اللبنة الأولى لقراءة الأفكار: أطلس يكشف كيفية تنظيم الكلمات داخل المخ


تمكن علماء أعصاب من إنتاج «أطلس» للدماغ، يوضح الكيفية التي تترتب بها معاني الكلمات، في المناطق المختلفة المكونة لمخ الإنسان. الأطلس الجديد يشبه الغطاء الذي أحاط بالقشرة الدماغية بألوان «قوس قزح»، ويعرض الكلمات المفردة، والمفاهيم التي تنقلها كل كلمة من الكلمات، وكيف تتجمع سويًا في كتل المادة البيضاء الموجودة في المخ.

ما الذي يعنيه هذا؟

الفكرة ببساطة أكثر: أن لكل كلمة معنى معين، هنا قام العلماء بتجميع الكلمات، ودلالتها، وتوضيح المناطق من القشرة الدماغية التي تتعامل مع كل منها، مما كون لدينا خريطة متكاملة لمواقع الكلمات على القشرة الدماغية.

الهدف وراء الأطلس

يقول «جاك غالانت»، عالم الأعصاب في جامعة «كاليفورنيا» الأمريكية، وأحد المشاركين في إنتاج هذا الأطلس، «إن الهدف من المشروع هو إنتاج أطلس عملاق؛ يوضح كيفيفة تمثيل جانب محدد واحد من اللغة في الدماغ، المقصود بجانب واحد ـ في هذه الحالة ـ هو معاني الكلمات أو دلالاتها».

لا توجد منطقة مفردة في المخ تحمل كلمة واحدة أو مفهومًا واحدًا معينًا؛ فالمنطقة أو البقعة المعينة المفردة للمخ ترتبط بعدد من الكلمات ذات الصلة، وكل كلمة تضيء أكثر من منطقة في المخ، هذه المناطق المضاءة أو المنشطة بواسطة كلمة معينة تشكل معًا الشبكات التي تمثل المعاني الختلفة للكلمة المفردة. كلمة «الحب» تضيء شبكة معينة، وكلمة الحياة تضيء شبكة أخرى، وكلمة الموت تضيء شبكة ثالثة، وهكذا.

هذا الأطلس يوضح كيف أن عملية التخيل في عالمنا الحديث يمكنه تغيير معرفتنا المتعلقة بكيفية أداء الدماغ لمهامه الأكثر أهمية. ويقول بعض العلماء «إن هذا الأطلس، ومع مزيد من التقدم في الأبحاث المشابهة، يمكن أن يجعل للتكنولوجيا الحديثة تأثير عميق على عالم الطب، وبعض المجالات الأخرى».

من الممكن لهذا النهج من الأبحاث أن يستخدم في فك شفرة المعلومات الخاصة بماهية الكلمات التي يسمعها أو يقرأها أو حتى يفكر بها الشخص. بمعنى آخر: إننا من الممكن عبر مراقبة الشبكات التي تضاء في دماغ شخص ما معرفة ما هي الكلمات التي يفكر فيها الإنسان، نحن هنا نتحدث عن اللبنة الأولى لفكرة قراءة الأفكار، لكن بأسلوب علمي متكامل يمكن تطبيقه بشكل عام، وليس موهبة مخصصة لبعض الأشخاص، دون غيرهم.

من ناحية أكثر طبية، فيمكن أن يؤدي هذا الأطلس إلى إنتاج ما يشبه جهاز تسجيل اللغات، والذي سيسمح للأشخاص المصابين بفقدان النطق؛ نتيجة أمراض عصبية حركية، أن يتحدثوا مجددًا، من خلال جهاز كمبيوتر يتم زرعه؛ لتفكر في الكلمة التي تريد قولها، فتضاء الشبكة الخاصة بها في الدماغ، فيقرأها جهاز الكمبيوتر، ويحولها لكلمة مسموعة.

كيف أُنتج هذا الأطلس؟

ومن أجل إنتاج هذا الأطلس، سجل العلماء نشاط المخ لعدد من الناس أثناء سماعهم لقصص تتم قراءتها عليهم عبر برنامج إذاعي أمريكي يسمى «The Moth Radio Hour». بعد هذا طابق العلماء النصوص المسموعة، مع بيانات نشاط المخ؛ لإظهار كيف أن مجموعة الكلمات ذات الصلة أثارت استجابات عصبية في 50 إلى 80 ألف بقعة بحجم حبة «البازلاء» في جميع أنحاء القشرة الدماغية.

ووقع اختيار فريق العلماء على هذا البرنامج الإذاعي تحديدًا؛ لأن القصص التي تحكى فيه تكون قصيرة، ومثيرة لاهتمام المستمعين. وكلما كانت القصص قادرة على أسر أرواح، وانتباه المستمعين، كلما كان العلماء أكثر تأكدًا من أن المستمعين يكونون أكثر تركيزًا على الكلمات، دون تشتت للانتباه. وقد استمع سبعة أشخاص لهذه القصص، كل منهم لمدة ساعتين كاملتين. بهذا يكون كل شخص قد استمع لقرابة 25 ألف كلمة بشكل عام، ولأكثر من ثلاثة آلاف كلمة مختلفة، طبقًا لما أظهره المسح الدماغي.

ويوضح الأطلس، كيف أن الكلمات والمصطلحات ذات الصلة تثير نفس المناطق في الدماغ. على سبيل المثال: على الجانب الأيسر من الدماغ، فوق الأذن، تقع واحدة من المناطق متناهية الصغر، التي تمثل معنى كلمة «ضحية». هذه المنطقة نفسها تستجيب لكلمات قتل، وأدين، واعترف. مثال آخر: على الجانب الأيمن للدماغ، بالقرب من أعلى الرأس، تقع واحدة من المناطق التي تنشط باستخدام الكلمات المتعلقة بالأسرة، مثل زوجة، وزوج، وأطفال، وآباء.

كل كلمة يتم تمثيلها في الدماغ بواسطة أكثر من بقعة؛ لأن كل كلمة تميل لأن يكون لها عدة معانٍ. على سبيل المثال: فإن هناك منطقة معينة في الدماغ تستجيب بشكل موثوق لكلمة «أعلى»، جنبًا إلى جنب مع الكلمات الأخرى التي تصف الملابس. لكن كلمة «أعلى» أيضًا تنشط العديد من المناطق الأخرى، أحدها يستجيب للأرقام والقياسات، وآخر يستجيب إلى المباني والأماكن..

اللافت للنظر، أن أطلس الدماغ، لجميع المشاركين في هذا البحث، كانت متماثلة، وهو ما يشير إلى أن أدمغتهم نظمت معاني الكلمات بنفس الكيفية. المشاركون كانوا سبعة أشخاص فقط، امرأتين وخمسة رجال، وكان جميعهم ناطقًا باللغة الإنجليزية، واثنان منهما كانا من العلماء المشاركين في هذه الدراسة. هذا الأمر يؤكد لنا أن أناسًا من ثقافات مختلفة ودول ناطقة بلغات مختلفة، سيكون لكل منها أطلس مختلف؛ لاختلاف الكلمات ودلالاتها.

  • Facebook
  • Twitter
  • Google+
  • Pinterest
  • LinkedIn
  • Gmail
  • VKontakte

لا يزال المخ البشري يكشف عن أسراره المذهلة

فوائد كبيرة لهذا الأطلس

وباستخدام هذا الأطلس، يمكن للعلماء أن يربطوا القطع المختلفة لشبكات الدماغ التي تمثل مفاهيم مختلفة، بشكل كبير عن بعضها البعض، من الأعداد إلى القتل إلى الدين. وأشار بعض المشاركين في إنتاج هذا الأطلس إلى أن فكرة القتل تظهر بوضوح، وكثرة في الدماغ.

وباستخدام نفس كمية البيانات التي حصلوا عليها، بدأت هذه المجموعة من العلماء في إنتاج أطالس جديدة، والتي تبين كيف يحمل الدماغ المعلومات حول جوانب أخرى من اللغة، مثل الأحرف المسموعة، وليست الساكنة، وبناء الجملة. لكن العلماء يقولون «إن بناء أطلس شامل للدماغ، يتضمن اللغة بشكل كامل، من الناحية القصصية أو السردية الكاملة، لا يزال أمرًا بعيد المنال»، فهم قاموا بإنتاج أطلس يتضمن جانبًا واحدًا من جوانب اللغة، ولا تزال هناك حاجة كبيرة لأطالس تتضمن جميع الجوانب الأخرى، لنأتي للخطوة الأصعب التي تتضمن دمج هذه الأطالس كلها.

وأشاد عالم الأعصاب في جامعة بريستون، «أوري حسون»، بهذا الإنتاج الفريد والمميز، قائلًا «إنه على عكس العديد من الدراسات التي بحثت في نشاط الدماغ، من خلال كلمة أو جملة معزولة، فإن هذه الدراسة سلطت الضوء على نشاط الدماغ في (سيناريو) من العالم الحقيقي». وذكر أن الخطوة القادمة هي: إنتاج أطلس دماغي أكثر شمولًا ودقة، لكنه حذر من أن الآثار الأخلاقية لهذه الخطوة المتقدمة، وما قد يتبعها من تطبيقات، ستكون كبيرة.

من بين التطبيقات المستقبلية لهذا الأطلس فكرة تقييم درجة تواصل الجمهور بفاعلية مع الرسائل السياسية، لكن الأمر لايزال في بدايته، وهذا الأطلس في شكله الحالي لا يستوعب الفروق الدقيقة في معاني الكلمات. لو أخذنا كلمة «طاولة» مثلًا، فهي يمكن أن تشير لمعاني عدة، مختلفة، مثل تناول الطعام في الخارج، أو شيء مصنوع من الخشب، أو شيء مكون من أربعة أرجل، أو شيء ثقيل، وهكذا، لكن هذا البحث، وما أنتجه من أطلس، يمثل بالفعل الخطوة الأولى في مشوار الألف ميل؛ فالطريق أصبح واضحًا لكل من يريد أن يسير به.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!