غورنيكا… مدينة أحيت ذاكرتها لوحة


 

حين قرّرت الطّائرات النّازيّة الألمانيّة والإيطاليّة قصف مدينة جورنيكا عاصمة إقليم الباسك الإسباني في 26 نيسان 1937 بعد أن استدعاها الزّعيم فارنسيسكو فرانكو لمساعدته في قصف المدينة أثناء الحرب الأهلية التي بدأت في إسبانيا عام 1937 بين الجمهوريين والقوميين، ألقت فوقها خمسين طنّاً من القنابل الحارقة لثلاث ساعات متواصلة كانت كفيلة بتدمير أكثر من 70 بالمائة من المدينة. وحينها سقط 1654 قتيلًا و800 جريح من أصل 7000 شخص من سكّان المدينة، في وقت كانت فيه الشّوارع والأسواق تعجّ بالنّاس، تاركة وراءها المدينة ركاماّ وبقايا من ذكريات أناس كانوا يعيشون فيها.

أثارت هذه الحادثة مشاعر الفنان بابلو بيكاسو الذي اتّخذ موقفه المعارض لحكم اليمين الإسباني فرانسيسكو فرانكو منذ بداية الحرب الأهليّة، فكان متعاطفَا مع الاشتراكيّين ومؤيّداً للجمهوريّة. ولم يكن يخفي كرهه وازدراءه للزّعيم فرانكو، فقام بعمل لوحة جسّدت ذكرى “جورنيكا” حاول من خلالها ترسيخ تلك الحادثة من خلال إعطاء انطباع من الفوضى في اللّوحة التي يسودها مشهد مأساوي ساعد على التّشديد على فكرة الموت. في “جورنيكا”. غابت الطّائرات النازية وبقيت الوجوه واجمةً وكأنّها تعيش كابوساً مرعباً يعتصرها معاناةً وألمًا.

واستخدم بيكاسو في لوحته رموزاً عديدة؛ منها الحصان الذي يرمز إلى التّضحية بالشّعب، والطّفل الميت بين يدي أمّه، وهو مشهد يذكّر بصورة “مريم العذراء” التي تحتضن “المسيح” في تمثال الرّحمة للفنّان الشهير مايكل أنجلو، والثور الذي يعبر عن العنف، كما يظهر بوضوح المصباح رمز الأمل الذي تتعلّق به الوجوه الخائفة.

كما استعمل بيكاسو الخصائص الأساسيّة للفنّ التّكعيبيّ برسمه للوجوه بشكل أماميّ وجانبيّ في الوقت ذاته، متعمدًا تضخيم فكرة الفوضى والتّأكيد على مشهد ثنائيّ الأبعاد للوجه متجنّباً كلّ ما يعطي إحساساً بعمق الفراغ من خلال استخدام أسلوب التّصوير الزّيتيّ. ويطغى على اللّوحة مزيج من الأزرق الدّاكن والأسود والأبيض، ويبلغ طولها 3.5 وعرضها 7.8 متراً، متفادياً استخدام أيً من الألوان القويّة.
“جورنيكا” عمل فنّي يعرّي المجزرة التي وقعت للأبرياء على أيدي النازيّين، مسكونة بالرّعب الذي أراد بيكاسو أن يظهره جليّاً في لوحته، إذ يشكّل كلّ خطّ أو ضربة فرشاة في اللّوحة علامة على المأساة والرّعب المجسّد الّذي يعانيه النّاس، والذي أفقدهم كلّ أمل. أصبحت “جورنيكا” معلماً أثريّاً تذكّر دائماً بمآسي الحروب، وباتت رمزًا مضادّاً للحرب، وتجسيداً للسّلام. وهي تعرض اليوم في متحف مركز الملكة صوفيا الوطنيّ للفنون في إسبانيا.

بعد الانتهاء من رسمها، طافت اللوحة العالم في جولة موجزة لتصبح من اللّوحات الأكثر شهرة. كما أنّ جولتها تلك أسهمت في لفت أنظار العالم للحرب الأهليّة الإسبانيّة، وأثبتت اللّوحة أنّ الفنّ يخلّد التاريخ على مرّ الأزمان ، وبذلك يتعدّى الفكر السّائد والذي يرى أنّ الفنّ لمجرّد الفنّ فقط. أما بيكاسو، فقد رفض تفسير لوحته بدلالة رموزها وقال: “من حقّ أيّ مشاهد تفسير رموزها كما يشاء”.

 

 

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!