تشرنوبل الشرق الأوسط يقتل فلسطينيي الضفة بصمت


لا يزال العالم يتذكر ما جرى قبل 30 عاماً مضت على كارثة تشرنوبيل النووية، في الوقت الذي تصمت او تذكر على استحياء، فيه وسائل الإعلام العالمية والإقليمية، قضية القتل البطيء والصامت بالتسريبات النووية في الضفة الغربية، وفي جنوبها تحديداً.

وأظهرت فحوص (اسرائيلية) فوق صوتية أجريت على مفاعل ديمونا النووي الإسرائيلي الذي أنشئ قبل أكثر من 50 عاماً، وجود ما لا يقل عن 1537 موضع خلل في البوتقة المعدنية للمفاعل، وفق ما نشر في بحث عرضه علماء في مؤتمر علمي عقد في تل أبيب الشهر الماضي.

وبحسب صحيفة “هآرتس” العبرية  فإن العلماء الذين أعدوا البحث عن مفاعل ديمونا كتبوا ان الخشية من حالة المفاعل واضحة، وان بوتقة المفاعل النووي مصنوعة من المعدن المغلف بطبقة من الخرسانة، وتوضع بداخلها قضبان الوقود النووي، وفيها يحدث الإشعاع. وقد حصلت إسرائيل على مفاعل ديمونا من فرنسا في نهاية الخمسينات، وبدأ الخدمة الفعلية في العام 1963. وبوتقة المفاعل تتحمل درجة حرارة هائلة وطاقة إشعاع كبيرة تؤدي مع الوقت إلى تآكلها، لذلك فإن مفاعلات من هذا النوع معدة للخدمة 40 عاماً خشية ألا تتحمل أعباء العمل الشاق.

ويقول الأستاذ المشارك في الفيزياء النووية الإشعاعية في جامعة الخليل الدكتور خليل ذيابنة، الذي أجرى دراسات على مدار سنوات عديدة باستخدام أجهزة متطورة، لقياس تركيز العناصر والمواد النووية والمشعة في بيئة الضفة الغربية (المياه والصخور والتربة والنباتات)، ان هناك ارتفاعا ملحوظا في تركيز “النويدات المشعة” (تعني النظائر المشعة أي العناصر النووية)، في عينات التربة والماء والنباتات في محافظة الخليل، وجاءت تلك التراكيز أعلى بكثير من المتوسط العالمي المسموح به.

ويكشف ذيابنة في دراساته المنشورة، أن العنصر المشع الأكثر انتشاراً في جنوب الضفة الغربية هو عنصر السيزيوم 137 المشع، الذي يفترض أن يكون معدل وجوده صفراً، وان هذا العنصر مشع، غير موجود في الطبيعة، وينتج عن المفاعلات النووية، وعندما تعثر على نسب مرتفعة، إما أن يكون المصدر تجارب نووية، أو من تسرب إشعاعي نووي، أو تفجيرات الأسلحة النووية”.

ويستطرد موضحاً “تم العثور على نسب أعلى مما لدينا فقط في الضفة الغربية، بعد انفجار مفاعل تشيرنوبل عام 1986 في أوكرانيا، وفي فوكوشيما في اليابان عام 2012، هاتان الدولتان سجل فيهما أعلى النسب عالميا، بسبب وقوع كوارث نووية فيهما، وهو ما يعني أن جنوب الضفة يحتوي على أعلى تركيز لعنصر السيزيوم، إذا استثنيا الدول التي تعرضت لكوارث نووية”.

وأظهرت الدراسة ارتفاع التركيز أعلى من المعدل العالمي، في الخليل، ويبلغ متوسط تركيز اليورانيوم 238 في محافظة الخليل 134 – 18 بيكريل/كغم في حين أن المتوسط العالمي 20 ، وتوضح الأرقام السابقة أن تركيز عناصر اليورانيوم والراديوم والسيزيوم في جنوب الضفة الغربية، أعلى بكثير من المتوسط العالمي المسموح به، وكذلك من التركيز الموجود في العديد من دول العالم.

يكشف ذيابنة أن الخطر الأعظم في عنصر السيزيوم المشع، هو تسببه في مرض السرطان واختلال وظائف خلايا الجسم، بعد أن تصل إشعاعاته إلى داخل الجسم من خلال تناول اللحوم والحليب والفواكه.

أما العناصر المشعة الأخرى مثل اليورانيوم والراديوم فإنها تسبب مخاطر كبرى خصوصا للأطفال والأجنة والأمهات وتؤدي إلى الإصابة بأمراض السرطان وتؤثر على الجهاز التناسلي مسببة العقم للرجال والنساء وتلف الكروموسومات التي تحمل الخصائص الوراثية، مما يتسبب بحدوث تشوهات جينية في الأجيال اللاحقة، كما يتسبب بالإجهاض المتكرر للأمهات.

وفي تقرير لوزارة الصحة الفلسطينية الصادر منتصف عام 2013 حول توزيع حالات الإصابة بمرض السرطان، الذي أظهر أن أعلى نسبة إصابة بالسرطان سجلت في جنوب الضفة الغربية في محافظة الخليل، وأن تلك النسبة بلغت 25% من إجمالي الإصابة بالسرطان في الضفة الغربية.

وفقا للدراسة التي أجراها الدكتور ذيابنة، فقد بلغ تركيز عنصر السيزيوم المشع في بلدة يطا التي تبعد 11 كم عن المفاعل، أكثر من 36 بيكريل/كغم وهو من أعلى النسب في العالم، الأمر الذي دفع الباحثين إلى التركيز على منطقة يطا، إذ بينت وثائق لجنة الأطباء الدوليين للحماية من الحرب النووية أن سكان المنطقة عرضة للأمراض التي يسببها الإشعاع النووي كالإجهاض المتكرر والعاهات الخلقية وأمراض السرطان المختلفة.

وأحصت لجنة الأطباء الدوليين عام 2007 وجود 280 إصابة بالمرض في يطا التي كان يبلغ عدد سكانها آنذاك 50 ألف نسمة تقريباً. ووفقا لنفس الدراسة فإن بلدة الظاهرية التي تبعد عن المفاعل نحو 17 كم، سجلت فيها 200 حالة إصابة بمرض السرطان أغلبها وسط الشباب، (بلغ عدد سكانها لحظة إجراء الدارسة 35 ألف نسمة وهو ما يؤشر إلى كبر عدد حالات الإصابة)، كما شخصت في البلدة حالة سرطان قلب، مع العلم أنه بين كل مائة مليون شخص يصاب بهذا النوع من المرض خمسة أشخاص فوق سن 50 عاماً، لكن الحالة التي وجدت هي لطفل صغير، وتم أيضا تشخيص عدة حالات سرطان في قعر الجمجمة أصابت أطفالا وهي أنواع سرطان نادرة جداً.

وترفض إسرائيل نشر أي معطيات حول نسبة الإصابة بمرض السرطان، في التجمعات السكنية الإسرائيلية في محيط المفاعل، يسكن المنطقة أغلبية من اليهود الذين جلبوا من الدول العربية، خصوصا من المغرب والعراق ودول الاتحاد السوفييتي، يعمل عدد كبير منهم عمال نظافة داخل المفاعل، هؤلاء سجل في صفوفهم عدد كبير من الوفيات بمرض السرطان.

ووفقا لسلطة جودة البيئة الفلسطينية، فأن الاحتلال يمنع مفتشي سلطة جودة البيئة من الوصول إلى الأماكن التي يبلغ الأهالي عن دفن إسرائيل النفايات فيها، ولفتت إلى أن إسرائيل تحول دون إدخال أجهزة لفحص التلوث الإشعاعي، بالإضافة إلى منعها دخول خبراء البيئة الدوليين والأمميين من دخول الأراضي الفلسطينية.

(محمد عبد الكريم)

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!