استفحال أزمة خدمات الأنروا للّاجئين الفلسطينييّن


تصاعدت الاحتجاجات في مخيّمات اللّاجئين الفلسطينيّين في لبنان خلال مطلع عام 2016 احتجاجاً على تقليص وكالة غوث وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين (الأنروا) لخدماتها الصحّية، حيث عمد المحتجّون إلى إقفال مكاتب الأنروا في المخيّمات، كما تشكّلت في كانون الثاني(يناير) الماضي لجنة لمتابعة ملفّ الأنروا من القيادة الوطنيّة والإسلاميّة، وذلك لتقييم برامج التحرّكات الاحتجاجيّة من جهة، والاتّفاق على خطّة متابعة للاحتجاجات من جهة ثانية، حيث اتُّفق على إغلاق مكاتب مدراء المخيّمات وإغلاق المكتب الرئيسي لبضع ساعات، وكذلك زيارة مخيّم نهر البارد والقيام باعتصام هناك عنوانه المطالبة بإعمار المخيّم وقضيّة الاستشفاء.

جاءت هذه التحرّكات التصعيدية بعد إقدام الشاب الفلسطيني عمر خضير على إحراق نفسه مطلع شهر كانون ثاني (يناير) في مخيّم “البرج الشمالي” لعدم تمكّنه من دفع تكاليف الاستشفاء بعد توقّف الأنروا عن دفعها، فضلاً عن وفاة امرأتَين من المخيّم نفسه بعد رفض المستشفيات الخاصّة في مدينة صور استقبالهما لعدم توفّر تغطية لعلاجهما.

ومن المعلوم أنّ الأنروا هي المنظّمة الوحيدة التي أسّستها الأمم المتّحدة، من دون أن تفرد لها باباً في موازنتها، بل حضّت، ولا تزال، الدول والهيئات الحكومية وشبه الحكومية على التبرّع لها لاستمرار أنشطتها.  ومن المدهش أنّ الأنروا استمرّت في تقديم خدماتها للّاجئين طوال ما يزيد على 67 عاماً، اعتماداً على التبرّعات الطوعيّة. وبالنسبة إلى العجز المالي، فإنّ المفوّض العام للأنروا قال في مؤتمر صحافيّ عقده في مقرّ الأمم المتّحدة في نيويورك مطلع شهر تموز(يوليو) 2015: ” نحن نواجه تحدّيات غير مسبوقة وأزمة مالية خطيرة لم نمرّ بها من قبل، وبصدد عجز مالي حادّ سيؤثّر على الخدمات الأساسية التي نقدّمها للفلسطينيّين، ونعاني نقصاً مالياً في العام الحالي يصل إلى نحو 107,6 مليون دولار، وهو ما يمكن أن يؤدّي إلى وقف الخدمات خلال 3 أشهر من الآن”.

شكّلت هذه التصريحات صدمة لمجتمعات اللّاجئين في المواقع والمناطق كافّة، وأدّت إلى سلسلة من التحرّكات الرافضة لتقليص الخدمات وخطورتها على اللّاجئين. وأشارت الأنروا بعد ذلك إلى توفّر ما يربو على 81 مليون دولار من العديد من الدول العربيّة والأوروبيّة والولايات المتّحدة، لتغطية جزء من العجز، كما إلى اتّباع سياسة المواءمة مع نقص التمويل عبر سلسلة من الترتيبات الداخلية تتناول آليات التعليم، ومن ضمنها زيادة أعداد التلاميذ في الصفوف المدرسية، وعدم توظيف موظّفين جدد وغيرها من الإجراءات. غير أنّ اللّاجئين الفلسطينيّين في لبنان، وهُم أكثر الفئات خوفاً من وضعيّة تخفيض خدمات الأنروا، لأنّهم بخلاف اللّاجئين في سوريا والأردن، يعيشون أوضاعاً قاسية تتمثّل في عدم منحهم بعض حقوقهم المدنية الأساسية كالحقّ في العمل في العديد من المهن الحرّة، والحقّ في التملّك والرعاية الصحّية إلخ… عدا عن الأوضاع الأمنية الملتبِسة في أكبر المخيّمات في لبنان وهو مخيّم عين الحلوة، فضلاً عن التداعيات السلبية لحالة اللجوء من سوريا، والتي أسهمت في مزاحمة الفلسطينيّين على العمل في العديد من المجالات التي لا تحتاج لأذونات عمل.

وهكذا فإنّ تلويح الأنروا بتخفيض خدماتها الصحّية في الإعلان الصادر عنها بتاريخ 14 كانون الأول ( ديسمبر) 2015، أدّى إلى زيادة تخوّفات اللّاجئين في لبنان من مصيرهم ومصير أبنائهم، وبخاصّة مع ما يتمّ تداوله عن العمل الدؤوب للكيان الصهيوني لإنهاء خدمات الأنروا تمهيداً لتصفية قضيّة اللّاجئين.  كما أنّ اللّاجئين في لبنان استغربوا كثيراً ما ورد في البيان حول استهداف اللّاجئين الذين يحملون الجنسية اللبنانية، واعتبارهم غير مشمولين بأيّ خدمة تتعلّق بالاستشفاء.

 

تراجع في توفير الأموال

ومن الأسباب التي أثارت تساؤلات حول سياسات الأنروا تجاه حرمان (اللبنانيّين) من الاستشفاء، لجوء الأنروا عام 2005 إلى إدخال فئة جديدة للاستفادة من خدماتها لم تكن سابقاً تستفيد منها، بل كانت لا تستحقّها بحسب معايير التسجيل السابقة لذاك التاريخ، حيث بدأت مكاتب الأنروا الميدانيّة بتقديم الخدمات لأفراد أسر النساء اللّاجئات المتزوجات من غير اللّاجئين، على اعتبار أنّ إرشادات التسجيل والاستحقاق الموحَّدة المنقَّحة ستَضْمن وصول المساعدات بشكل محايد، من ناحية الجنس، إلى الذكور والإناث. وجرى تكييف برنامج التسجيل وتوجيه الموظّفين لتطبيق هذه السياسة، ما أدّى إلى تسجيل أعدادٍ لا تُحصى من الأشخاص. ومن المعلوم أنّ تسجيل هذه الأعداد التي تصل إلى الآلاف، سيتمّ تحت ذريعة معايير المساواة بين الجنسَين المُطبَّقة في أنظمة الأمم المتّحدة ومعاهداتها ذات الصلة. وقد كانت اللجنة الاستشارية لتحديد السياسات في الأنروا (وهي لجنة تتألّف من مجموعة مختصّين أجانب) اقترحت ضرورة تسجيل أبناء الأمّ اللاجئة أسوة بالأب اللّاجئ، وعلَّلت توصيتها بضرورة توريث صفة اللّجوء لأبناء الأم اللّاجئة، بضرورة تطبيق معايير المساواة بين الجنسين، استناداً إلى توجّهات الأمم المتّحدة بهذا الخصوص. وقد استندت التوصية إلى التوجّهات والنداءات التي تسعى إلى المساواة بين الرجل والمرأة في الوطن العربي، من حيث الحقّ في منح الجنسية للأبناء أسوة بالآباء، وكأنّ وضعية المواطن تتساوى مع وضعية اللاجئ. وضمَّنت اللجنة توصياتها نقداً إلى القيِّمين على نظام التسجيل في السابق، متذرّعين بأنّ قواعد التسجيل تعود بالذاكرة إلى عصر كانت فيه عناصر متنوّعة من (قانون الأحوال الشخصية تحابي ذرّية الذكر)،  وهذا بحسب ما جاء في تقرير المفوّض العام لوكالة الأمم المتّحدة لإغاثة وتشغيل اللّاجئين الفلسطينيّين في الشرق الأدنى بتاريخ 1 تموز (يوليو) 2003-30 حزيران(يونيو)2004.

وتتوالى الأسئلة هنا، أهمّها كيف ستوفّر الأنروا أموالاً لمساعدة اللّاجئين المسجَّلين أصلاً، في الوقت الذي واجهت فيه الأنروا بعد قرارها، ولا زالت تواجه، تراجعاً في توفير أموال تغطّي برامجها الحيويّة؟ فبحسب الناطق بلسان الأنروا في الأردن وقتها صقر مطر بعد فترة وجيزة على تنفيذ القرار، فإنّ الأنروا وضعت إطاراً لاستراتيجيّة بعيدة المدى لمعالجة المسائل الضاغطة، ولكنّها اضطرّت لتخفيض مستوى برامجها بسبب محدودية التبرّعات. وأمّا في لبنان، حيث يعاني اللّاجئون من غياب حقوق مدنيّة واجتماعية، فإنّه من المستغرب أنّ الأنروا قامت باستدراج مزيد من الأفراد للتسجيل من أجل الخدمات باسم المساواة الجندريّة، في الوقت ذاته الذي تُظهر فيه الجمعية العمومية للأمم المتّحدة قلقاً بالغاً من وضع الوكالة الحسّاس!! حيث أشارت الجمعية العمومية في أحد تقاريرها عند بحث أوضاع الوكالة إلى اهتمامها العميق بالوضع المالي المتأزّم للوكالة وتأثيراته على تقديم خدماتها الضرورية للّاجئين الفلسطينيّين.

تمييع ملفّ اللّاجئين

إنّ الأنروا، التي ورد في تقرير مفوّضها العامّ الذي أشرنا إليه سابقاً أنّها ” تبحث الخيارات من أجل إشراك المعنيّين في هذه المسألة”، تعني بذلك، على الأغلب، الأطراف والدول المموِّلة للأنروا، واللّاعب الأساسي في تحديد سياساتها، وليس مجتمع اللّاجئين الذي لم تعمد إلى استشارته، بما يتعلّق بهذه الخطوة الانقلابية، على الرّغم من مرور أكثر من عشرة أعوام على طرح الموضوع داخل اجتماعات الدول المُضيفة من جهة،  ومرور 8 أعوام على إقرار تطبيقه من جهة أخرى. إنّه من المؤسف أنّ يتعاطى صانعو سياسة الأنروا مع مجتمع اللّاجئين انطلاقاً من عقلية غربيّة، لا تأخذ خصائص قضيّة اللّاجئين بعين الاعتبار. ولهذا  يعمد بعض هؤلاء إلى اتّهام منفّذي سياسات التسجيل الأوائل في الأنروا، في مراحل التأسيس، بأنّهم استندوا إلى معايير المجتمعات العربية (المتخلّفة)، في تجاهل المساواة في التسجيل بين المنحدرين من صلبَي الأب والأم؛ وهم في هذا يتجنّون على هؤلاء لأنّهم ليسوا صانعي السياسات، وهذا ما يعبّر عن نفسه في عدم وجود أيّ موظف فلسطيني أو عربي في الهيئات المقرِّرة لسياسات الأنروا منذ تأسيسها وحتّى الآن.

وحيث إنّ حقّ العودة يشكّل في نظر اللّاجئين ومجتمعهم جوهر الحلّ الديمقراطي، والإنساني، والسياسي الدائم لقضية اللّاجئين الفلسطينيّين، فإنّ هنالك تخوّفات جدّية من أن تقوم الأنروا بلعب دور الطرف ذي(الصدقيّة الدوليّة)، الذي يعمد إلى تمييع ملفّ اللّاجئين عبر تعويم سجلّات مئات آلاف الأشخاص الذين لا تنطبق عليهم معايير اللجوء أو صفة اللّاجئ. فالمراقبون للأحداث لا يخفون خشيتهم من البُعد السياسي لتسجيل نسبة كبيرة من المستفيدين من هذه الخدمات لا يمكن تصنفيهم كلاجئين أو مؤهّلين لتلقّي الخدمات كعشرات الآلاف من أبناء اللّاجئات وأزواجهنّ الذين سجّلوا في الضفّة الغربيّة، لأنّهم بقوا صامدين في أرضهم وليسوا بلاجئين، في الوقت الذي تعاني فيه الأنروا من نقص في تقديم الخدمات الأساسية للّاجئين، إضافة لكون الدولة التي ينتمون إليها لا تقدّم خدمات للّاجئين الفلسطينيّين كلبنان مثلاً، ناهيك بالخوف من ارتباط تلك الخطوات بإنهاء ملفّ اللّاجئين الذي يمثّل أحد أهمّ الملفّات الذي يُعيق أيّة تسوية لها علاقة بعودة اللّاجئين إلى فلسطين !!

د. محمود العلي*

*أكاديمي وباحث من فلسطين

“نشرة ” افق

Author: fouad khcheich

Share This Post On

Submit a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Top

Pin It on Pinterest

Share This

مشاركة

شارك هذا المقال مع صديق!