ليبيا : طبيعة المشهد وسُؤال المآلات


مقدمة:

ليبيا بلد عربي مسلم مساحته 1800000كم مربع يحده شمالا البحر الأبيض المتوسط وغربا تونس والجزائر وجنوبا النيجر وتشاد وشرقا مصر والسودان. عدد سكانه 6 ملايين ونصف المليون نسمة حسب آخر تعداد. وهو بلد غني بثرواته الطبيعية ويعتمد في مدخوله على تصدير النفط الخام. عرفت ليبيا استعمارا ايطاليا غاشما لم يساهم في تطوير البلد لا على المستوى الثقافي المعرفي ولا على مستوى البنية التحتية والاقتصاد. استقلت ليبيا سنة 1951 . وقاد البلاد الملك إدريس السنوسي الذي وحد أقاليمها الثلاثة(برقة وفزان وطرابلس)  وحكمها من سنة 1951 الى سنة 1969 تاريخ الإنقلاب الذي قاده معمر القذافي. حكم القذافي البلاد حكما فرديا مطلقا طيلة  42 سنة. ولم تعرف مؤشّرات التنمية في هذه الحقبة تقدما. فالبنية التحتية بقيت متخلفة والإقتصاد يعتمد بشكل يكاد يكون مطلقا على مداخيل النفط  وهو ما جعله اقتصادا ريعيا بامتياز في ظل تدني النمو الصناعي.كما عرفت مناهج التعليم تهميشا غير مسبوق وهو ما انعكس على الحياة الثقافية والإجتماعية في البلاد. ولم يكتف النظام السياسي بذلك بل خنق الحياة السياسية وجرّم التنظّم الحزبي وهمّش النخب الفكرية والثقافية مما انجر عنه تصحّرا في الواقع السياسي والثقافي في البلاد.  وفي سنة 2011انطلقت شرارة الثورة في ليبيا رغم أن البلاد لم تكن مرشحة لذلك بالنظر لحالة الرفاهية الاقتصادية النسبية للمواطن الليبي مقارنة بنظيره التُّونسي  والمصري.

الثورة الليبية والمسار الانتقالي :

حالة الإحساس بالغبن وبالتخلّف الذي تعرفه البلاد رغم ثرواتها الضخمة هو ما جعل المواطن في ليبيا يثور على واقعه وينحاز لبلاده التي حولها القذافي إلى مزرعة له ولأبنائه ومقربيه.إنها ثورة  الحرية و الكرامة فعلا وليس ثورة جياع. وما ميّز الثورة الليبية عن بقية الثورات العربية أنها ثورة مسلحة امتدت لسبعة أشهر تم خلالها إنهاء حكم معمر القذافي. وكانتفي بدايتها مرشحة لأن تكون من أنجح الثورات بالنظر لمقدرات ليبيا الاقتصادية والتي بإمكانها أن تجعل المواطن الليبي في درجة متقدمة جدّا من حيث الرفاهية الاقتصادية ولكن الظاهر أن الثروة النفطية الليبيّة كانت لعنة على الليبييّن.

إذ مباشرة بعد إعلان نهاية نظام القذافي  حكم المجلس الوطني الإنتقالي البلاد ( المجلس الذي قاد الثورة) وكان رئيس الحكومة هو السيد المهندس عبد الرحيم الكيب. وعرفت البلاد في فترة هذه الحكومة حالة من التضامن الشعبي غير مسبوقة والتفاف حول الحكومة التي احترمت الإعلان الدستوري وسيّرت البلاد بشكل سلس وناجح رغم انتشار السلاح في كامل البلاد . ويمكن القول أن حكومة السيد الكيب هي أنجح حكومة بعد الثورة إذ أنهت عهدتها بتنظيم انتخابات تشريعية(انتخاب المؤتمر الوطني العام) للتحول من الوضع الإنتقالي إلى الوضع الدستوري والمؤسساتي الدائم. واليوم تعيش البلاد وضعا خطيرا يهدد كيان الدولة . فما الذي أوصل البلاد إلى هذه الحال؟وما هي مفردات المشهد اليوم؟وما المستقبل المنتظر لهذا البلد ؟ هذه اسئلة تستوجب الإجابة عنها إلماما بعدة مسائل في ليبيا لا يمكن الإتيان عليها جميعا نظرا لتشعب المشهد وتعقده.  ليبيا بلد غني بثروته البترولية، يحتل موقعا استراتيجيا على الضفة الجنوبية للمتوسط ويمتد بحدوده إلى الصحراء الكبرى والعمق الإفريقي. ولذلك لا يمكن أن يبقى هذا البلد خارج الإهتمام الدولي.

وهذا تجلى من بداية الثورة عندما تدخل حلف الشمال الأطلسي وساند الثورة وساعد على إسقاط نظام القذافي طمعا في نظام جديد يقطع مع سياسة العقيد التي اتسمت لعقود بغياب الوضوح خصوصا تجاه أمريكا واأوروبا . ولذلك لم يجد القذافي مساندة من هذه الدول في بداية الثورة بل على العكس ساندت الثوار سعيا منها لتكريس واقع سياسي جديد في ليبيا يضمن لها مستقبلا مصالحها الإستراتيجية في هذا البلد المهم. هذا الإهتمام الدولي سيتجلى تدخلا في الملف الليبي كما سيتوضّح لاحقا عند تعرضنا لأشكال وأطراف التدخل في الأزمة الليبية. وبالعودة الى البدايات . بدايات العهد الجديد في ليبيا تضامن الشعب وتلاحم مع القيادة ومرّت سنة 2011والنصف الأول من سنة 2012 بشكل يوحي وأن الثورة ماضية في طريق النجاح وأنها من انجح الثورات العربية باعتبار قطعها مع كل ممارسات ومكونات العهد السابق لها.

إلا أنه بعد إجراء انتخابات المؤتمر الوطني العام في  جويلية 2012 وانتخاب أول حكومة للمؤتمر الوطني العام، بدأت الخلافات السياسية تدبّ بين مختلف الكتل والمكونات السياسية في المؤتمر(كتلة تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جيريل وهو تحالف لأكثر من أربعين حزبا وجمعية تجمعها قيم الليبيرالية وكتلة حزب العدالة والبناء القريب من تنظيم الإخوان المسلمين وكتلة الجبهة الوطنية وكتلة الوفاء للثورة). وانعكس ذلك على أداء حكومة السيد علي زيدان المحسوب على تحالف القوى الوطنية الذي يقوده محمود جبريل رئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الإنتقالي. وبدأت الروح الجهوية والقبلية والحزبية تسيطر على المشهد العام في البلاد. وتجلّى ذلك واضحا في تشكيل وزير الدفاع في حكومة زيدان السيد أسامة الجويلي(من قادة ثوار الزنتان)  للواءي ” القعقاع والصواعق” وسمّاهما “قوات حرس الحدود” لكنهما استقرا في مدينة طرابلس والتي كان فيها ثوار من كل المدن الليبية وخصوصا من مدينة مصراته القوة العسكرية الضاربة وروح الثورة وحاميتها والعناصر المنتمية للواءي القعقاع والصواعق، أغلبهم من مدينة الزنتان وهي مدينة وزير الدفاع أسامة الجويلي. ومع ضعف الحكومة الشّديد بدأت سطوة الكتائب العسكرية تبرز في العاصمة طرابلس وكثرت التجاوزات من هاتين الكتيبتين وبدأ المواطن يتذمر ويشعر بغياب الدولة أمام سطوة الكتائب العسكرية التي لا تستطيع الحكومة ردعها.

ووقعت أحداث “غرغور” الشهيرة في مدينة طرابلس في نوفمبر 2013 وهي عبارة عن مظاهرات تطالب بخروج الكتائب من طرابلس والعودة إلى مناطقها. وسقط في هذه المظاهرة حوالي   40 قتيلا بين مدني وعسكري. وغادرت كتائب مصراته مدينة طرابلس بعد هذه الأحداث وبقيت قوّات الزنتان المتمثلة في لواءي “القعقاع والصواعق” وازدادت تجاوزاتها. في هذه الأثناء كانت الخلافات السياسية على أشدها بين كتلة تحالف القوى الوطنية وبين كتلة حزب العدالة والبناء القريب من الإخوان المسلمين.وانعكس هذا الخلاف على الشارع وعلى القوى المسلحة في البلاد دون حصول تصادم أو قتال. وهو ما جعل تحالف القوى الوطنية وشقه في الحكومة يعمل على تقوية وتثبيت لواءي “القعقاع والصواعق” في مدينة طرابلس علما وأن لواء القعقاع يقوده عثمان مليقطه شقيق عبد المجيد مليقطه الرجل الثاني في تحالف القوى الوطنية وهو من مدينة الزنتان وتم منح أرقام عسكرية لعناصر اللواءين ليكتسبا الصفة الرسمية. وفي الآن نفسه كانت أغلب كتائب الثوار ومن مختلف المدن قريبة من التيار الإسلامي أو يغلب عليها السّمت الإسلامي ومنضوية تحت رئاسة الأركان العامة التي يشرف عليها مباشرة وكيل وزارة الدفاع ا

لسيد خالد الشريف المحسوب على التيار الإسلامي، وولاؤها المطلق لثورة فبراير ومبادئها المتمثلة أساسا في القطع مع العهد السابق ممارسة وشخوصا وبناء ليبيا جديدة تقودها دولة القانون والمؤسسات.

وفي ظل هذه الخلافات التي استحكمت بين مكونات الثورة بدأت تبرز قوى جديدة على الساحة وهي أساسا قوى محسوبة على النظام القديم. كما بدأت قوى ما يسمى بالتيار المدني والمشكل أساسا من القوى المكونة لتحالف القوى الوطنية في استمالة بعض العناصر العسكرية التي قاتلت مع العقيد القذافي في اللّواء  3 مدرّع  الذي كان يقوده خَميس القذافي نجل العقيد معمر القذافي. وانضمت هذه العناصر للواءي القعقاع والصواعق في مواجهة القوى المحسوبة على خط فبراير تحسبا لمواجهة عسكرية قادمة وإعدادا لأمر سيتجلى بعد ذلك.  وكان الحدث الكبير الذي غيّر كثيرا من المعادلات في ليبيا هو الإنقلاب الذي حدث في مصر.إذ لم يمر سوى بضعة أشهر على هذا الحدث حتى أعلن خليفة حفتر عن انقلاب أبيض في تلفزيون ” العربية”في فيفري 2014 معلنا عن إسقاط الحكومة والمؤتمر الوطني العام. ولكنه كان انقلابا ابيض،

إذ صدرت في حقه برقية تفتيش من رئيس الحكومة السيد علي زيدان، وتوعّده وزير الدفاع الجديد السيد عبد الله الثني (خليفة اسامة الجويلي في الوزارة) ثم اختفى حفتر من المشهد . وبعد أيام قليلة(مارس 2014) استقال السيد علي زيدان من رئاسة الحكومة إثر فضيحة الباخرة التي غادرت ميناء البريقة محملة بالنفط دون إذن الحكومة والمؤسسة الوطنية للنفط. وغادر البلاد تحت حماية قوات الزّنتان المسيطرة على مطار طرابلس ليتولى بعده عبد الله الثني رئاسة الحكومة . ثم استقال بدوره بالنظر لحالة التجاذب السياسي الحاد في البلاد ليتم انتخاب أحمد امعيتيق ابن مدينة مصراته رئيسا للوزراء. في هذه الأثناء تم ضرب بيت عبد الله الثني في طرابلس بالآربيجي وطالبته قوات “القعقاع والصواعق” ومن ورائها تحالف القوى الوطنية بالعودة لرئاسة الحكومة ويقع الخلاف  على الطريقة التي تم بها انتخاب أحمد امعيتيق ويمر الأمر إلى المحكمة العليا التي تحكم بعدم شرعية انتخاب أحمد امعيتيق ويغادر رئاسة الحكومة ليعود لها عبد الله الثني .وفي هذه الأثناء تقع الانتخابات التشريعية التي يفوز فيها التيار المدني المحسوب على تحالف القوى الوطنية ويفوز أيضا التيار الفيديرالي في الشرق الذي يطالب بحقوق إقليم برقة وبالقيادة الذاتية للإقليم تحت السيادة الليبية. رغم أن الإنتخابات أجريت حسب النظام الفردي وليس بنظام القائمة الحزبية. وسمي هذا الجسم التشريعي الجديد ” مجلس النواب” .

وقبل إجراء جلسة الإستلام والتسلم مع المؤتمر الوطني العام يغادر البرلمان الجديد إلى مدنة طبرق ويزاول عمله من هناك في انتهاك للإعلان الدستوري . ورفعت قضية في طرابلس ضد شرعية انتصاب البرلمان في طبرق وتحكم المحكمة العليا بحل البرلمان لخلل قانوني في عملية الإنتخاب. وحكم المحكمة العليا بات ونهائي وهو ما اعتبرته قوى الثورة انتصارا كبيرا لها .؟ ولكن البرلمان لم يخضع لقرار المحكمة واعتبره قرارا مُسيّسا وقع تحت قوة السّلاح. في هذه الأثناء تكتشف غرفة ثوار ليبيا خطة متكاملة أعدها  تحالف القوى الوطنية وقوات الزنتان للسيطرة على مدينة طرابلس وعلى المعسكرات التابعة لثوار فبراير.

هذه الخطة كما جاء في تفاصيلها مدعومة بشكل قوي من دولتي مصر والإمارات العربية المتحدة. وانطلقت عملية فجر ليبيا التي قادتها غرفة ثوار ليبيا ضد قوات “القعقاع والصواعق” ، وتم إخراجهم من مدينة طرابلس. ويعود المؤتمر الوطني للإنعقاد تلافيا للفراغ الدستوري ثم تشكل حكومة الإنقاذ الوطني التي ترأسها  عمر الحاسي ابن مدينة بنغازي والمحسوب على ثوار فبراير.وكانت حكومة  عبد الله الثني قد غادرت طرابلس واستقرت في مدينة البيضاء في الشرق الليبي لتصبح ليبيا منذ النصف الثاني من سنة 2014بلدا بحكومتين وبرلمانين وقوتين عسكريتين ؟. وتسيطر حكومة الإنقاذ الوطني في طرابلس على أكثر من 80 بالمائة من الأراضي الليبية وعلى أغلب المقدّرات الاقتصادية للبلاد وتحت إمرتها أكثر من 5ملايين ليبي أغلبهم يقطنون المنطقة الغربية وتعمل تحت إمرتها قوة عسكرية ضاربة .

في هذه الأثناء يعلن خليفة حفتر عن عملية الكرامة في بنغازي(ماي 2014) بعد أن تم الإعتراف به من قبل الحكومة القائمة في الشرق و من البرلمان المعترف به دوليا مدعوما بشكل علني وغير مخفي من مصر والإمارات العربية المتحدة . ومن المفارقات  أن الوزير الذي يصدر فيه برقية تفتيش في طرابلس هو عبد الله الثني الذي يعترف به ويدعمه في الشرق.

ومن نتائج عملية الكرامة في بنغازي بعد أكثر من سنة ونصف على انطلاقتها تدمير مدينة بنغازي وتدمير النسيج الإجتماعي فيها وموت أكثر من 9 آلاف مقاتل أغلبهم من أنصار حفتر حسب إحصائيات مستشفيات المدينة .إن الغاية من عملية الكرامة هو السيطرة على مدينة بنغازي عاصمة إقليم برقة، ثم التوجه نحو الغرب حتى العاصمة طرابلس .ولكن النتيجة اليوم أن حفتر  لم يستطع السيطرة على المدينة وعملية الكرامة تعرف مشاكل كبيرة داخلها وحفتر بدأ يفقد ثقة أنصاره في الداخل وثقة من دعمه من الخارج رغم الإصرار من مصر إلى حد اليوم على أن يكون حفتر عضوا في الحكومة الوفاق الوطني مكلفا بوزارة الدفاع.

 

إنه ليس من السهل أن تقنع شعبا قام بثورة دفع فيها آلاف الشهداء بحل غير متوازن مهما امتلكت من أدوات القوة . وما سلط على الثورة الليبية من مؤامرات طيلة السنوات الفارطة لم يفل في عضدها والإحتفالات الأخيرة بذكرى الثورة خير دليل . فهل من متعظ؟ إن الحل في ليبيا يجب أن يكون حلا سياسيا فهو أفضل من أي حلّ عسكري .وهذا ما يجب أن يدركه الليبيون ولكن على أية ارضية وبأي سبيل . إن التنازل من أجل الوطن هو رفعة وسمو. ولكن التنازل لا يجب أن يكون على حساب قيم الثورة . وهنا يكمن الخلاف.

المهدي ثابت

(نص من مقالة مطولة)

 

 

 

 

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!