هل ستحقق روسيا وحلفاؤها النصر الحاسم قريبا في سوريا؟


إنها بداية السنة السادسة وما يزال الشعب السوري يتألم ، بعد أن بدأت في سوريا “كذبة الربيع العربي” في 15/3/2011. الولايات المتحدة وحلفاؤها يخططون لتحقيق مصالحهم الإستراتيجية، وعلى الشعوب التي وضعت ضمن أهدافهم أن تختار بين الانقياد لهم وتنفيذ رغباتهم و تركهم يسرقون خيرات أوطانهم.

المقاومة لهذه المخططات سوف تؤدي لدفع الأثمان الباهظة لمنعهم من تحقيق أهدافهم الخبيثة، وهذا سيتطلب الكثير من الصبر والتضحيات والآلام. وأي خيار تختاره القيادة السياسية للبلد الذي وضع كهدف للمحور الأمريكي فهو يتعلق بعوامل كثيرة منها الصفات الشخصية للقائد السياسي وما يحمله من ثقافة وفكر وإيمان بوطنه وقيم إنسانية وقناعة بأن القضية تستحق التضحية والصبر.

وهنا في الحالة السورية يستطيع أي مراقب محايد وأي سياسي غير منتم للمحور المعادي لسوريا أن يلاحظ في شخصية الرئيس السوري بشار الأسد تميزا في هذه العوامل الشخصية. فقليلون في العالم يستطيعون تحمل كل ما تحمله،  لقد أظهر صبرا كبيرا وإرادة عجيبة على مقاومة هذا المخطط الأمريكي الغربي الخليجي التركي،

لقد فهم حقيقة أن ثمن مقاومة مخططاتهم أقل تكلفة من الانصياع لإراداتهم، وعرف أن كذبة “الربيع العربي” لن تنطلي على شعب مثقف كالشعب السوري. إن فهم هذه الحالة يتطلب المقارنة مع الحالة الأوكرانية عندما عملت الولايات المتحدة وحلفاؤها على تغيير النظام في أوكرانيا عام 2014، حيث بدأت بتخطيط أمريكي غربي سلسلة من أحداث العنف في كييف عاصمة أوكرانيا أدت في غضون أيام قليلة لسقوط حكومة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش وهربه وتشكيل حكومة جديدة تنفذ التعليمات الأمريكية الغربية وتدمر أوكرانيا من كل النواحي من خلال تنفيذ تلك التعليمات.

لقد علم الرئيس الأسد منذ البداية كما علم غالبية السوريين بمختلف طوائفهم وأعراقهم أن مقاومتهم ستكلف البلد الكثير، ولكنها لن تستطيع تدمير سوريا، وستخرج سوريا منتفضة من تحت الغبار لتعيد بناء ما تهدم وتحافظ على ثروة “مكتشفة من جديد” لا تقدر بثمن حصلت عليها من هذه المقاومة لأمريكا وحلفائها.

وهذه الثروة هي نشوء مفاهيم جديدة لدى الشعب السوري تشبه إلى حد كبير تلك المفاهيم التي انتشرت بعد انتصار الشعب الروسي على النازية المتوحشة في الحرب العالمية الثانية، وهي في الحالة السورية مفهوم للعيش المشترك بين جميع السوريين، فلا يدعون أحدا في المستقبل يقدم لهم وصفات “مسمومة وثورية” مثل وصفة الربيع العربي التي كادت أن تطيح بقيم الشعب السوري وتنوعه الجميل وأديانه المتعددة وأعراقه المختلفة.

إن هذه الثروة الجديدة هي أيضا مفهوم بالانتماء إلى قيم السماء، ومفهوم بالانتماء إلى القوى العالمية التي تمثل بقيمها مفاهيم للحرية والعدالة والقانون الدولي وتدافع عن الحقوق وتناضل ضد محور يريد استغلال البشرية كلها ولو أدى ذلك إلى تدمير هذا الكوكب الذي نعيش عليه.
لقد برهنت قوى هذا المحور التي تقاتل مع سوريا والمتمثلة بروسيا وإيران وحزب الله وبقية الأصدقاء في العالم أنها تستطيع مقاومة الإرهاب بكل أشكاله الفكرية والعسكرية والأمنية والإعلامية واستخلاص الدروس والعبر من التجربة السورية من أجل الانتصار في معركة سوريا وفي معارك أخرى كثيرة ومحتملة.

كما قلنا في مقالات سابقة، إن معرفة طريقة تفكير المحور الآخر هي أمر هام للانتصار في المعركة السورية، لأنها معركة واحدة من معارك لابد من حدوثها لتثبيت التوازن العالمي الذي سيتشكل من خلال القطبية المتعددة، والأحداث المنتشرة في البرازيل ومقدونيا وأوكرانيا وأرمينيا وغيرها تدل على بدايات المعارك الكثيرة الأخرى.

لقد أراد المحور الأمريكي الغربي التركي الخليجي، وبدعم وتحريض إسرائيلي، تشكيل منطقة جيواستراتيجية جديدة تمتد من بحر العرب جنوبا إلى تركيا شمالا، منطقة الجزيرة العربية وبلاد الشام، تكون منطقة ذات لون واحد بولائها للغرب وإسرائيل، تستطيع إيصال النفط والغاز الخليجي إلى إسرائيل وتركيا ومن ثم إلى أوروبا وتقطع طريق المحور الآخر الذي تشكله الصين وإيران وروسيا وسوريا عن البحر الأبيض المتوسط، وتنهي بذلك طبعا ظاهرة المقاومة لإسرائيل.
إن أحد الأسباب الرئيسية للحرب على سوريا هي إمكانية مد الغاز الخليجي إلى إسرائيل وتركيا وإيصاله بعد ذلك عن طريق إحدى هاتين الدولتين أو كلاهما إلى أوروبا، في محاولة للتأثير على إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا.

ولعل معرفتهم، بعد خمس سنوات من الحرب في سوريا، بفشل مشروعهم، هي التي دفعتهم إلى تحريك الحليف السعودي لفتح ملف جزيرتي صنافير وتيران والاتفاق مع الحكومة المصرية (هذا الاتفاق يلاقي رفضا كبيرا لدى الشعب المصري) على إعادة ترسيم الحدود بين السعودية ومصر وضم هاتين الجزيرتين إلى الأراضي السعودية، وإقامة جسر بري يربط بين السعودية والأراضي المصرية في سيناء كما صرح الملك السعودي في زيارته الأخيرة لمصر قبل أيام.

إن هذا الجسر البري ليس جسرا بين جزئين كبيرين في مدينة كبيرة، مثل جسر اسطنبول الشهير، يؤمن التواصل والحركة بين جزئي المدينة ، بل هو جسر في منطقة شبه صحراوية يراد من بنائه الوصول إلى أهداف إستراتيجية غير معلنة، أهمها ربط السعودية بإسرائيل عن طريق سيناء الخاضعة لاتفاقية كامب ديفيد، وإيصال الغاز والبترول الخليجي من الخليج إلى إسرائيل ومن ثم إلى أوروبا،

وهذا أمر لن تعارضه مصر التي كانت تبيع غازها إلى إسرائيل في الفترة السابقة.
إن الحرب السورية علمتنا الكثير كما علمت حلفاؤنا، لقد رأينا كيف ينقلب المحور الأمريكي وحلفاؤه على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وكيف يمتنعون عن تنفيذ القرارات الدولية، وكيف يستمرون في مخططاتهم ويستخدمون الخطط البديلة في حال فشلت الخطط الأساسية، ومرة أخرى إنه مفهومهم الذي بني على المصالح وليس على القيم الإنسانية وقيم القانون الدولي، إنه مفهوم لا يراعي حرمة الآخرين، ويعتبر المصالح هي الهدف الوحيد الذي تجب المحافظة عليه ولو أدى ذلك إلى دمار دول أو دمار الكون نفسه.
إنهم لن يتوقفوا إلا من خلال صدمة تغير طريقة تفكيرهم وتجعلهم يفهمون أنهم ليسوا لوحدهم على الساحة الدولية وحتى على الساحة الإقليمية، ونحن هنا لا ندعو إلى الحرب بل ندعو إلى التفكير الجاد بإجراء جراحات صغيرة لا بد أن يجريها طبيب بارع مثل الرئيس بوتين لينقذ من خلالها هذا الجسد الكوني المريض، الذي يسير في طريق اللاعودة إن لم يتدخل هذا الطبيب البارع ويجري عمله الجراحي في الزمن المناسب وفي المكان المناسب، كما فعل بتدخله الناجح في سوريا فأجرى جراحة إسعافية أنقذت المريض ولكنها تحتاج إلى استكمال من أجل الشفاء الكامل.

إن هذا الورم السرطاني الذي ينتشر في كل مكان ويستفحل في سوريا والذي يسميه الجميع بالإرهاب لم يحدث صدفة، كما يعلم الجميع الآن، بل تغذيه دول كبرى وتستثمره لتحقيق مصالحها، كما ترعاه بالمال والسلاح والفكر الإيديولوجي دول إقليمية تتطابق مصالحها في الإقليم مع مصالح الدول الكبرى،

مع الإشارة أن بعض الدول الإقليمية مثل دول الخليج لا تسعى لتحقيق مصالح ذاتية إستراتيجية بل هي دول وظيفية مصطنعة وجدت أساسا لتنفيذ المصالح الأمريكية والغربية والإسرائيلية.
إن هذا الورم السرطاني الذي بدأ ينتشر في كل الجسد الكوني لا تتم معالجته بالجراحة فقط بل إن الطريقة المثلى لعلاجه تنطلق من الجسد نفسه. إن خلايا الجسد كما أثبت العلم حديثا تستمع لحواراتنا الداخلية وتنشط بمقاومتها للمرض من خلال قناعاتنا ومفاهيمنا واقتناعنا بقدرتنا على التخلص من المرض.

إن الإيديولوجية التي تنشرها الوهابية والإخوان المسلمون في العالم بيننا كبشر، وكل منا يمثل خلية من خلايا الجسد الكوني، هي المسؤولة عن انتشار هذا المرض الخبيث، وإن التخلص من هاتين المدرستين التكفيريتين هو الذي سيعيد العافية إلى العالم ككل، طبعا إذا استطعنا أن ننشر بدلا منهما قيم السماء وقيم الإنسانية والعدالة والقانون الدولي.

لقد علمتنا التجربة السورية أن السعودية وحكومة تركيا ومن معهما من الدول والأحزاب التي تعتمد نفس الإيديولوجية هما سبب بلاء سوريا وغيرها من دول المنطقة والعالم، صحيح أنهما تستخدمان من قبل الحلف الأمريكي لتحقيق مصالحه الكبرى كما شرحنا سابقا، ولكن صدمة لهاتين الدولتين من قبل المجتمع الدولي ودول العالم التي تعتنق القيم الإنسانية والقانون الدولي ستكون المفتاح الحقيقي لتغيير الخارطة الدولية ولإيقاف هذا التمدد الجنوني للإرهاب.
الأوضاع الميدانية في سوريا اليوم وخاصة بعد انكشاف الوجه الحقيقي للمعارضة المسلحة في سوريا، والتي يحاول الحلف الأمريكي تصويرها بالمعتدلة، والتي تقوم اليوم بقتل المدنيين الأبرياء في مدينتي حلب ودمشق من خلال القذائف العشوائية على الأحياء المدنية، يوم أمس (26/4/2016) وصل عدد الضحايا من المدنيين في حلب فقط إلى 16 شهيدا أغلبهم من الأطفال والنساء والشيوخ، إضافة لتدمير الممتلكات الخاصة من المنازل والسيارات، وكل هذا تحت أنظار العالم الذي يدعي أنه يحارب الإرهاب.

لقد سعت روسيا بالتعاون مع الولايات المتحدة وبقية دول العالم وتحت ضغط الرأي العام في المجتمعات الغربية التي بدأت تعاني من الإرهاب إلى استصدار قرارات دولية لحل الأزمة السورية ومحاربة المنظمات الإرهابية في سوريا مثل داعش والنصرة والمنظمات المرتبطة بهما، (القرارين 2253 و 2254 ) ومنع الدول من تمويل أو دعم الإرهاب بالمال والسلاح. ولكن الأوضاع الحالية في سوريا تؤكد أن هذه القرارات لا تجد من ينفذها من الدول التي تعمل مع الحلف الأمريكي، وأن السعودية وتركيا على وجه الخصوص تزيد من دعمها بالسلاح ومن التمويل بالمال، الأمر الذي ظهر جليا من تصريحات وفد الرياض في جنيف عندما انسحب من المفاوضات وأعلن أنه سيعود إلى القتال، ويبدو أنه أصبح يمتلك اليوم أسلحة جديدة بما فيها الصواريخ المضادة للطائرات والمحمولة على الكتف.

إن الهدنة التي يتم الاتفاق عليها في مجلس الأمن مع المنظمات المسلحة هي فرصة لتلك المنظمات لحشد قواتها وزيادة تعداد مقاتليها، كمن يترك المرض بلا علاج لفترة من الزمن فلا يؤدي ذلك إلا إلى استفحال المرض، وإن الانتظار أكثر لن يؤدي إلا إلى مشاكل أكبر في الجسد السوري والجسد والعالمي، إن آلام الناس في العالم لن تنتهي إلا بعد تلك الجراحة السريعة للجسد السوري لاستئصال هذا الورم الخبيث، والتي يجب أن تؤسس فيما بعد لبناء مؤسسات دولية لتجريم كل من يحمل الفكر الوهابي وفكر الإخوان المسلمين كما حدث مع النازية بعد الحرب العالمية الثانية.

إن روسيا وحلفاءها من الدول الإقليمية مدعوة اليوم لتنفيذ عمل عسكري كبير يشترك فيه الجيش السوري وحزب الله والقوى العسكرية الأخرى من إيران وروسيا وكل أحرار العالم لاجتثاث الإرهاب من سوريا مرة واحدة. إنها الطريقة الوحيدة التي يفهمها الفكر التكفيري الذي يكذب دائما ويعتبر الهدنة فرصة جديدة لتحقيق المكاسب، إنها فرصة العالم الحر أن يقف إلى جانب هذا الحلف الذي يقاتل الإرهاب وأن يدعمه بقوة لتحقيق نصر حاسم ضد الإرهاب في الساحة السورية، التي تمتلك وحدها الآن كل عوامل النجاح لتحقيق هذا النصر الحاسم. وإن مثل هذا النصر سيكون رسالة واضحة إلى أولئك الذين يشعلون النيران في مختلف بقاع العالم بأن العالم قد تغير، وأن الولايات المتحدة لم تعد القطب الأوحد بل أصبح العالم متعدد الأقطاب، ولا شك أن هذا النصر الحاسم الذي سيتحقق حتما في سوريا سيشكل حجر الأساس لعالم متعدد الأقطاب.

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!