الأجمل في العالم… مترو موسكو تحفة فنية نادرة


فادي نصار

تثير دهشتك الجداريات والروائع الفنية الساحرة المنتشرة على جدران المحطات والتي تتبدل بشكل مستمر بين محطة وأخرى، ما يجعلك ترغب في البقاء طوال النهار متنقلا بين محطة وأخرى للاستمتاع بسحر هذه التحف، والى جانب التحف ذات الصبغة البرجوازية، تعد محطاته ملاذا للفقراء والمشردين الذين يحتمون به من برد موسكو القارس وثلجها المتساقط طيلة فصل الشتاء، كما انه رمز للمساواة بين جميع ابناء الشعب خصوصا في الحقبة السوفياتية، حيث كان يستخدمه الجميع من العمال والموظفين وكبار المسؤولين ونجوم الفن والرياضة والمجتمع، إنه “مترو موسكو” بفخماته.

 

تحفة سوفياتية فريدة

يقول الكاتب الروسي ليف شيستاكوف: “إن ستالين عندما قرر بناء المترو كان يريد له أن يكون ملاذا لسكان العاصمة أثناء الحرب، وعندما ظهر السلاح النووي في الحرب العالمية الثانية طلب ستالين من القائمين على بناء المترو وأن يجعلوا منه ملاذا آمنا ضد الحرب النووية، ولهذا تقرر أن يهبطوا به في قاع الأرض ليصل إلى ستة طبقات، وأن يتسع لكل سكان العاصمة وأن تكون في كل حي محطة لها أكثر من مدخل”.

يعود تاريخ مترو الانفاق في روسيا الذي يعجز اللسان عن وصف مدى روعته، الى عام 1935، عندما تم افتتاح اول خط له بطول 11.6 كيلومتراً على امتداد 12 محطة. وقد بدأت حركة القطارات فيه بين المحطتين النهائيتين آنذاك “سوكولنيكي” و”بارك كولتوري”، وكذلك في خط فرعي صغير نحو ساحة “سمولينسكايا”.

ويعتبر أعجوبة تقنية ومعمارية فريدة من نوعها، تعود الى الحقبة السوفياتية، وتحتفظ برموز تمجد الإمبراطورية السوفياتية، إذ ما تزال شعاراتها الأيديولوجية وبريق مجدها شاخصة على جدرانه حتى يومنا هذا، يقرأها ملايين البشر الذين يستخدمون المترو يوميا في تنقلاتهم. اضافة الى ان الادارة المركزية للمترو قامت مؤخراً بافتتاح مكتبة إلكترونية افتراضية، تتيح فرصة الاطلاع على أهم أعمال عمالقة الأدب الروسي ليف تولستوي، بوشكين، غوركي وتشيخوف.

 

بوابة موسكو

بالاضافة الى  أن مترو موسكو صنّف الأجمل في العالم، فهو احد اهم معالم مدينة موسكو الساحرة، كونه ليس فقط بناء معماريا عملاقا، بل وتحفة فنية نادرة شارك في تشييدها العشرات من أعظم الرسامين والنحاتين والحرفيين السوفيات، الذين حولوا كل محطة إلى متحف مستقل يضم أروع اللوحات والتماثيل الضخمة (تمثل بغالبيتها عمال المناجم دلالة على المساواة في النظام الشيوعي)، والثريات الفاخرة والجدران والأعمدة المرصعة بالأحجار الكريمة النادرة والمرمر والرخام النادر، ومن هنا ينبع تفرد طرازه المعماري، وعالمه الفني.

محطة “كومسومولسكايا” وصفها مشيّدوها بالمحطة الأكثر فخامة، وهي على الخط الدائري، وكانت هذه المحطة تعد بوابة موسكو، لذلك تم الحرص على إذهال الزوار الواصلين إلى موسكو عبرها، بعظمة العاصمة السوفياتية وقوتها. فلم يُدخر مال أو جهد لتحقيق هذا الهدف: بنيت المحطة لتمجيد النمط الامبراطوري الستاليني وتعظيمه عبر العمارة، حتى إن قطر النفق المركزي بلغ 11.5 متراً، متجاوزاً القطر القياسي الذي يبلغ عادة مترين. سقف المحطة هو الأعلى في أنفاق مترو العاصمة، والمحطة مزينة بثماني لوحات فسيفسائية مصنوعة من الزجاج الأزرق والأحجار الكريمة.

 

أحدث انظمة المراقبة والانذار

يعد مترو الانفاق في موسكو احد اعظم منجزات النظام الاشتراكي السوفياتي التي تنبض بالحياة، تنتشر قاطراته على امتداد محطاته المئتين ولمسافة تقارب الالف كيلومتر، موزعة في 12 خط تتفرع في كل موسكو، على عمق أكثر من 60 مترا تحت سطح الأرض. وهو ثاني اضخم خطوط نقل سريعة مستخدمة في العالم، بعد مترو الانفاق في طوكيو، حيث تقل مقطوراته بشكل يومي وعلى مدار الاسبوع ما يقارب السبعة ملايين مسافر، كما أن محطاته مزودة بأحدث انظمة المراقبة والانذار، إضافة الى فرق أمن خاصة يصل عدد أفرادها إلى أكثر من عشرة آلاف، ومعها كلاب بوليسية وأحدث أجهزة كشف المتفجرات، وأكثر من ستة آلاف كاميرا تلفزيونية موزعة في كافة محطات المترو.

كانت تكلفة الرحلة في ايام الاتحاد السوفياتي السابق للشخص الواحد خمسة كوبيك (1/20 من الروبل السوفياتي). وبدأ ثمن التذكرة يزداد بشكل مستمر منذ عام 1991، الى ان وصل الى 26 روبل للرحلة.

على الرغم من أن البعض طرح مشروعا لخصخصة مترو موسكو في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، إلا أن البرلمان الروسي رفض المشروع تماما، معتبرا المترو ليس فقط وسيلة مواصلات بل هو أحد المعالم السياحية الوطنية الكبرى في روسيا كلها، وما تزال مؤسسة المترو التي تنمو وتتطور مملوكة للدولة الروسية (قطاع عام). اضافة الى ان الحكومة ما تزال توليه أكبر اهتمام، وتنفق عليه سنويا ما يزيد على40 مليون دولار نفقات أمن وصيانة وبناء محطات جديدة.

 

صعب ان يتكرر

في ايامنا هذه، يجد الخبراء الفنيون والمهندسون المعماريون في العالم صعوبة في تشييد مترو مماثل لمترو موسكو، ليس بسبب التكلفة المادية التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات فحسب، وإنما بسبب الإمكانات الفنية، حيث يصل عمقه في بعض المحطات إلى ستة طبقات في باطن الأرض، إضافة الى أن إقامة مشروع بهذه المواصفات يحتاج إلى مساحات واسعة خالية من المباني والشوارع، وهذا أمر ربما يستحيل تنفيذه في الوقت الحاضر في المدن المكتظة بالمباني.

 

Author: Firas M

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!