنود بصورة دورية من قبل الدول الأعضاء لتكون بمثابة “قوات رد سريع” بيد أنها لم تستخدم مطلقاً في الأزمات التي شهدها العالم خاصة في المناطق المحيطة بأوروبا كالشرق الاوسط فضلا عما شهدته وتشهده أوكرانيا حاليا.
وقد شهد العام 2011 تخفيضات كبيرة في كل من اليونان وإسبانيا وايطاليا وايرلندا، كما حدثت تخفيضات حادة في معظم بلدان أوروبا الوسطى حيث هبط الإنفاق العسكري في مجموع دول غرب ووسط أوروبا بنسبة 1.9 بالمائة، نتيجة التدابير التقشفية، قابلتها زيادة كبيرة في أوروبا الشرقية بلغت 10.2بالمائة، وخالفت بعض بلدان غرب أوروبا الاتجاه السائد ومنها النرويج التي واصلت زيادة الإنفاق العسكري، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط.
وبسبب هذه التخفيضات، صدرت عدة تحذيرات في الولايات المتحدة الأمريكية من أن التراجع المستمر في الإنفاق الدفاعي الأوروبي من شأنه أن يحول دون اضطلاع أوروبا بأي دور مؤثر في قضايا الأمن الدولي، حيث رأى الخبراء الأمريكيون أن خفض الإنفاق الدفاعي المستمر يعني أن أوروبا لن يكون بمقدورها مستقبلاً المساهمة على نحو نشط في مهام خارج القارة.
وفي عام 2011، قال تقرير للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن إن 2.7 بالمائة فقط من عناصر جيوش دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها حوالي مليوني جندي مستعدون لتحقيق المهمة المطروحة عليهم.
ورأى التقرير،أن هذه النسبة يمثلها 79 ألف جندي، شاركوا في العمليات العسكرية وعمليات دعم السلام، في الأعوام القليلة الماضية، وأن سائر الجنود الآخرين المنتسبين إلى جيوش دول الاتحاد الأوروبي ليسوا متأهبين للقتال.. وخلص التقرير إلى القول “إنه ليس بمقدور القوات المسلحة لدول الاتحاد الأوروبي مع استثناءات قليلة تنفيذ مهام تطرحها عليها الحكومات”.. ولا يرى التقرير ما يمهد لإنشاء جيش أوروبي مشترك ما لم تتزايد الجاهزية القتالية لجيوش الدول الأوروبية.
وتعارض كل من بريطانيا وفرنسا زيادة الدور العسكري للاتحاد الأوروبي خشية أن يحد من قدرات حلف الناتو.
وإثر تفجر الأزمة الأوكرانية عام 2014 بدت دول أوروبا منقسمة حيال كيفية التعامل مع التطور الجديد، وعلى الرغم من أنها دعمت سياسياً السلطة الجديدة في كييف، إلا أنها لم تتبن أي دعم عسكري مشترك لها ولم تتخذ إجراءات موحدة بشأن أي دعم أمني لدول البلطيق التي اعتبرت أن الأزمة الأوكرانية تحمل تهديداً روسياً لها، ولذا جاء التحرك أطلسياً وليس أوروبيا.
وضمن خطوات أخرى عديدة تضع إنشاء قوة عسكرية اوروبية موحدة موضع التنفيذ، أعلن السكرتير العام للناتو ينس ستولتنبرغ هذا العام أن الحلف قرر إنشاء ستة مقرات قيادة على وجه السرعة على أراضي بلغاريا واستونيا وليتوانيا ولاتفيا وبولندا ورومانيا، حتى تصبح على استعداد تام لمواجهة الأزمات المفاجئة، وضمان تنسيق ردود فعل القوات الوطنية وقوات الحلف، كما قرر الحلف تعزيز قوات الرد السريع، بحيث تكون مؤلفة من خمسة آلاف عسكري، مدعومة بقوات جوية وبحرية وقوات خاصة، وبرّر ستولتنبرغ ذلك بالقول، “إن التطرف ينتشر في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، كما يزداد العنف في أوكرانيا وتتعمق الأزمة هناك”.
وكان الناتو قد أعلن في مارس 2014 إرسال طائرتي استطلاع بعيدة المدى إلى الحدود الأوكرانية بدعوى القيام بدوريات على طول الحدود الأوكرانية في المجالين الجويين لبولندا ورومانيا، ولكن دون دخول المجال الجوي الأوكراني وبغرض مراقبة الأجواء في مساحة تبلغ 300 ألف كيلومتر مربع.
وفي حسابات التوازن الاستراتيجي يُمكن القول، “إن الوضع في أوروبا قد تغير جذرياً لمصلحة الدول الأطلسية على حساب روسيا اعتباراً من العام 2004، عندما انضمت إلى حلف الناتو سبع دول جديدة هي: ليتوانيا ولاتفيا واستونيا ورومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا، وكان لهذا التطور تأثير أكثر عمقاً ودلالة مما أحدثه انضمام بولندا والتشيك والمجر”.
وفي جنوب القارة، بات البحر الأسود منطقة نفوذ أطلسية شبه كاملة تراجعت فيها مكانة روسيا ودورها التاريخي، فإضافة إلى تركيا العضو القديم في الأطلسي أضحت كل من بلغاريا ورومانيا عضوين في الناتو وأصبحت جورجيا حليفاً وثيقاً للغرب، أما على صعيد الدور الأمريكي الجديد فتعتبر الدرع الصاروخية الأطلسية المراد نشرها في أوروبا التطور الأهم في العلاقات الدفاعية الأمريكية الأوروبية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
وستتألف الدرع، التي يتم التحكم بها انطلاقاً من قاعدة رامشتين العسكرية بألمانيا، من رادار في تركيا، وفرقاطات مزودة بأنظمة دفاعية وصواريخ اعتراضية قياسية منتشرة في البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى صواريخ اعتراضية أرضية سيجري وضعها في كل من بولندا ورومانيا، وفي مايو 2012 أعلن قادة الناتو، أن هذه الدرع دخلت الخدمة بشكل جزئي، لكنها لن تعمل بكامل طاقتها قبل العام 2020، حين يتم نشر الصواريخ الاعتراضية في بولندا ورومانيا، وفي السياق ذاته أعلنت الحكومة الأسبانية في أكتوبر 2012، أنها سمحت بنشر أربع سفن حربية أميركية محملة بأنظمة صاروخية وألف عسكري أمريكي، في قاعدة روتا البحرية في جنوب البلاد حيث ينضم الفريق الجديد إلى الجنود الأميركيين المنتشرين على الأراضي الإسبانية بموجب الاتفاق الدفاعي الثنائي المشترك لعام 1988 والذين يبلغ عددهم سبعة آلاف جندي.
وعلى خلفية الأزمة الأوكرانية بدأت الولايات المتحدة منذ صيف العام الماضي عملية تعزيز لقواتها في بولندا وجمهوريات البلطيق وحرصت الولايات المتحدة على استمرار دورها في أوروبا، ورأت أن هذا الدور جزء أصيل من مقاربة أمنها القومي، وتدفع التطورات المستجدة اليوم نحو مزيد من الانخراط الأمريكي في الساحة الأوروبية، خاصة في الجنوب والشرق الأوروبي حيث الأزمات المتفجرة.
وفيما تجد فكرة انشاء جيش أوروبي اتحادي موحد قوي صداها لدى قادة دول الاتحاد فإنها كذلك قوبلت بتأييد شعبي أوروبي واحيانا بتحفظ أو تردد في التأييد خشية عودة الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ففي المانيا رحب نصف الألمان تقريبا في استطلاع حديث للرأي باقتراح رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر تشكيل جيش مشترك للاتحاد الأوروبي لكن نسبة المعارضة للاقتراح كانت متقاربة جداً غير أن شعوبا أوروبية أخرى في فرنسا وايطاليا رحبت بالفكرة بينما تحفظ بريطانيون عليها وساندها الأمريكيون.
ومع ذلك يؤكد زعماء الاتحاد الأوروبي أنهم يريدون تعزيز السياسة الأمنية المشتركة من خلال تحسين قدرات الرد السريع لقوات دولهم عبر حلف الناتو، حيث يعتبر رئيس المفوضية الأوروبية أن صورة أوروبا عانت الكثير نتيجة لسياساتها الخارجية ولن يكون العلاج إلا من خلال إنشاء جيش “لنبيّن لروسيا بأننا جادون” “نحن الأوروبيون لسنا ضعفاء أو مترددين ويمكن لهذه القوة أن تسمح على حد السواء بمواجهة التهديدات الجديدة على حدود الاتحاد الأوروبي وبالدفاع عن “قيم” الاتحاد الأوروبي”.
وعاد يونكر ليؤكد أن من شأن القوة المشتركة للدول الـ 28 الأعضاء بالاتحاد الأوروبي أن تساهم في ترشيد الإنفاق العسكري وتعزيز التكامل العسكري لهذه البلدان، وقال:”مثل هذه القوة من شأنها أن تساعدنا في وضع سياسة خارجية وأمنية موحدة”، مشدداً على أن هذا لن يقلص من دور حلف شمال الأطلسي.
اقتراح يونكر قد لا يكون على هوى أولئك الذين يعارضون المزيد من التكامل الأوروبي بدءًا من بريطانيا ولكنه وجد بالفعل بعض الدعم في ألمانيا، حيث كان رد وزيرة الدفاع الألماني أورسولا فون ليين في بيان لها بالقول، “مستقبلنا نحن الأوروبيون سيكون من خلال بناء جيش أوروبي”، كما بينت أن ذلك “لن يكون على المدى القصير”.
في الجهة المقابلة، برز ما يشبه الانتقاد الروسي للدعوة لإنشاء جيش أوروبي موحد وقد تناولت صحيفة “نوفيه ازفيستيا” الروسية المسألة في مقال لها التصريحات التي تطلق هنا وهناك عن ضرورة إنشاء هذا الجيش، معتبرة أن الدعوة لإنشائه هي عودة بالعلاقات بين الشرق والغرب إلى مدار الحرب الباردة بين الجانبين، مشيرة إلى أن هذه الدعوة ليست جديدة رغم كونها ستناقش جديا خلال قمة الاتحاد الأوروبي التي ستنعقد في شهر يونيو المقبل لتحديد مدى إمكانية إنشاء الجيش الأوروبي الموحد ، ومع ذلك “علينا دراسة جوهر المشكلة وتحديد موقف حيالها”.
وبالطبع لا يوجد موقف موحد من هذه المسألة في الاتحاد الأوروبي كما هو الحال في مسائل السياسة الاقتصادية تجاه روسيا التي يتهمها الغرب بتأجيج النزاع في جنوب شرق أوكرانيا، فمن جانب تدعو جمهوريات البلطيق وبولندا الناتو إلى تشديد الموقف من روسيا، معتمدة بالدرجة الأولى على الولايات المتحدة أكثر مما على أوروبا الموحدة تتحفظ دول وسط اوروبا وبعض دول غربها على الفكرة .
وفي هذا الصدد يقول مدير مركز تحليل تجارة الأسلحة في العالم ايغور كوروتشينكو، “إن ألمانيا بالذات هي صاحبة فكرة إنشاء الجيش الأوروبي الموحد لأنها تريد تعزيز تأثيرها في أوروبا، واعتقد أن هناك فرصة لإنشاء هذا الجيش، وأن كل شيء مرتبط بالرغبة والأموال، فكم سيكلف إنشاء هذا الجيش مسألة غير معروفة”.
وأضاف “وبشأن ما يخص الرغبة في إنشائه، فإن بريطانيا تقف على طول الخط ضد هذه الفكرة حيث أكد رئيس الحكومة البريطانية ديفيد كاميرون مرارا وتكرارا أنه لن يدعم هذه الفكرة بأي شكل، وقال موقفنا واضح جداً مسألة الدفاع هي مسؤولية الدولة المعنية وليس الاتحاد الأوروبي، ولن نغير هذا الموقف بشأن هذا الأمر”، وتابع “بدون شك، تلعب دورها هنا الولايات المتحدة التي تعتبر بريطانيا بالنسبة لها حليفها القديم والمقرب، فإن إنشاء جيش أوروبي موحد تعتبره واشنطن تهديدا لوحدة الناتو لأن ظهور جيش داخل جيش ضمن إطار الحلف سوف يزعزعه”.
وبناء على كل تلك المعطيات، تتساءل الأوساط السياسية والأمنية الأوروبية عما إذا كانت الدعوة لإنشاء مثل هذا الجيش هي مجرد مناورة سياسية تكتيكية للضغط على روسيا أم هي دعوة جادة ذات هدف استراتيجي بالنسبة لحلف الناتو ودول الاتحاد الأوروبي.
تقرير: الأبحاث والدراسات

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!